فوزي بن حديد

كاتب تونسي

كوشنير بين وهم حقيقة المقاومة وحقيقة وهم إسرائيل الكبرى

كل ما قاله جاريد كوشنير مستشار البيت الأبيض حول صفقة القرن المزمع تطبيقها خلال هذه الأيام، هراءٌ ووهمٌ وخيالٌ، فكيف برجل لا يملك من الخبرة السياسية شيئا، ولم يكن له تاريخ سياسي ولا دبلوماسي، ولم تكن له علاقة من قريب أو من بعيد بالملف الفلسطيني والصراع العربي الإسرائيلي أن يبتّ في هذه القضية ويصنع مستقبلا للفلسطينيين والمنطقة برمتها،  وينظر للقضية بعين واحدة ضيّقة هي عين إسرائيل الكبرى، وكيف لرجل شاب ليست له الخبرة الكافية جغرافيا بالمنطقة، وليست له الحنكة السياسية المطلوبة أن يقف بكل عنجهية ويعلن حلّا للقضية الفلسطينية، وهو الحل الذي لا يرضي إلا جهة واحدة وهي إسرائيل.

كوشنير بين وهم حقيقة المقاومة وحقيقة وهم إسرائيل الكبرى
كوشنير بين وهم حقيقة المقاومة وحقيقة وهم إسرائيل الكبرى

ما قدّمه كوشنير ضرب من الخيال، لا يمت للواقع بصلة ولا بحقيقة الوجود الفلسطيني، الموغل في القدم، لا يستطيع كوشنير مهما بلغ من الدهاء عتيّا أن يفرض واقعا جديدا، قائما على حلّ الدولة الواحدة  عاصمتها القدس، ولا وجود لسلطة فلسطينية على الأرض، ولا عودة للاجئين الفلسطينيين لبلادهم، ولا حق للفلسطينيين أن يطالبوا بأراضيهم المنهوبة والمغتصبة، بل إن كوشنير سيطلب من ترامب زيادة الرقعة الإسرائيلية وضم الضفة الغربية كاملة مع هضبة الجولان وغور الأردن وسيناء، لتقام على هذه الرقعة الجديدة إسرائيل الكبرى التي كان يحلم بها نتنياهو، وكان يروّج لها في الأمد القريب.

لكن الحلم سيبقى حلما على الأرجح، ذلك أن ترجمتها على الأرض سيصطدم بحقائق جديدة على الأرض، رغم ما تقوم به إسرائيل وأميركا، من تكالب على الدول العربية التي كانت في وقت ما تعارض سياسة الولايات المتحدة الأميركية المنحازة إلى إسرائيل، وتطبيق سياسة الضغط العالي على المقاومة وتفتيتها، وتصنيفها منظمات إرهابية، لأنها بلغة الولايات المتحدة الأميركية مقاومة للاحتلال، ومقاومة للفكر الامبريالي الأميركي المحتل، لذلك ستكون هناك مواجهة حتما في القريب العاجل بعد أن أصرت أميركا على هذا التوجه وجازفت بخطتها المدمرة في الشرق الأوسط الذي على الأغلب سيزداد سخونة وتعفّنا خلال السنوات القادمة، وليس هناك بوادر أمل في السلام، بل هناك نُذُر مواجهة ونُذُر شؤم على المنطقة برمّتها التي قد تشتعل بفعل مراهقات كوشنير وهندسته المقلقة والمرعبة.

ولا شك أن من يموّل هذه الصفقة سيكون العرب بالدرجة الأولى، رغم أنهم الضحية الأولى، من حيث خسارة مقدساتهم، وعروبتهم ونخوتهم، وعزتهم وكرامتهم، لتبقى إسرائيل ترتع في المنطقة برمتها، تخدم أميركا، بعد أن خدمتها وأسدت لها هذه الهدية الكبرى التي لم تكن تحلم بها يوما، ويبقى العرب بعدها في حرج مع هذا النظام الجديد الذي أحدثوه بشقاقهم وخلافهم، ولهاثهم وراء رضا إسرائيل وأميركا، يا لها من لحظات صعبة لم يشهد التاريخ مثلها، سيكتب التاريخ يوما أن العرب خربوا بيوتهم بأيديهم، وسيكتب التاريخ أن العرب أهدوا عدوهم ما يتمنى أن يأخذه ولو بحرب، خافوا على أنفسهم من الحرب فانهاروا من دون حرب، بل تآكل العجم على قصعتهم حتى اصطدموا بواقع  لم يختاروه.

فهل تستطيع الولايات المتحدة الأميركية فرض واقع جديد في المنطقة؟ رغم معارضة الفلسطينيين؟ أم أنه ستواجه جحافل المسلمين وجموعهم الذين يعارضون هذه الصفقة ويجعلون عاليها سافلها، وتتغير المعادلة على الأرض بعد تدخل القوى المقاومة واتحادها، لإخراج اليهود من فلسطين المحتلة وتحرير القدس الشريف، وتكون المواجهة الشاملة مع العدو الصهيوني، تنضم إليها كل الجيوش الحرة في العالم وتخلص العالم كله من عبودية الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وهو وارد جدا في ظل الاحتقان الشديد الذي عليه الشباب المسلم في كل أنحاء العالم، ينتظرون الشرارة الأولى للانقضاض على هذا المحتل الغاصب الذي ظن وما زال يظن أن العرب لن تقوم لهم قائمة، ولكن أقول من خلال هذا المقال، إن الظلم لن يستمر، وإن النصر سيكون قريبا، وإن إسرائيل ستنهار يوما، بل وقريبا، وإن أميركا ستنهار بعدها أو قبلها، فالله تعالى الذي نزع الملك من حكام العرب فجأة وعلى حين غِرة قادر على أن يقلب الطاولة على أميركا وإسرائيل، وتكون العزة لله ورسوله والمؤمنين.

لن أكون مثاليا أكثر من اللازم، ولكنها سنة الله التي لا تجد لها تبديلا، وقد وعدنا الله تعالى بنصره المبين ذات يوم على اليهود الغاصبين، وأظن أن ساعتهم بدأت تقترب، وأن نهايتهم أوشكت فلا تستغرب، وأن يومهم آت لا محالة وأن المقاومة الفلسطينية بكل تشكيلاتها قادرة على الصدّ إذا لزم الأمر.