أزمة التنمّر بين الأطفال

الأزمة ليست مُقتصرة على المدارس وممراتها ولم تصبح مُقتصرة على النوادي وأماكن التدريب العام؛ بل توسّعت مع توسّع الشبكات، ليست شبكات الإنترنت فقط بل شبكات التعارُف التي تخصّ كل فرد في المجتمع. جارك في المبنى السكني قد يعلم شيئاً عنك من صديقه الذي - بالصدفة- يعمل في نفس الشركة أو المصلحة التي تعمل بها، ليعطيك إحساساً لإمتلاكه اليد العليا لأنه يعلم عنك كل شيء مما يحدث القلق في عقلك لتخاف الآن من مديرك وجارك. جارك الذي لا يشاركك نفس بيئة العمل لكنه يعلم أحداً ما بها، فيأتي هنا دور إنتهاك الخصوصية ليلعب دوره المهم في عملية التنمّر. لكن أتعلم ما هو الأسوأ من التنمّر؟

أتعلم ما هو الأسوأ من التنمّر؟ الخوف منه.
أتعلم ما هو الأسوأ من التنمّر؟ الخوف منه.

الخوف منه. الخوف من التنمّر ما هو إلا لعنة تأتي بسبب انتهاك الخصوصية المفروض من أشخاص ليس لهم أدنى الحق في معرفة شيء عنك، فدائماً نظل خائفين من أن يعلم أحد شيئاً عنا من مصدر ما. فنحن العرب وأخصّ جيل الألفية الجديدة أصبحنا نتحدّث وبشجاعة عن مشاكلنا؛ الدينية، الجسدية، العاطفية، أو النفسية. يحاول جيلنا الجديد هذا أن يكسر حدّة الخوف ويبدأ بنشر التوعية عن جميع مشاكله التي استهلكت عقله خلال فترة شبابه في شكل من أشكال التخفيف عن النفس، أو تشجيع مَن يعاني من نفس المشكلة على التحلّي بالشجاعة لمواجهة تلك المشاكل أمام الجميع. لكن في النهاية يقف أمامنا - في معظم الحالات- أهالينا، تخاف أن نواجه الأهالي بمشاكلنا خوفاً من العار أو الاستخفاف.

فكرة التنمّر الرائِجة في الماضي:

يروج أن التنمّر ما هو إلا حوادث الاعتداء البدني التي ستحدث لنا في المدارس الإبتدائية من أولئك التلاميذ في الإعدادية الذين وصلوا لسن البلوغ لتوّهم، فيحاولون أن يحصلوا على إنتباه بعض الفتيات في الفصل، أو يقومون بهذا في محاولة لعكس ما يقوم به آباؤهم من أعتداء عليهم في المنزل بشكل جسدي أو لفظي، ففي تلك اللحظة يريد الطفل أن يحسّ بالهيمنة أو السيطرة على شخص ما فيبدأ بالبحث عن فريسته الجديدة التي سيقوم بإخراج ما حدث على عقله وجسدها.

تظلّ فكرة الآباء والأهالي عن التنمّر بأنه سينتهي عندما يبلغ الطفل سن الـ16 ليلتحق بالمدرسة الثانوية، وأن أفضل حل لتفادي التنمّر هو أن يصبح الطفل هو المتنمّر، فالمتنمّر ما هو إلا ضحية تربية خاطئة أو ظروف معيشية اضطرت إلى نموّه في بيئة قاسية ألهمته بأن يتنمّر على غيره بطريقة لفظية أو جسدية. يأتي هذا على حساب عقلية الطفل الذي يظن أنه لن يواجه تلك المشكلة في حياته مرة أخرى، ففترة دراسته المدرسية ستنتهي عاجلاً أم آجلاً في يوم ما. لكن لسوء حظه لم يعلم بأن تلك الظاهرة القذرة ستلاحقه في الشارع من الغرباء، في الجامعة، على الإنترنت، أو حتى في عمله. التنمّر مع الأسف ليس مجرّد ظاهرة، بل هو سِمة شخصية ستظلّ في الشخص مهما مرّ عليها الزمن، فإن كنت تتعرّض للتنمّر في فترات ما بعد سن البلوغ فأرجوك لا تظن أن المشكلة منك، بل هي مشكلة المتنمّر الشخصية.

"سيظل الأولاد أولاد" و "اجعلهم يعيشون سنّهم" ما هي إلا مجرّد جمل مُبتذلة لا تحمل أيّ معنى يقولها الآباء لتبرير حالات التنمّر العديدة التي تحدث في جميع أنحاء العالم، سواء دول العالم الأول أو العالم الثالث. فهذه لم تصبح ظاهرة، بل أصبحت عادة نحن نعلم أن أطفالنا سيتعرّضون لها مثلما تعرّضنا لها على الأرجح... لا تنكر حدوث تلك الأزمة لك، فإن كنت تفعل هذا فلن تستطيع أن تعي غيرك بتلك الأزمة، وتذكّر أنك ستضطر لمواجهة تلك المشكلة والاعتراف بحدوثها لتكون يداً مساعدة لأبنائك الذين سيتعرّضون لتلك المشكلة عاجلاً أم أجلاً في مثل هذا العالم الذي يغيب عنه الجزء التربوي من الآباء المشغولين بما يعلمه الله فقط.

قبل حدوث ثورة الإنترنت وقبل أن تقرّر إعطاء طفلك إبن الـ10 سنوات هاتفاً ذكياً، لم يكن التنمّر إلا علاقة تكاملية بين المتنمّر وضحيته، أحدهما لا يمتلك ما يمتلكه الآخر… في العادة يقوم الطفل الأكبر في البنية بالإعتداء على مَن هو أصغر منه بالضرب لأنه يعلم بداخل نفسه أنه لن يستطيع أن يدافع عن نفسه تحت أيّ ظرف من الظروف لأنه سيتلقّى الكثير من الضرب إذا حاول.

كان من الأفراد للمجموعات:

أعلمهم وتعلمهم، مجموعة الشباب الذين يجلسون في آخر جزء من الفصل لسبب ما. قد تكون تلك الفتاة الجذّابة جالسة في هذا الجزء، قد يستخدمون هواتفهم النقّالة ولا يريدون مَن يراهم، من الأغلب أنهم رأوا أن ذلك أفضل مكان يمكنك أن تلاحظ وجودهم فيه. تترك حقيبتك لتذهب إلى المرحاض خائفاً من أن ترجع لا تجد طعامك، ففي الأغلب سيأخذوه. تخاف أن تمرّ من أمامهم بعد الدوام لأنك تعلم أنهم قد يقومون بضربك أو إهانتك من دون أدنى سبب فتخاف من الوصول إلى بوابة الخروج في نفس الوقت معهم، فلم يعد المتنمّر منبوذاً؛ أصبح هو أيقونة للرجولة تلتف حوله مجموعة من الشباب من مثل الفصل يعانون من إضطرابات قادتهم لأن يصبحوا مجموعة من الحثالة المُتعطشين للقوّة. تخاف الضحية من التحدّث عن الأمر عندما تكون أمام مجموعة، لأن هذا يعني ضعف الإهانات والاعتداءات التي من الممكن أن يتعرّض لها إذا أفصح عن مشكلته؛ يعتبر هذا بمثابة انتحار إجتماعي بالنسبة لكل طالب يفكّر في فعل شيء مثل هذا لأن لقبه الجديد سيكون "الواشي" أو "الباكي" حتى يخرج من مدرسته للجامعة.

فن انتقاء الضحية:

لا تحتاج أيّ شيء إلا أن تكون مختلفاً عن المتنمّر نفسه لأنه يرى فيك شيئاً غائباً عنه، قد يكون كارهاً لهذا الشيء أو الصفة التي ليست متواجدة فيه لسبب ما وقد يعاني من الغيرة لامتلاكك تلك الصفة أو الشيء الذي لا يملكه. لتأتي مثل الأسباب الثلاثة الحالية المُهيمنة على حالات التنمّر و هي:

  • اختلاف لون البشرة: يختلف لون بشرة المتنمّر عن الضحية ما يثير البغض بداخل المتنمّر مهما كان لون بشرته، سواء كان قوقازياً أو أسمر. بل للعلم بأن أعلى عدد من المتنمّرين هم ذوو البشرة البيضاء ضد ذوي البشرة السمراء. ما زالت تلك العادات راسخة، أليس كذلك؟
  • العقيدة الدينية: قد تكون مسلماً فينعتونك ب"بن لادن" وقد تكون يهودياً فينعتونك بال"كيك" وقد تكون مسيحيأ فينعتونك ب"عابد الصليب"، تظل الديانة سبباً رئيساً للتنمّر في جميع دول العالم وخاصةً عندما تكون تلك الديانة أقلية في بيئتها.
  • ذوو الشخصيات الإنطوائية: الإنطواء مع النفس قد يجعل ذوي تلك الشخصية في حالة راحة، لكن أصحاب تلك الشخصيات يكرهون وجودهم في أيّ كادر بداخل الحياة الدراسية؛ وهذا ما يجعلهم ضحية بالنسبة لأيّ متنمّر لأنه يعلم بأنهم لن يقوموا بالإبلاغ عن أية واقعة تنمّر قد تحدث لهم خوفاً من تسليط الضوء.

المصدر(https://www.verywellfamily.com/reasons-why-kids-are-bullied-460777)

التطوّر الحالي للتنمّر:

المواجهات المباشرة بين الأشخاص وبعضهم في حالات التنمّر، تحدث في الخفاء أكثر من العلن وليس على المتنمّر إظهار نفسه للضحية مع التقدّم التكنولوجي الظاهر حالياً. تحدث عن طريق الرسائل النصية، تحدث عن طريق تسريب صوَرك الشخصية، يتدث عن طريق صناعة "ميمز" قد تحتوي على صورة لك ويتم نشرها على الإنترنت، وقد تحدث أيضاً عن طريق مكالمات مجهولة المصدر في منتصف الليل؛ لا تستطيع أن تحدّد من أين ستأتيك الضربة، أليس كذلك؟

أصبح التنمّر موجوداً في كل مكان ووقت بسبب وسائل التواصل المتقدّمة وشبكات التواصل الإجتماعي؛ ضع هذا المزيج مع غياب دور الآباء وغياب الإشراف من أفراد العائلة والهيئات التعليمية وعدم وضع قوانين صارمة ضد التنمّر الإلكتروني في كل دولنا العربية من دون إستثناء. أصبحوا ينعتون بعضهم بألفاظ لم تكن موجودة في الماضي مثل "Insecure" و"Egostatical" وما أدراك ما أكثر تلك الألفاظ التي يوجّهها الشباب لبعضهم على مواقع التواصل الإجتماعي في محاولات بائسة لجعل غيرهم في حالة عدم ارتياح من حالتهم النفسية. يتنمّرون على أفراد لا يعلموهم من الأساس لينجو بفعلتهم. لطالما نتلقى نحن العرب بعض الإهانات بلغات أخرى على شتّى المواقع، تحتوي معظمها على كلمات "terrorist" أو "ISIS" أو "Bin Laden"، تأتي تلك الرسائل مثبتة لأن الكره والتنمّر لا يعلم التفرقة. أبيض أو أسمر، مسلم أو مسيحي، مغاير أو مثلي، يميني أو يساري، غني أو فقير؛ أنت ستكون ضحية لتلك المشكلة أنت وأبنائك يوماً ما. إذا لم يحدث هذا في الواقع فسيحدث في العالم الإفتراضي، أصبح لا مفرّ منه… لا مفرّ من التنمّر.

المصدر ( https://www.kaspersky.com/about/press-releases/2015_the-evolution-of-bullying-from-schoolyard-to-smartphone-24-7 )