صورية بو عامر

صحافية جزائرية

الجزائر والعبور إلى برّ الأمان

انسحاب تبعه تأجيل، إجراءان تضمّنهما البيان الرئاسي للحاكم المُنتهية ولايته السيّد عبد العزيز بوتفليقة والذي يأتي كشكلٍ من أشكال الاستجابة لمطالب رفعها الجزائريون في حراكهم الشعبي العفوي، والذي عايشت السلطة الجزائرية تفاصيله منذ 22 شباط/ فبراير وطيلة ثلاث أسابيع مُتعاقبة. خرج فيها الشعب الجزائري إلى الشارع مُنادياً بإسقاط العهدة الخامسة ومُندّداً بترشّح السيّد عبد العزيز بوتفليقة.

التظاهرات في الجزائر (صورة أرشيفية)
التظاهرات في الجزائر (صورة أرشيفية)

وقد قابل الغضب الشعبي محاولات للسلطة وصِفت بالجريئة والتي تضمّنها بيان رئاسة الجمهورية، تمثّلت في سبعة التزامات تعهّد بها السيّد عبد العزيز بوتفليقة أهمها عدوله عن خوض غمار استحقاقات 18 نيسان/ إبريل القادم، وتأجيل هذه الأخيرة بالتحوّل إلى مرحلة انتقالية تكون كخطوةٍ أولى للتغيير والإصلاح لإعادة بناء جمهورية ثانية مبنية على تقويم دقيق لممارسة المسؤولية على جميع المستويات، كما دعا إلى وفاق وطني يقسم مساره السياسي ويكون بمثابة هيئة تتمتّع بكل السلطات اللازمة لتدارس وإعداد كل أنواع الإصلاحات التي تشكّل أسس النظام الجديد.

وقد أفصح السيّد عبد العزيز بوتفليقة في مجمل الإصلاحات التي تضمّنتها رسالته إلى الشعب، على القيام بتعديل حكومي في أقرب أجل، وهذا ما تم فعلاً، فقد تقلّد يوم أمس الإثنين وزير الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية الحالي نور الدين بدوي منصب وزير أول في مكان الوزير السابق أحمد أويحيى الذي قدّم استقالته في اليوم نفسه، كما عيّن رمطان لعمامرة نائباً للوزير الأول وهو المنصب الذي تم استحداثه ضمن جملة التعديلات.

وهذا وقد جاءت هذه القرارات لضمان سلامة البلد وحفظ استقراره ولتحمي مصالحه، حسب ما صرّح به بعض رجال السياسة المنتمين لأحزاب الموالاة المساندة للنظام السياسي القائم.

من جهة أخرى أبان بعض الحقوقيين والنشطاء السياسيين من أحزاب المعارضة عن رفضهم للحلول التي جاء بها بوتفليقة، واعتبروها مناورة سياسية خطيرة ومحاولة للالتفاف بالشعب لحفظ المصالح الشخصية من دون أدنى مسؤولية فيما سيؤول إليه الوضع لتحديد مصير الجزائريين، كما ندّدوا بالخطة الجريئة للسلطة لتغيير مسار الحراك الشعبي وضبط مطالبه في انسحاب شخص الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وهو ما يعتبر مطلباً جزئياً فقط للشعب الذي نادى إلى رحيل منظومة سياسية بأكملها، اعتبروا استحداث منصب نائب الوزير الأول كتعد صارخ على الدستور وتجاوز الانتخابات من دون أية أسباب قانونية مقنعة، وفي ظل ظروف تعتبر حاسمة بالنسبة للشعب الجزائري بمثابة إبادة للمطالب الشعبية، ووصفوه بالاستخفاف بعقول أكثر من 40 مليون جزائري واستغباء لهم، خاصة وأن إجراء الانتخابات في آجالها المحدّدة إجراء دستوري ضروري وحق يضمن للشعب سيادته، ووجده الجزائريون أنفسهم بداية ظهور بصيص أمل نحو التغيير الإيجابي وخطوة إلى الأمام لتحقيق انتصار الإرادة الشعبية.

جدير بالذكر أن مسيرات الكرامة التي شهدتها الجزائر والتي كان بطلها 17 مليون متظاهر عبر مختلف ولايات الوطن اعتبرت من أكبر التظاهرات الشبابية السلمية في العالم منذ عشرين سنة، هذا ما أهلّها لتفتك لها مرتبة في موسوعة غينيس حسب وكالة الأنباء العالمية رويترز.

وفي خضمّ كل هذه التجاذبات السياسية والمسيرات الشعبية السلمية ستظل الساحة السياسية الجزائرية تعرف مشاهد تفرضها أحداث هذه المرحلة التاريخية التي من المفترض أن تحدّد استمرار العصر البوتفليقي من عدمه هذا ما ستفصل فيه مستجدّات الأيام المقبلة.