ربى يوسف شاهين

كاتبة وإعلامية سورية

أستانا12و تركيا .. بين التطبيق السياسي والخيار العسكري.

ما أخرجته العملية السياسة في أستانا بإشراك تركيا في الحل السياسي للحرب على السورية، حضّر له أردوغان جيّداً ليستثمر السنوات الثماني من الحرب لصالحه، ويحقّق ما يتمنّاه في قَضْم أراضٍ من الجغرافية السورية، كحركة سياسية في إطار عسكري، لا سيما أن أردوغان يأمل بعودته سُلطاناً، على هيئة "الامبراطور العثماني للعالمين العربي و الإسلامي".

أستانا12و تركيا .. بين التطبيق السياسي والخيار العسكري.
أستانا12و تركيا .. بين التطبيق السياسي والخيار العسكري.

حيث انتهى اجتماع أستانا الـ12 بين الدول الضامِنة وبحضور المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسون، لإنهاء الملفات السياسية المُتعلّقة بملف إدلب، إضافة إلى ملف اللجنة الدستورية، بدأت تطفو على السطح خلافات سياسية لكنها ليست بالجوهرية، فالبيان الخِتامي أفضى إلى قرارات مُتّفق عليها منذ بداية نُسخ أستانا، وهي مكافحة الإرهاب، واحترام السيادة السورية وتسهيل عودة اللاجئين السوريين، و لكن ما أخذته تركيا على عاتقها في مخرجات سوتشي، وخاصة المنطقة منزوعة السلاح، بالإضافة إلى تسوية مسألة إدلب و فصائلها الإرهابية، ما زال يُراوح في المكان، فما أخرجته العملية السياسة في أستانا بإشراك تركيا في الحل السياسي للحرب على السورية، حضّر له أردوغان جيّداً ليستثمر السنوات الثماني من الحرب لصالحه، ويحقّق ما يتمنّاه في قَضْم أراضٍ من الجغرافية السورية، كحركة سياسية في إطار عسكري، لا سيما أن أردوغان يأمل بعودته سُلطاناً، على هيئة "الامبراطور العثماني للعالمين العربي و الإسلامي".

في قراءة واضِحة للفعل التركي على الأرض السورية يتبيّن الآتي:
- بداية زجّ الفصائل الإرهابية التابعة لأردوغان في الداخل السوري لتمكين القوات التركية من دخول الأراضي السورية في وقتٍ لاحق.
- زرع البلبلة وسرقة وتهجير سكان المناطق التي انتشر فيها الإرهاب لإظهار الدولة السورية مُنهزِمة في تلك البُقَع الجغرافية التي سيطرت عليها أدوات أردوغان.
- الادّعاءات التركية بأن الوضع في الشمال السوري بات يُهدِّد الأمن القومي لتركيا، ولابدّ من الدخول إلى الجغرافية السورية لحماية حدودها.
- التسلّل واحتلال مناطق في الشمال السوري كعفرين و جرابلس بعمليتين هما درع الفرات وغصن الزيتون.
- التثبيت على الأرض في المناطق التي احتلتها تركيا عبر قيامها بما يفعله المُحتل، من تغييرٍ ديموغرافي كاللغة والعملة وبناء مرافق حيوية خاصة بالدولة التركية وجدار إسمنتي في عفرين لتفصلها عن أخوتها السوريين وغيرها الكثير من الانتهاكات.
- بدء المُماطلة لجهة الحل السياسي في المناطق التي تتواجد فيها الفصائل الإرهابية لحين استكمال إجراءات الفصل للمناطق التي احتلتها تركيا عبر أدواتها.
- التصريحات المُتضارِبة لتركيا منذ البداية حتى دخولها كعضوٍ ضامِنٍ في أستانا لتدّعي أنها تقف مع سيادة جميع الأراضي السورية.
- البدء في التملّص من الحل السياسي المُتعلّق بإدلب عبر الربط بالتصريحات التركية المُتعلّقة بشنّ هجمات على الكرد في شرق الفرات بالاتفاق مع الأميركي.
وعليه باتت السياسة التركية مكشوفة للجميع، وما اجتماع أستانا في نظرها إلا شكليٌ لإعادة تغريد ما اعتادت أن تُصرِّح به في الاجتماعات السابقة لأستانا.
سوريا وروسيا وإيران تُدرِك جيداً أن ما تخفيه تركيا في محاولاتها السياسية البائِسة، هو فقط لإطالة أمَد الحرب على سوريا، وما تقرّره هي وحليفتها واشنطن عبر مباحثات تجري تحت الطاولة لتقسيم سوريا، بات واضحاً للجميع، خاصة وأن تركيا تسعى ومن خلال اللعب على الحبال السياسية، أن تضمن الحصول على أكبر قِدْرٍ من المكاسب السياسية، لكن سوريا وحلفاءها وضعوا تركيا في بوتقة السياسة الواضحة، وبالتالي وتحديداً في هذه المرحلة المنضوية على تطوّرات جمّة مُتعلّقة بملف إدلب، لم يعد لتركيا أردوغان أيّ هامش للمناورة السياسية.
إذاً و بعد أن تمّ الاجتماع في أستانا "نور السلطان"، وتأجيل إقرار اللجنة الدستورية لظهور خلافات مُتعلّقة بتحديد أسماء المشاركين في اللجنة الدستورية، والذي حُكماً تفتعله ما تُسمّى بالمعارضة السورية، وذلك بالاتفاق مع أردوغان لزجّ أسماء من الإخوان المسلمين، وغير المقبولين من الشعب السوري أو القيادة السورية، وإرجاء الإقرار بالأسماء لموعد أستانا المقبل في حزيران القادم، وحتى ذلك التوقيت سنكون أمام مشهد عالي التوتّر من كافة الأطراف، والتي باتت بوادره تظهر لدى القيادة السورية والجيش السوري مع روسيا وإيران، عبر التحرّك العسكري ودكّ معاقل الإرهابيين في إدلب ومحيطها، لأن صبر الدولة السورية وحلفاءها قد نفذ من التصريحات السياسية التي لم تُثمر تحقيق مُنجزات في مسار التسوية السياسية.
محاولات عبثيّة ترتكبها السياسة الأميركية والتركية في المنطقة، وأصبح حرياً التحرّك لكَسْر شوكة الإرهاب في المناطق الخاضعة لسيطرة التركي والأميركي على السواء، وكترجمةٍ واضحةٍ لنفاذ صبر الدولة السورية و حلفائها، بدأ التحرّك للحلفاء مع سوريا تُجاه أماكن تواجد الإرهابيين في محيط إدلب، وتحديداً تلك المناطق المُتّفق عليها والتي تندرج في إطار المناطق منزوعة السلاح، هنا بدأت واشنطن تناشد الدولتين السورية والروسية بوقف العملية العسكرية الدقيقة، وكالعادة تحت ذريعة حماية المدنيين، والذين هم من أولى اهتمامات القيادة السورية والجيش السوري، وبالتالي فإن المُناشدات الأميركية تأتي في إطار الضغط السياسي على سوريا وحلفائها، وفي جانبٍ آخر لمحاولة تعطيل أيّ حل سياسي ستُفضي إليه العملية العسكرية في إدلب، وإبقاء الوضع في إدلب كما هو.