فؤاد صباغ

كاتب تونسي

شركة أرامكو السعودية في الأسواق المالية العالمية

تشهد الساحة الإقتصادية السعودية جدلاً حاداً ونقاشاً متواصلاً حول مدى فاعلية وجدوى الإكتتاب العام لسندات شركة أرامكو السعودية الحكومية في الأسواق المالية العالمية. إذ تُعدّ في هذا الصدَد الثروات الطبيعية المصدر الرئيس للثروة الوطنية ، ولا يجوز بأية حال من الأحوال التفريط فيها لصالح المُستثمرين الأجانب أو خصخصتها بالكامل لتتحكّم فيها جهات إستثمارية أجنبية.

إن تراكُم العجز المالي المُتواصل والمُتصاعد في الميزانية السعودية يشكّل نذير خطر للإنجراف نحو الهاوية الإقتصادية
إن تراكُم العجز المالي المُتواصل والمُتصاعد في الميزانية السعودية يشكّل نذير خطر للإنجراف نحو الهاوية الإقتصادية

تشهد الساحة الإقتصادية السعودية جدلاً حاداً ونقاشاً متواصلاً حول مدى فاعلية وجدوى الإكتتاب العام لسندات شركة أرامكو السعودية الحكومية في الأسواق المالية العالمية. إذ تُعدّ في هذا الصدَد الثروات الطبيعية المصدر الرئيس للثروة الوطنية ، ولا يجوز بأية حال من الأحوال التفريط فيها لصالح المُستثمرين الأجانب أو خصخصتها بالكامل لتتحكّم فيها جهات إستثمارية أجنبية. إن قطاع الطاقة وبالأساس المحروقات تمثّل للدول النفطية الشريان الحيوي لإقتصادها الوطني والمورد المالي الهام لمداخيل ميزانيّتها العمومية. فالمملكة العربية السعودية تُعتَبر من أكبر الدول العالمية المُنتِجة للنفط والغاز، والمساهم الرئيس في منظمة الأوبك كدولةٍ عضوٍ ذات مردودية إنتاجية عالية تُقدَّر بحوالى إنتاج مليون برميل نفط يومياً. لكن في المقابل تسعى الحكومة الحالية إلى طرح أسهم شركة أرامكو الحكومية في الأسواق المالية العالمية ، وخاصة منها في بورصة وول ستريت وذلك قصد تقليص عجزها المالي المُتراكم منذ سنين طويلة في ميزانيتها العمومية. أيضاً تسعى إلى وضع الخطى الأساسية الأولى نحو تحرير الأسواق السعودية الداخلية ، وانفتاحها بالكامل على الإقتصاد العالمي وذلك في إطار الرؤية الإقتصادية الإستشرافية لسنة 2030.
تراكُم العجز المالي في الميزانية
إن تراكُم العجز المالي المُتواصل والمُتصاعد في الميزانية السعودية يشكّل نذير خطر للإنجراف نحو الهاوية الإقتصادية ، وانحراف مسار المجهودات الإصلاحية لمختلف القطاعات الحيوية المنتجة. إذ بلغ العجز المالي للمملكة العربية السعودية لسنة 2018 _ 35 مليار دولار_ وهذا يُعدّ رقماً سلبياً مهولاً في إقتصاد صاعِد يُراهن فقط على المُنتجات البترولية. كما أن ميزانيتها أصبحت تعاني مؤخّراً من عبء مُتفاقِم نظراً لتزايُد كلفة تمويل الحروب في منطقة الشرق الأوسط خاصة منها الحرب اليمنية والسورية. أما صفقات شراء الأسلحة التي تُعدّ في مُجملها أموالاً مبالغاً فيها بحيث إستنزفت كمية كبيرة من الأموال العمومية ، وذلك بتعلة التصدّي لتنامي الخطر الإيراني في المنطقة. بالنتيجة تسبّبت هذه العوامل في تراكُم عجز الميزانية وتضاعف المديونية بحيث لجأت في هذا الصدَد المملكة العربية السعودية إلى اقتراض مبلغ يُقدّر ب 7.5 مليار دولار من الجهات المانِحة والمؤسّسات المالية العالمية ، وذلك قصد تغطية عجزها في الموازنة السنوية العامة. أما عمليات الترقيع الإضافية لهذا الإستنزاف المالي الضخم فتمثّلت في إكتتاب سندات حكومية من الخزينة العامة في الأسواق المالية العالمية تقدّر بمبلغ 1 مليار دولار، مع التوجّه نحو سياسة الخصخصة عبر التفريط في بعض الشركات الحكومية الضخمة وخاصة منها شركة أرامكو النفطية العملاقة.
إيجابيات وسلبيات الإكتتاب العام لشركة أرامكو
إن التحرّر المالي والتجاري وسياسة الإندماج في العولمة الإقتصادية والمالية لها تأثيرات إيجابية وسلبية مباشرة على الإقتصاديات الوطنية لبعض الدول ذات الإقتصاد الصاعد أو الهشّ ، وخاصة منها الدول الإستهلاكية. إذ باعتبار أن الإقتصاد السعودي يُصنّف كإقتصادٍ صاعدٍ وواعدٍ ، فعمليات الخصخصة تمثّل له مكسباً هاماً يساهم بالنتيجة في رفع نَسَق التنافسية في الأسواق العالمية ، ويعود بالنتيجة على الخزينة العامة بمبالغ مالية ضخمة تقلّص من نسبة العجز المالي المُتراكم والمتواصل. فمن إيجابيات طرح أسهم شركة أرامكو للإكتتاب والتي تُعتَبر القلب النابِض للإقتصاد السعودي ، بحيث تُشغّل قرابة 65 ألف عامل وتساهم بنسبة 87% من مداخيل الميزانية متأتية خاصة من بيع المحروقات ، نذكر منها الرّفع في نَسَق الصادرات والإنتاجية مع احتمال انتعاش الأسواق المحلية ، وإرتفاع الأسعار البترولية مع جلب أكبر عدد ممكن من المستثمرين والمُضاربين في أسهم الشركة في بورصة وول ستريت. ففي المقابل ستتخلّى الإدارة المركزية الحكومية عن جزء كبير من عبء تكلفة التسيير الإداري والإنتاجي ، ليتحمّل بالنتيجة جزء من القطاع الخاص في المساهمة المباشرة لإدارة التنفيذ والتسيير ومتابعة الإنتاجية، مع تسديد عوائد مالية مباشرة للخزينة العامة ، وذلك بأقل التكاليف. أما سلبيات الإكتتاب في مجال الطاقة فتشكّل خطراً مستقبلياً نظراً لأنها ستستنزف الموارد المالية الحكومية ، وتقوّض سيادة إتّخاذ القرار السيادي في سوق رؤوس الأموال التي تتحكّم فيها فقط الأسعار المطروحة من قِبَل المستثمرين ، ما تشكّل بالنتيجة مصدر قلق يساهم في خفض أسعار الشراء وارتفاع أسعار البيع في الأسواق المالية بحيث يكون المُضارِب هو المستفيد الأول من تداول هذه الأسهم في البورصة. أيضاً فقدان سيادة القرار بالتحكّم في الإنتاجية بحيث سيتضاعف الإنتاج اليومي إلى مستوى 2 مليون برميل من النفط في اليوم ، ما سيؤثّر سلباً على مستقبل المخزون العام للمحروقات. عموماً تُعتبر رأسملة جزء من شركة أرامكو مفيدة للمالية العمومية السعودية التي تبحث عن موارد مالية أجنبية إضافية ، نظراً لإرهاق ميزان المدفوعات بمصاريف ضخمة في مجال التسلّح والحروب ، أو لتسديد ديون السعودية المتراكمة لدى الخزينة العامة الأميركية. كذلك تُعتبر سندات شركة أرامكو السعودية في الولايات المتحدة الأميركية والصين وكوريا الجنوبية في مجملها محفزاً مالياً للمبادرة بطرح أسهم هذه الشركة للتداول في بورصة وول ستريت الأميركية.
الرؤية الإستشرافية لسنة 2030
تُقدّر ميزانية شركة أرامكو بحوالى 2 تريليون دولار وهذا يُعتبر كرأس مال مهول جداً ، بحيث تشكّل هذه الشركة النفطية ثقلاً كبيراً في الإقتصاد السعودي والجزء الكبير من صادراته النفطية ، والتي تبلغ نسبة 90% من مجمل الصادرات. كما تساهم مجموعة فروع الشركة من مصفاة لتكرير النفط الخام داخل المملكة أو خارجها في دعم الإنتاجية ورفع المردودية على الصعيد العالمي. إذ تتمثّل الرؤية الإستشرافية لسنة 2030 في تعزيز مجال تحرير الأسواق المحلية السعودية وتحرير الأسعار مع تفعيل الإندماج الأوسع في منظومة الإقتصاد العالمي على جميع الأصعدة وخاصة منها المالية والتجارية. إن هذا النهج التحرّري الرأسمالي عبر طرح أسهم أغلب الشركات الحكومية السعودية في سوق رؤوس الأموال العالمية ، يفتح الباب أمام الإقتصاد السعودي لدعم مجال إندماجه في فضائه الإقليمي والدولي الذي يراهن على خصخصة جميع المرافق الحيوية للإقتصاد وعلى التحرّر المالي والتجاري. أما سياسة مكافحة الفساد وإرساء الحوكمة الرشيدة فهي ستنطلق بالأساس من بوابة التحرّر في تسيير مجلس الإدارة الإقتصادية ، والتحوّل من المركزية إلى اللامركزية في إتخاذ القرارات السيادية المصيرية بشأن الشؤون الإقتصادية والمالية، وذلك بتفويضها الكامل للمستثمرين وللمُضاربين. إنتهجت المملكة العربية السعودية مؤخراً سياسة الإنفتاح وذلك من خلال تحرير المرأة عبر السماح لها بقيادة السيارة وإحداث هيئة للترفيه تدير إقامة الحفلات الغنائية قصد جلب السياح. أما أحدثها الآن فهو السير بثبات على طريق التحرّر المالي والإندماج في الأسواق الإقتصادية والتجارية الحرّة ، وذلك عبر تقليص نفوذ إستحواذها لقطاع الطاقة والإنطلاق نحو خصخصة بعض الشركات الحكومية على غرار شركة أرامكو، وذلك من أجل تقليص العجز المالي المتراكم. بالإضافة إلى ذلك تراهن النظرة الإستشرافية للمملكة العربية السعودية في الفترة القادمة على تعزيز مكانة الإقتصاد الرقمي في الإقتصاد الوطني قصد الحد من الفجوة الرقمية وتطوير مجال التحكّم في تكنولوجيات المعلومات والإتصال الحديثة. أيضاً الرهان على الإقتصاد الأخضر الذي يُعتبر العمود الفقري للتنمية الإقتصادية من خلال تنويع مصادر المداخيل للميزانية العامة ، مع زيادة نسق القدرة التنافسية للشركات المحلية التي تساهم بدورها إيجاباً في رفع الإنتاجية والمردودية ، وبالتالي تحقيق الإستقرار والإزدهار الإقتصادي عبر تحقيق نسب مرتفعة من النمو الإقتصادي. فهذا الإكتتاب لسندات شركة أرامكو في الأسواق المالية ولو هو محدود بنسبة 5% فهو يمثل الخطوة الأولى على درب الإصلاح الهيكلي الموعود الذي سيحقّق المزيد من الشفافية والمصداقية في المعاملات المالية السعودية على الصعيد العالمي.
عموماً يُعتَبر طرح أسهم شركة أرامكو السعودية في الأسواق المالية العالمية في مجمله محدوداً حالياً ، وهو يمثل جزءاً من الحل للمشكلة الإقتصادية والمالية المتراكمة ، والتي تسبّبت فيها الزيادة المهولة في المصاريف العمومية ، إما لتمويل الحروب خاصة في اليمن وسوريا أو لشراء كميات ضخمة من الأسحلة بأسعار مرتفعة. أيضاً من خلال المساهمة في تمويل إعادة إعمار الدمار في الدول المُتضرّرة من تلك الحروب في منطقة الشرق الأوسط خاصة منها في العراق وسوريا. فهذا التحرّر المالي لشركة أرامكو وإندماجها في سوق رؤوس الأموال العالمية سيضاعف من نسبة الفوائد المالية وسيعزّز من ثقة المستثمرين الأجانب في الأسواق المحلية السعودية. بالتالي ستعود الفائدة على الخزينة العامة للمملكة العربية السعودية التي ستتّجه نحو تنويع مُنتجاتها الإقتصادية مثل الصناعات البتروكميائية أو الإستهلاكية. كما ستقلّص في المقابل من تركيزها على الإنتاج النفطي وتسمح لنفسها بإيجاد بدائل أخرى للموارد المالية ، والتي هي الآن في أغلبها متأتية فقط من بيع المحروقات في الأسواق العالمية.