فؤاد صباغ

كاتب تونسي

تأثيرات تكنولوجيات الإتصال والمعلومات على المجتمعات العربية

عموماً تعتبر تكنولوجيات الإتصال والمعلومات مفيدة عبر نتائجها الإيجابية لتخلق عالماً جديداً ومتطوّراً يعتمد على الإبتكار والإبداع ويساهم في تطوير الموارد البشرية العربية. أما نتائجها السلبية فكانت تأثيراتها مُدمّرة للمكاسب الوطنية ومُنتهِكة لحقوق الشركات والأفراد و أيضاً لسيادة الدول.

نتائج التكنولوحيا السلبية كانت تأثيراتها مُدمّرة للمكاسب الوطنية ومُنتهِكة لحقوق الشركات والأفراد
نتائج التكنولوحيا السلبية كانت تأثيراتها مُدمّرة للمكاسب الوطنية ومُنتهِكة لحقوق الشركات والأفراد

مما لا شك فيه تُعدّ تكنولوجيات الإتصال الحديثة والمعلومات الرقمية مؤخّراً جزءاً لا يتجزّأ من حياتنا اليومية. إذ تحوّلت وسائل التواصل الإجتماعي مثل الفيسبوك والتويتر لدى أكبر شريحة من أفراد المجتمعات العربية إلي ساحة واسعة لتبادل الآراء والمعلومات. إذ أضحت هذه الوسائل كالملح الذي لا يغيب عن الطعام حتى عند أولئك الأشخاص التي تعتقد أن القلم والقرطاس فوق الجميع ولا بديل لهما مهما كانت الظروف. بالتالي أصبح الجميع منشغلاً بتلك التقنيات الحديثة ومتابعاً للأخبار الإلكترونية والإبتكارات التكنولوجية مع البحث والتدقيق في أبسط جزئيّات تلك التكنولوجيات. إن عالمنا الحالي يشهد طفرة نوعية من المُتغيّرات الصاعِدة والواعِدة على مستوى هذه التكنولوجيات المعلوماتية  والإتصالاتية الرقمية. إذ لا مجال اليوم لرسم الحدود بين الدول بحيث تحوّل عالمنا إلى مجرّد قرية رقمية وعلبة إلكترونية تربطها شبكة رقمية إتصالاتية تشمل الجميع من شركات وأفراد ومؤسّسات حكومية ، عبر أجهزة الكومبيوتر  والبرمجيات وغيرها من وسائل التواصل المباشر، وذلك في بضعة ثوان معدودة وكأن الجميع في غرفة واحدة. فعلى الرغم من الإيجابيات التي توفّرها تلك التكنولوجيات الحديثة مثل إستغلالها للعمل المباشر وتقليص الزمن وتقريب المسافات وإنشاء برمجيات عمل وإبداع من تطوير وبرمجة، إلا أنها في المقابل كانت سلبياتها كارثية وأضرّت بمصالح العديد من الأشخاص، ولعلّ من أبرزها تلك الثورات الإجتماعية التي أطاحت بأغلب رؤساء العالم شراسة ودكتاتورية.  وأيضاً انتهاكاتها للمُعطيات الشخصية وتأثيراتها السلبية عبر القرصنة للإنتخابات الرئاسية أو غيرها من مواقع الشركات والجامعات.

تأثيرات إيجابية

 إن هذه التطوّرات في الإقتصاد الرقمي أصبحت تشمل مؤخّراً العديد من المجالات والقطاعات الحيوية في الإقتصاديات الوطنية للدول العربية لتكون بذلك العمود الفقري للإقتصاد العصري. فهذه المُتغيّرات سمحت للعلماء والباحثين بتطوير أساليب عملهم ومعاملاتهم اليومية ، بحيث شمل العالم الإفتراضي قطاع الصحة فأحدث بالنتيجة آخر صيحة وهي العمليات الجراحية الإلكترونية التي تُدار في قاعات عمليات تضمّ أطباء من مختلف دول العالم وذلك عبر إتصالات بالأقمار الصناعية وبشبكة الإنترنت العنكبوتية. أما قطاع التعليم فهو يُعدّ من أبرز القطاعات التي استفادت بشكلٍ كبيرٍ من العالم الإفتراضي خاصة في مجال البحوث العلمية وتطوير نمَط التدريس عبر إستعمال القاعات الإفتراضية عن بُعد. بالتالي برزت ظاهرة التعليم الإلكتروني في أغلب الدول العربية وخاصة منها الدول الخليجية وذلك عبر تنامي ظاهرة الإستثمار في المدارس الرقمية  والجامعات الإفتراضية وحتى منها إنشاء برمجيات لقاعات إلكترونية تسمّى بالتدريس عن بُعد من المنزل ، تضمّ إستاذاً إلكترونياً ومجموعة طلاب من مختلف دول العالم تتلقّى دروس دعم ، وتكويناً تأطيرياً وعلمياً. بالإضافة إلى ذلك أصبحت أغلب الجامعات العالمية مُستفيدة من قاعدة البيانات الإلكترونية عبر الشبكات الرقمية المعلوماتية ، التي تضمّ جميع القواعد العلمية والمكتبات الرقمية العالمية. بالتالي اختزل الزمن والمجهود في البحث وأصبح الفرد يتمتّع بسهولة الوصول إلى المعلومة بسرعة فائقة ليتمّ بعد ذلك تحليلها ومناقشتها وتشكيل رأي خاص بكل فرد ، وزاد معرفي وإبداعي تأطيري أو تحويل المادة العلمية إلى مادة تدريس دسَمة عبر الأعمال التطبيقية المباشرة. ساهمت تكنولوجيات الإتصال  والمعلومات الحالية في الأوطان العربية إيجابياً ، وذلك عبر رفع نسق وجودة البحث العلمي والزاد المعرفي لتخلق من الموارد البشرية العربية إطارات فاعِلة في مجتمعاتها وناجِعة في إبداعاتها. أما قطاع التجارة والأعمال فهو أيضاً كان من أكبر المُستفيدين من التقنيات المعلوماتية الحديثة ، بحيث تحوّلت المبادلات التجارية في العالم العربي من التجارة التقليدية إلى التجارة الإلكترونية. فأبرز دليل علي ذلك يتمثل في الإقبال المُتزايد على مواقع البيع بالجملة ، ولعلّ من أشهرها موقع علي بابا الصيني بحيث أصبح المستورد اليوم ليس في حاجة للسفر قصد جلب منتجات بطريقة معقّدة ومكلفة. كما أصبحت الإنترنت تشكّل له وسيلة عمل مبسّطة وتسهّل له العمليات التجارية عن بُعد. أيضاً نذكر موقع البيع الإلكتروني العملاق الأمازون الأميركي الذي يحظى بشعبية عالمية كبيرة  ورهيبة. أما في الدول العربية فكانت تأثيرات تلك التكنولوجيات على مستوى التجارة الإلكترونية واضحة بشكل كبير ، بحيث برز موقع سوق الإلكتروني  وأيضاً العديد من المتاجر الإلكترونية كالبيع بالتجزئة أو البيع بالجملة. في المقابل زادت ظاهرة البيع والشراء عبر الإنترنت في المجتمعات العربية وكانت لها تأثيرات إيجابية مباشرة بحيث أصبح المواطن العربي مُستغنياً تماماً عن السفر للتسوّق من أجل شراء مُنتجات ماركة عالمية أو ملابس وعطورات و غيرها من المنتجات الإلكترونية ، وذلك بمجرّد الضغط على الزر من هاتفه الجوال ودفعه للمعاليم عن بُعد عبر الباي بال. عموماً أصبحت أغلب عمليات المبادلات التجارية العصرية والفردية تُدار مباشرة عبر الإنترنت وبإتصالات عن بُعد من أجل الشراء بالجملة والإستخلاص ثم الشحن. كذلك أصبح مجال التسويق الإلكتروني يستغلّ الإنترنت كمنصّات للإعلانات الإشهارية الإلكترونية على وسائل التواصل الإجتماعي أو على البريد الإلكتروني من أجل الترويج للمنتجات والماركات العالمية لجلب أكبر عدد ممكن من الحرفاء المستهدفين. بالنتيجة كانت لوسائل التواصل الإجتماعي أهمية كبرى في مجال التسويق والترويج نظراً لتزايُد عدد المستخدمين لهذه المنصّات الإفتراضية ، والتي أصبحت تضمّ الملايين من المُتصفّحين يومياً من مختلف دول العالم.

تأثيرات سلبية

إن التأثيرات السلبية لتكنولوجيات الإتصال والمعلومات تتلخّص بالأساس في تلك الأساليب الملعونة التي كانت مدمّرة على شتي المقاييس لأغلب المكاسب الوطنية العربية. ففي كل مجتمع عربي نجد الصالح والطالح لكن سوء استعمال تلك الوسائل أدّى بالنتيجة إلى وصول أغلب دولنا العربية للحضيض ، بحيث تحوّلت كحبوب للهلوسة ومخدّرات إلكترونية تحريضية. كما كانت لتلك الوسائل تأثيرات سلبية وعميقة في نفوس أغلب المجتمعات العربية ما زادت من نسبة إنتهاك حرمة الفرد وكرامته ومعطياته الشخصية ، وساهمت بالإساءة للعديد من الأشخاص أصحاب القيمة الفعّالة في أوطانهم. إن الإستغلال السيّئ لتكنولوجيات الإتصال والمعلومات تسبّب في كوارث جسيمة بأغلب الدول العربية مادياً  معنوياً ، منها التحريض على التمرّد الشعبي والعصيان المدني أو القتل والتشهير بالأشخاص. فعلى الرغم من إيجابيات وسائل التواصل الإجتماعي في التعارف  والدردشة وتبادل الآراء والمعلومات المفيدة ، إلا أن سلبياتها كانت الأدهي  والأمرّ خاصة منها عمليات التنصّت والتحريض والتشهير وغيرها من الأعمال العدائية التي أدّت بالنتيجة إلى اللجوء للمحاكم العدلية لفضّ النزاعات خاصة على مستوى علاقات الأشخاص المُهمّين ، منهم المشاهير كالفنانين والسياسيين  ونجوم كرة قدم. أما بالنسبة لبقية المواطنين العاديين في الدول العربية فشكّلت لهم وسائل التواصل الإجتماعي داخل الأسرة نقمة حقيقية ، بحيث زادت نسبة الطلاق وذلك لمجرّد شكوك أو عدم الإهتمام بشؤون المنزل وتفضيل تلك الوسائل في الدردشة على العلاقة الزوجية. كذلك كان لتلك التكنولوجيات الحديثة والخبيثة أثر مدمّر وصل إلى أعلى هرم السلطة التنفيذية بأكبر دولة في العالم بحيث برز مؤخّراً تحقيق عدلي بخصوص قرصنة الإنتخابات الأميركية الأخيرة من قِبَل جهات روسية. فكان ظهور المحقق مولر على شاشة التلفاز يذكّرنا بتلك البرامج الطفولية للمحقّق كونان وكأنما تلك الوسائل التكنولوجية أصبحت ضرباً من الخيال والمزاح ، عبر إتهام الرئيس الروسي بوتين بتزوير الإنتخابات الرئاسية الأميركية ، وقرصنة آلات الفرز الإلكتروني. أيضاً قامت وكالات الأمن السيبراني العالمية بوضع دولة روسيا على قائمة أخطر الدول في البرمجة  والنصب والإحتيال وقرصنة المواقع الإلكترونية على شبكة الإنترنت. ففي إطار تنامي هذه الظاهرة الخطيرة في الدول العظمى يمكن أن تتحوّل تأثيرات عدواها السلبية إلى بعض الدول العربية والتي تحوّلها بالنتيجة إلى مجال إستلهام من قِبَل بعض النفوس الشريرة للنسج على منوالها. كذلك تضرّرت شبكة قنوات بين سبورت القطرية من القرصنة بشكل غريب ورهيب بحيث أصبح المستهلك العربي خاصة في دول شمال إفريقيا لا يبالي عبر إستعمال منظومة الإي. بي. تي. في. ويُقبل على شرائها من محلات تجارية مرخّص لها من قِبَل الدولة  والتي تبيعها على قارعة الطريق وللعلن ، أو بشراء أجهزة البي. أوت. كيو. المشبوهة والتي أضرّت بمجال الإعلام الرياضي بشكل كبير. أما على الصعيد السياسي في دول ما يُسمّى بالربيع العربي فقد ساهمت وسائل التواصل الإجتماعي والتقنيات المعلوماتية الحديثة على بعض المنصات الإلكترونية مثل الفيديوهات والفيسبوك والتويتر في الإطاحة بأغلب رؤساء الدول العربية خلال العشرية الأخيرة. بالإضافة إلى ذلك مثّلت القاعدة الأساسية لإدارة الحركات الإحتجاجية في معظم الدول العربية. بالتالي كانت عملية التخلّص من الأنظمة السابقة مكسباً وطنياً ، لكن نتائجها كانت تخريبية على جميع الأصعدة إقتصادياً، سياسياً وإجتماعياً بأغلب الدول العربية ، نذكر منها الثورة السورية التي تحوّلت إلى دمار و خراب بأغلب مدنها ، وأصبحت كمدن أرواح وأشباح منها حلب  وحمص وإدلب ، كما هجّرت أو قتلت أغلب سكانها. أما في اليمن فالصراع السياسي على السلطة تحوّل إلى حرب أهلية وإقليمية تسبّب في أزمة إنسانية لا مثيل لها عالمياً ، بحيث حوّلتها إلى مجاعة صومال جديدة. أما في ليبيا فكانت عمليات النهب والتخريب للمنشآت النفطية هي الطاغية والمدمّرة للمكاسب الوطنية. أصبحت بالنتيجة أغلب الدول العربية تعاني الأمرّين خاصة مع بروز ظاهرة الإرهاب الدولي بحيث أصبحت تنزف دماء و دموعاً.

عموماً تعتبر تكنولوجيات الإتصال والمعلومات مفيدة عبر نتائجها الإيجابية لتخلق عالماً جديداً ومتطوّراً يعتمد على الإبتكار والإبداع ويساهم في تطوير الموارد البشرية العربية. أما نتائجها السلبية فكانت تأثيراتها مُدمّرة للمكاسب الوطنية ومُنتهِكة لحقوق الشركات والأفراد و أيضاً لسيادة الدول.