فوزي بن حديد

كاتب تونسي

هل تعود العلاقات التركية السورية إلى مجاريها؟

ومن منطلق الأخ يغفر زلّة أخيه مهما جار وظلم إذا بادر إلى  الإصلاح، يسعى وزير الخارجية الإيراني إلى تلطيف الأجواء بعد حرارة الصِدام طوال الفترة الماضية نتيجة تدخّل قوى أجنبية فرّقت بين الشقيقتين الجارتين.

لا شك أن المهمة صعبة جداً خاصة إذا علمنا أن موقف أردوغان مازال متصلّباً من النظام السوري (أ ف ب)
لا شك أن المهمة صعبة جداً خاصة إذا علمنا أن موقف أردوغان مازال متصلّباً من النظام السوري (أ ف ب)

لا شك أن جولة وزير الخارجية الإيراني محمّد جواد ظريف إلى كل من سوريا وتركيا تحمل الجديد، فبعد أن رجع عن استقالته التي قدّمها إثر زيارة الرئيس السوري بشّار الأسد المفاجئة إلى إيران ولقائه روحاني وخامنئي، أراد ظريف أن يواصل المشوار الذي بدأه في حياته السياسية وزيراً للخارجية، وقد نجح إلى حدّ كبير في بلورة السياسة الخارجية الإيرانية التي تغلّب عليها التعاون والتقارُب مع الدول الكبرى في العالم أبرزها الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والاتحاد الأوروبي إلى جانب دول أخرى لها علاقة تاريخية بإيران، فبينما كانت إدارة أوباما أكثر مرونة من الإدارة الحالية وتفهّمت قلق إيران مما يجري خارجها وداخلها وحقها في الحصول على طاقة نووية تستفيد منها ، إذ إنها ليست بدعاً من الدول الأخرى التي مارست هذا الحق كباكستان والهند والصين وروسيا وحتى إسرائيل التي لا يعرف المجتمع الدولي شيئاً عن ترسانتها النووية كمفاعل ديمونة وغيره، تأتي هذه الإدارة لتمسح الاتفاق الذي تمّ بعد جهود مضنية وزيارات مكوكية وتنازلات مؤلمة، ويبقى متأرجحاً طوال هذه الفترة.

كما أن تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، ومعاقبة الدول التي تتعامل مع إيران اقتصادياً، ساهم كل ذلك في أن تبحث إيران عن بدائل وأساليب أخرى لمواجهة الصلف الأميركي والتعنّت الإسرائيلي الذي سيزداد في المرحلة المقبلة فيما لو نجح بنيامين نتنياهو في تشكيل حكومة لا شك أنها ستكون يمينية متطرّفة إلى حد كبير، كما أن علاقة إيران بسوريا ازدادت وثوقاً ورسوخاً إبان الحرب في سوريا التي دامت أكثر من ثماني سنوات في وجه الطغمة الإرهابية، جعلت من إيران  الحامي والوسيط بينها وبين تركيا الدولة الجارة التي كانت تربطها علاقات سياسية واقتصادية قوية، ويبدو أن ظريف سيحاول هذه المرة سدّ الفجوة بين البلدين قدر المستطاع ، ورأب الصدع بين الجارتين، وخلق توازن جديد في المنطقة في مجابهة إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول العربية المتعنّتة، التي تريد أن تغيّر وجه المنطقة لصالح إسرائيل من خلال ضمّ القدس والجولان وربما غور الأردن وسيناء لتحقيق حلم إسرائيل الذي طال أمده، فهل يكسر ظريف هذه النظرية وينجح في إنشاء تكتل جديد؟

لا شك أن المهمة صعبة جداً خاصة إذا علمنا أن موقف أردوغان مازال متصلّباً من النظام السوري، ومازال يرفض التعامل معه من جميع الجهات وعلى جميع الجبهات، لكن المصالح المشتركة قد تغيّر وجهات النظر، ويصبح المستحيل ممكناً، في ظل التوجّهات العالمية الجديدة والتكتلات المُخيفة بعد أن جاءت تسريبات من البيت الأبيض تتحدّث عن ضمّ سيناء لإسرائيل الكبرى، ومواجهة الخطر الإيراني وتحجيم دور سوريا في المنطقة والقضاء نهائياً على حركات المقاومة كحماس وحزب الله، كل ذلك دفع المعنيين في إيران إلى التوجّس خيفة مما سيقع، والتحرّك الفوري أمام الجمود الشعبي العربي والإسلامي وانشغال الدول العربية والإسلامية بمشاكلها الداخلية.

وفي الجانب الآخر يرى المراقبون أن جولة ظريف إلى سوريا ومن ثم إلى تركيا لها دلالة خاصة وتأثيراتها الجيوسياسية على المنطقة برمّتها بعد أن اتّضح مسار اليمين المتطرّف في كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية وقلب الطاولة عليهما من خلال نزع فتيل الكراهية بين الجارتين وإصلاح العطب السياسي بين الدولتين.

ومن منطلق الأخ يغفر زلّة أخيه مهما جار وظلم إذا بادر إلى  الإصلاح، يسعى وزير الخارجية الإيراني إلى تلطيف الأجواء بعد حرارة الصِدام طوال الفترة الماضية نتيجة تدخّل قوى أجنبية فرّقت بين الشقيقتين الجارتين.

 فهل ينجح ظريف في إحداث منعرج جديد وكسر الجليد بين تركيا وسوريا وهو أمر مهم جداً إذا حصل ليتكامل المشهد ويكتمل بعد تغيير السياسة التركية واستيعاب المشهد السوري الآني والقابل للتغيير وإرجاع المياه إلى مجاريها، وإحقاق الحق والوقوف صفاً واحداً في وجه التطرّف الأميركي والتعنّت الإسرائيلي على حد سواء في السنوات المقبلة ، خاصة إذا نجح نتنياهو في تشكيل حكومة وفاز ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة، وتبقى مجريات الأحداث المُتسارِعة هي الفيصل في الحكم على هذه النتيجة أو تلك ورهناً للتحوّلات الدراماتيكية في المنطقة.

هل يتغيّر وجه المنطقة فعلاً على عكس ما كان يتمنّاه كل من ترامب ونتنياهو؟ أم أن الأمر لا يعدو مجرّد زيارات تجميلية لطمأنة الرأي العام، أم أن هناك فعلاُ إرادة قوية لإحلال السلام وإرساء قواعد جديدة في العلاقات بين الدول؟