نجاح عبدالله سليمان

كاتبة وإعلامية مصرية

الابتزازيّة الأميركية للسعودية مقابل تصفير النفط الإيراني

الرّد الأقوى على ترامب يجب أن يكون بتوجيه البوصلة السعوديّة إلى القدس المحتلة
الرّد الأقوى على ترامب يجب أن يكون بتوجيه البوصلة السعوديّة إلى القدس المحتلة

"إدفعوا الأموال مقابل الدفاع عنكم، فدفاع الولايات المتحدة عن المملكة يكلّفها الكثير، وبالتالي على الرياض الدفع مقابل ذلك". يأتي ذلك الحديث ضمن وصلات متكرّرة، للمرّة الرابعة لترامب وبطريقةٍ ابتزازيّة، على السعوديّة وعاهلها، وللمرّة الرابعة أيضاً لم يَصدُر أيّ رد قوي قاطع على هذه القذفات المؤلمة، الأمر الذي يُثير العديد من علامات الاستفهام، خاصّةً أن المملكة تملُك أكبر الجُيوش الإلكترونيّة في العالم بأسره، ناهيك عن كثرة المُتحدّثين باسمها في الداخل والخارج.

البداية مع خطابٍ ألقاه أمام أنصاره في ولاية وينسكونسن، كرّر ترامب تعاطيه لحُلفائه السعوديين بطريقةٍ فجّةٍ، ومُهينة، عندما قال "اتّصلت بالملك سلمان، وأنا مُعجب به، وقلت أيّها الملك نحن نخسر أموالاً كثيرة، لا نُريد أن نخسركم ونخسر أموالكم.. اشتريتم منّا الكثير.. اشتريتم منّا ما قيمته (450 مليار دولار).. نحن ندعم استقراركم.. ادفعوا لنحميكم".

هنا نتذكّر وفي خطاباتٍ مُماثلة، ما كرّره ترامب من لغة تهكّمية عندما "عايَر" الحكّام الخليجيين ومن ضمنهم حكّام الرياض بأنّه لولا الحماية الأميركيّة لخسِروا طائراتهم الخاصّة، وسافروا على الدرجة السياحيّة، والتهمتهم إيران في أقل من 12 دقيقة، ولأصبحت المِنطقة تتحدّث الفارسيّة.

الحقيقة الواقعة أن الصّمت إزاء كل هذا هو أحد الأسباب التي تدفع الرئيس الأميركيّ على تِكرارها بين الحين والآخر، بمُناسبة ومن دون مُناسبة، وزيادة حدّة جُرعة السخرية فيها لإضحاك الحُضور، وتسليتهم، وبغضّ النّظر عن الموقف من المملكة وسياساتها رفضاً أو مُباركة. السعوديّة من المُفترض أن تكون الحليف الأوثق للولايات المتحدة الأميركيّة، وترتبط معها بمُعاهدة واتّفاقات دفاعيّة وتجاريّة مكتوبة يلتزم بها البيت الأبيض، وبغضّ النّظر عن ساكنه، مُنذ لقاء عبد العزيز بن سعود وروزفلت على ظهر الفرقاطة الأميركيّة "يو إس إس كوينسي (CA-71)"، في البحر الأحمر 1945، وأميركا لا تُقدّم هذه الحماية مجاناً، وتقبض ثمنها نقداً، ومقابل توفير الحماية للمصالح الاستراتيجيّة الأميركيّة في منطقة الشرق الأوسط وبعض مناطق العالم الإسلامي، لمصلحة أميركا بات معروفاً ولا نحتاج إلى تِكراره.

نذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، ونعود إلى تصريحاتٍ أدلى بها الرئيس ترامب نفسه، وأشاد فيها بدور المملكة في حماية إسرائيل ومشروعها في المنطقة، وصفقة القرن، وتأسيس حلف الناتو العربي السنّي، استعداداً لمُواجهة إيران. لا نعرف الأسباب الحقيقيّة التي تدفع بترامب لـ"تقليل" حُلفائه السعوديين بهذه الطّريقة، خاصّةً أنّ تصريحاته الأخيرة المُهينة تأتي في وقتٍ هو بحاجةٍ ماسّةٍ إلى المملكة لقُرب تطبيقه الدّفعة الثانية من العُقوبات على إيران، وعُنوانها الأبرز صِفر صادرات نفطيّة، وما يُمكن أن يُسفر عن هذه الخطوة من توتّرات يُمكن أن يكون اندلاع الحرب في المِنطقة من أبرزها. وها هي إيران تصمُد لأكثر من 40 عاماً تحت الحِصار وتتحوّل إلى دولةٍ إقليميّةٍ عُظمى مدعومةً بترسانة أسلحة مُتطوّرة، وبرنامج نوويّ طموح.. والقائِمة طويلة.

مما لا شك فيه أن الرّد الأقوى على ترامب يجب أن يكون بتوجيه البوصلة السعوديّة إلى القدس المحتلة، والمُصالحة مع دول الجِوار، وتعزيز الجبهة الداخليّة بالديمقراطيّة والمُساواة والعدالة الاجتماعيّة، ووقف الحرب فوراً في اليمن، وتطوير صناعة عسكريّة مُتطوّرة وبناء اقتصاد قويّ مُتنوّع، وفق استراتيجيّة مدروسة بإحكام، أمّا الصّمت فلن يقود إلا إلى مزيد من التّطاول والاحتِقار والبذاءات، من ترامب أو غيره.

الحقيقة أن الحِماية الأميركيّة سترتد سلباً على المملكة وستُعطي نتائج عكسيّة، وربّما تؤدّي إلى دمارها، خاصّةً إذا ما اشتعل فتيل المُواجهة العسكريّة "المُحتملة" و"الوشيكة" بين إيران وأميركا، بتحريضٍ ولأهدافٍ إسرائيليّة بحتة، لا ناقة للسعوديّين والعرب عُموماً فيها ولا جَمَل. وهنا نتذكّر جيداً ما كان قد أعلنه في 1 تشرين الأول/ أكتوبر 2018 خلال كلمة له في ولاية ويست فرجينيا أنه تحدّث مع ملك السعودية وقال له "لديك تريليونات الدولارات ومن دوننا لا أحد يعرف ماذا قد يحصل؟، ربما لا تستطيع الاحتفاظ بطائراتك وقد تتعرّض للهجوم، ولكن طائراتك بمأمن لأننا نحن من يؤمّن لها الحماية".

يبقى أن الحقيقة الواضحة أنه "المال مقابل الصمود والحماية"، هي المعادلة التي حملها ترامب في وجه السعودية، وهي معادلة يُقال فيها الكثير. فالمطلوب من السعودية أن ترفع إنتاجها النفطي بعد انتهاء فترة إعفاء بعض الدول من الالتزام بالعقوبات الأميركية على إيران أوائل شهر أيار/ مايو المقبل. وعلى السعودية سدّ أيِّ نقص في الأسواق العالمية، من خلال زيادة إنتاج النفط إلى الدرجة القصوى لديها، والتي قد تتجاوز الـ(12 مليون برميل) يومياً. وإن دانت الخارجية الإيرانية موقف السعودية الداعم للعقوبات الأميركية على صادرات النفط الإيرانية، واعتبرته دليل "تبعية عمياء لأميركا وجهل بتبعات هذا الأمر".

قد تكون تطوّرات سعودية عقب إعلان الولايات المتحدة عدم تمديد الإعفاءات الخاصة بالعقوبات على عدد من الدول التي تستورد النفط الإيراني، وإن أعقبه تأكيد سعودي عن استعدادهم تعويض أيّ عجز سينتج من وقف الصادرات الإيرانية من النفط. وإن جاء ردّ مرشد الثورة الإسلامية الإيرانية آية الله علي خامنئي الذي وصف قرار الولايات المتحدة إنهاء اعفاءاتها من العقوبات للدول التي تستورد النفط الإيراني بأنه "قرار عدائي لن يمر من دون رد، فلن تؤدّي المحاولات الأميركية لحظر النفط الإيراني إلى أية نتيجة، فسنصدّر كميات النفط التي نحتاجها وننوي تصديرها".

إن واقع الموقف السعودي الداعِم للعقوبات الأميركية على صادرات النفط الإيرانية، جاء كجزء من التبعية الأميركية. فهو تسابق سعودي واضح نحو استعدادها للانخراط في حرب النفط التي يزمع ترامب شنّها ضد إيران، نحو حسابات مشكوك بها بشأن قدرتهم على تعويضها النفط الإيراني في السوق الدولية. وتوهّم أن النفط سلعة تجارية يمكنهم تسويقها بضغط من ترامب في الدول الحليفة لأميركا، ذلك من دون مراعاة هذه الدول استراتيجية تعدّد المصادر وحرصها على عدم الخضوع لإملاءات أحادية في إطار التحالف مع واشنطن.. وعليه فقد هل يستمر الإبتزاز الأميركي للسعودية مقابل النفط الإيراني.