محمد سلام

كاتب عراقي

"داعش"، السلاح الأميركي الفتّاك في العراق وسوريا

دخول أميركا ودول أخرى في التحالف الدولي جاء بعد إحتلال التنظيم مساحات شاسِعة من العراق وسوريا، تفوق مساحة دول أوروبية كاملة، وبعدما سيطر التنظيم وتمكّن من رِقاب ملايين البشر تحت حُكمه.

"داعش"، السلاح الأميركي الفتّاك في العراق وسوريا
"داعش"، السلاح الأميركي الفتّاك في العراق وسوريا

لا يُخفى على أحدٍ أن الطريقة التي اجتمع بها المُتطرّفون من جميع أنحاء العالم صوب العراق وسوريا، لتكوين ماعُرِفَ لاحقاً بتنظيم داعش، هي طريقة يشوبها الكثير من علامات الإستفهام لا يمكن أن تتمّ من دون إرادة مخابراتية دولية، حيث كان مسارهم من دول أوروبا وأفريقيا وآسيا بطريقةٍ مدروسةٍ وعبر طريق ومسارات رسمية عبر تركيا، ثم الدخول إلى سوريا والعراق، وربما ما قاله الرئيس الأميركي الحالي خلال خطاب إنتخابي له، إن داعش هي صنيعة الإدارة الأميركية، متّهماً سلفه باراك أوباما وكادره بتوفير كل السُبُل اللازِمة لتكوين واستفحال داعش واحتلال أراض شاسعة من العراق وسوريا، هذا الكلام يأتي بمثابة إعتراف واضح حول تورّط واشنطن ، وبالتأكيد عواصم أوروبية وعربية وربما أخرى بهذا التنظيم الذي أحرق وذبح البشر ودمَّر الحجر في بلدين هما الأعرق بالحضارة الإنسانية.
وقد تكون بعض الحقائق مُصادِقة على ما قاله ترامب بخصوص داعش، وهي امتناع الولايات المتحدة في بداية ظهور وتمدّد التنظيم في العراق وسوريا عن التدخّل لوقفه والقضاء عليه، في حين كانت تمر أرتال التنظيم الإرهابي بكامل عدّتها وعديدها عبر الصحراء بين سوريا والعراق تحت أنظار الأقمار الصناعية الأميركية ، والطائرات المُسيّرة الأميركية التي تسيطر على تلك المنطقة لوحدها، في وقتٍ كانت فيه واشنطن يُفترَض أنها مُلتزِمة بإتفاقية إستراتيجية للدفاع عن العراق في حال تعرَّض لخطرٍ من هذا النوع، وفي ذات الموقف ذكر رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي بعد خروجه من السلطة، إن الرئيس أوباما أبلغه أنه غير مُتحمِّس لتدخّل الجيش الأميركي بمواحهة التنظيم، فهذا الإمتناع الأميركي قد يكون تأكيداً على كلام ترامب.
لكن دخول أميركا ودول أخرى في التحالف الدولي جاء بعد إحتلال التنظيم مساحات شاسِعة من العراق وسوريا، تفوق مساحة دول أوروبية كاملة، وبعدما سيطر التنظيم وتمكّن من رِقاب ملايين البشر تحت حُكمه.
ومنذ اليوم الأول لإحتلال التنظيم الأراضي العراقية والسورية وحتى يوم تحرير الأرض، هناك الكثير من الأرواح أزهِقَت بشتّى أنواع القتل، وملايين البشر تمّ تهجيرهم من مناطقهم ، وبات من الصعب الرجوع إليها بعدما أصبحت مع مستوى الأرض، لكن بهمّة العراقيين ومن الجانب الآخر السوريين تمّ تحرير الأرض، لكن التحرير بتواجدٍ أميركي على الأرض، ولم يتم القضاء على التنظيم بشكلٍ نهائي بإرادةٍ أميركية، وهناك الكثير من الشواهِد... أبرزها، موقف واشنطن الغامِض حيال حماية التنظيم بعدما تمّت مُحاصرته من قِبَل القوات السورية والروسية والحليفة في سوريا، ووفّرت القوات الأميركية عبر الحماية الكاملة لعناصر التنظيم وعوائلهم قرب قاعدة التنف، وآخرها في الباغوز بعدما أوكلت الولايات المتحدة لحليفتها قوات سوريا الديمقراطية بالتحرير، ثم ما أن تمّ إلقاء القبض عليهم اختفوا وعدد بسيط منهم سلّم إلى العراق لمحاكمته، وبغالبيتهم من النساء والأطفال.
وقبل ذلك العراق أبان معارك التحرير، ففي معارك تلعفر سلّم الكثير من عناصر التنظيم أنفسهم لقوات البيشمركة، ولم يُعرَف مصيرهم حتى اليوم، أما في الموصل التي كانت تعدّ آخر معاقل التنظيم، حيث فرّ منها الإرهابيون صوب تلعفر والصحراء الشاسعة والمُترامية الأطراف، وفي ظلّ هذه النهاية الغامِضة للتنظيم والتي كانت الإدارة الأميركية موجودة لتكوينها بهذا الشكل، أخذت التصريحات الأميركية منعطفاً آخر خصوصاً في العراق، ذلك البلد الذي خرجت منه من الباب مهزومة في عام 2011، ووفّر تنظيم داعش لها العودة من الشبّاك، لتكون قواعد عسكرية ضخمة وتعمل خارج نطاق السيادة العراقية بحجّة قوات لدعم وإسناد القوات العراقية للحفاظ على الأمن، فالتصريحات الرسمية الأميركية مُتخوّفة وتحذّر دوماً من عودة التنظيم مرة أخرى، وبهذا تقدّم صورة أما نحن نتواجد عسكرياً، أو سننسحب وتدخل داعش مرة أخرى، ما يعني أن داعش تحوّلت إلى أداةٍ لابتزاز العراق وحتى سوريا، والخطر يكمُن في أن داعش قد تُستخدَم فعلاً، لأنها لم تنته كلياً في العراق تحديداً، بل انتقل جزء منها من المدن إلى الصحراء ووادي النقب قرب كربلاء بحماية الطائرات الأميركية، وما زالت تمتلك الأسلحة والخطط الإرهابية لتفيذها وذلك بمعزل عن مدى نجاحها بإحتلال الأرض من جديد، لكنها بإرادة البيت الأبيض موجودة ومُجهَّزة.
وربما تبيّن سبب آخر من تواجد داعش وتوقيت القضاء عليها أميركياً، حيث أن داعش سمحت بتواجد قوات أميركية في العراق، بالإضافة الى تواجد حلفاء لها على الأرض في سوريا، واستُخدِم التنظيم وجماعات مسلّحة أخرى لتدمير العراق وسوريا بصورةٍ كبيرة، ونجح هذا المُخطّط، بالتزامُن مع مشروع شيطَنة إيران وحصارها، حيث يتيح تواجدها في العراق إثارة المُخطّطات التي تهدف إلى إبعاد إيران عن الساحة العراقية وفَسْح المجال أمام دول الخليج لتكون هي الأقرب وهذا يحصل حالياً، بالإضافة إلى فرض عقوبات على حزب الله في لبنان، وكل الأطراف التي قارعت داعش في الحقيقة استنزفت لفترةٍ من الزمن والآن تُحاصَر وتُلاحَق وتُشيطَن، ليكون الطريق مُعبّداً أمام ما يُعرَف بصفقة القرن، التي يتوقّع الإعلان عنها رسمياً في حزيران المقبل، وما كان الإعتراف الأميركي بالقدس ثم الجولان تحت سيادة إسرائيل، إلا بداية وبالون إختبار لإعلان ما هو أكبر، والتأكّد من أن تجربة داعش قد نجحت، لكن مَن قال إن واشنطن ستصنع ما تريد، ربما تكتشف أنها مُتوهّمة بأنها نحجت بتعبيد الطريق أمام إسرائيل.