باسم عثمان

باحث وكاتب فلسطيني

حسابات نتنياهو...وخيارات السلطة الفلسطينية

انتهت موجة التصعيد الأخيرة كما انتهت سابقاتها، وسيلجأ نتنياهو إلى التصعيد من جديد كلما استدعت الضرورة للحفاظ على سياساته داخل ائتلافه الحكومي اليميني، وإدامة الانقسام الفلسطيني- الفلسطيني وتغذيته.

العدوان الأخير على غزّة هدف إلى حَرْف الرأي العام العالمي عن المشروع الاستيطاني لنتنياهو (أ ف ب)
العدوان الأخير على غزّة هدف إلى حَرْف الرأي العام العالمي عن المشروع الاستيطاني لنتنياهو (أ ف ب)

إن التوظيف السياسي للتصعيد العسكري الإسرائيلي الأخير على قطاع غزّة، من قِبَل نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرّفة ، يـأتي منسجماً إلى حدٍ كبيرٍ مع مخرجات  ونتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة ، ذلك أن نتنياهو بحاجة إلى تشكيل حكومي يضمن له الاستقرار في حُكمه حتى نهاية ولايته ومن دون تجاذبات سياسية بين مكوّناته الحزبية قد تساهم في الدعوة إلى انتخابات مُبكرة على غرار ما حصل مؤخراً.

وأيضاً بعث نتنياهو في تصعيده الأخير رسالة سياسية مفادها فشل الاستراتيجية العسكرية لضبط القطاع ومشاكله عسكرياً ، وهو ما يعني ضرورة رسم التوجّهات السياسية لحكومته القادمة في طريقة التعامل مع أزمات القطاع وضمان أمن المستوطنات الإسرائيلية في "غلاف غزةّ".

ومن مصلحة نتنياهو واليمين المتطرّف الإسرائيلي أيضاً ، وبعيداً عن لغة الانقسام الفصائلي الفلسطيني، بقاء السلطة الأمنية الحمساوية في غزةّ" كقوّة مسيطرة" ولجنة انضباط أمنية لغزّة  ، والمحافظة على حُكم السلطة في الضفة الغربية بما يخدم حدود" التنسيق الأمني المشترك" فقط ، وبذلك يكون نتنياهو قد حقّق مراده في إدامة احتلاله من دون أن يتحمّل مسؤوليته ، ويتفرّغ لسياساته الاستيطانية والتهويدية للأراضي الفلسطينية في القدس والضفة وتوسيع علاقاته التوسيعية التطبيعية مع الدول الخليجية العربية، ونكوصهم في اعتبار القضية الفلسطينية هي المركزية في جوهر الصراع العربي- الإسرائيلي، انسجاماً مع رياح التغيير" الترامبية" وإعادة رسم الخارطة الجيو- سياسية في المنطقة.

انتهت موجة التصعيد الأخيرة كما انتهت سابقاتها، وسيلجأ نتنياهو إلى التصعيد من جديد كلما استدعت الضرورة للحفاظ على سياساته داخل ائتلافه الحكومي اليميني، وإدامة الانقسام الفلسطيني- الفلسطيني وتغذيته.

هذا العدوان الأخير على غزّة كان من بين أهدافه إسدال الستارة وحَرْف الرأي العام العالمي عن المشروع الاستيطاني لنتنياهو وسعيه لضمّ الأراضي الفلسطينية في الضفة والقدس وبالتنسيق مع إدارة ترامب لأنهاء القضية الفلسطينية.

هو مقدّمة لتصفية المشروع الوطني الفلسطيني ، والتصدّي لهذه السياسات يتمّ عبر اعتماد استراتيجية وطنية فلسطينية بديلة وإجراء مراجعة نقدية شاملة للسلوك الفلسطيني ، ابتداء بإنهاء الانقسام وإتمام المصالحة الفلسطينية- الفلسطينية ، تعزيزاً للوحدة الوطنية الفلسطينية وتجلياتها الوطنية في مسيرات العودة والهيئة الوطنية المشتركة للمقاومة الفلسطينية في غزّة ، كنموذج وطني وسياسي وأخلاقي يجب تعميمه على الكل الفلسطيني ، استراتيجية وطنية بديلة تُمكّن الشعب الفلسطيني من المواجهة والصمود على أرضه ، من خلال برنامج وطني قادِر على مواجهة مخطّطات الاحتلال والصفقات الأميركية واستمرار آلياته الوطنية والشعبية في المقاومة.

لقد بادرت قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى التصعيد في غزّة من خلال إيقاع عدد من الشهداء وعشرات الإصابات من المشاركين في مسيرة العودة في الجمعة الأخيرة ما قبل العدوان، سعياً منها إلى ترميم صورة نتنياهو وأن يظهر بمظهر الرجل القوي  والمتطرّف مع الفلسطينيين والحريص على استعادة قوّة الردع الإسرائيلية لاستقطاب  الأحزاب والشخصيات الأكثر يمينية وتطرّفاً لحكومته ، وترسيخ معادلة "هدوء مقابل هدوء" والتنصّل تماماً من كل الاتفاقات السابقة.

هذا التصعيد الأخير على غزّة مقدّمة لعدوان قادم يكون محتملاً في ضوء إعلان نتنياهو: "إن المعركة لم تنته بعد، وأنه يتم التأهّب والاستعداد للمتابعة" ،  ضمن التطبيقات المحتملة لبنود "صفقة ترامب" ، وما تسرّب من معلومات عنها إذ تشير المعلومات إلى أن "الصفقة" تتضمّن خطة مُفصّلة، تشمل أمن إسرائيل من النهر إلى البحر، وسوقاً اقتصادية واحدة، وسيعاد رسم خارطة القدس للخلاص من الفلسطينيين المقدسيين والحفاظ على الأغلبية اليهودية، وتعميم نموذج السلطة في الضفة على قطاع غزّة.

ونستشهد هنا للدلالة فقط ما كتبته أسرة تحرير صحيفة هآرتس الإسرائيلية تحت عنوان" مسؤولية نتنياهو" في عددها الصادر في 6/5/2019 :" لقد فضّل نتنياهو التعلّق بضغوط السياسيين، والتي جاءت أساساً من اليمين المتطرّف، كحجّة اتخاذ سياسة صفر المبادرة....      ولكن تكتيك إطفاء الحرائق التي اتخذه بعيد مسافة كبيرة عن سياسة المدى البعيد...... ".

"لقد فشل نتنياهو بشكل ذريع في الإيفاء بوعوده لسكان إسرائيل ولسكان غلاف غزّة بشكل خاص. وهو يكذب عن وعي عندما يعرض الحل العسكري بأنه الخطوة المطلقة. إن رئيس الوزراء الذي يتباهى بخبراته في توجّه الضغوط السياسية لصالحه، يمكنه ويجب عليه أن يبادر الآن إلى خطوة سياسية جريئة......".