لا عزاء للخونة

لا ترفع صوت ذُلّك عالياً يا ديل ريو. اليانكي لن يسمعك. وإن فَعَل فسيجيبك كما عادته بجملة واحدة: "إذهب إلى الجحيم!".

المنشقون عن الجيش والشرطة الفنزويليين بعد طردهم من الفندق (أ ف ب)
المنشقون عن الجيش والشرطة الفنزويليين بعد طردهم من الفندق (أ ف ب)

"تم طردنا. نحن في العراء مع حقائبنا وأطفالنا"، بهذه الكلمات وصف جفرسون انريكي ديل ريو أوربنيا، الضابط المنشق عن الحرس الوطني الفنزويلي، حال 157 من العسكريين المنشقين معه وعائلاتهم في كولومبيا.

لا عزاء لمن خانوا بلدانهم وشعوبهم. ها هم اليوم في العراء يسرّحون شَعر الخيبة، لكن حناجرهم لن تقوى على رثاء حالهم طويلاً. صوت الخيانة يطغى غالباً على ما عداه. لن يسمع أحد شكوى هؤلاء مما باتوا عليه من بؤس هم صانعوه.

ربما كان على نحو ألف عسكري فنزويلي منشق أن يلتفتوا قليلاً إلى الوراء، حيث تجربة من سبقهم لم تزل ماثلة ولم يطوها النسيان بعد. حكايات جنود وضباط انشقوا عن صفوف الجيشين في سوريا واليمن.

إنها حكايات خذلان ردّ إلى من خذلوا أوطانهم طمعاً بمال أو سلطة، لكنهم في المحصلة، عندما فتحوا قبضاتهم، فتحوها على هباء.

هذا ما يعاينه اليوم المنشقون عن الجيش والشرطة الفنزويلية، منذ أمس الأربعاء، بعد طردهم من فندق "لجأوا" إليه في كولومبيا في شباط/فبراير الماضي، إثر "فشل نقل المساعدات الإنسانية التي طلبها زعيم المعارضة خوان غوايدو"، بحسب ما جاء في وكالة (فرانس برس).

من المفترض للكلام الذي سمعوه من مسؤول تابع لوزارة الخارجية الكولومبية وذاع في الاعلام، أن يتردد رجع صداه على مسامعهم قوياً قاسياً، ومؤلماً. ربما ليقين يحركهم، ولو متأخراً، بأن وطنهم هو الملجأ الأول والاخير.

فقد صرّح المسؤول الكولومبي أن "مرحلة الانتقال في فنادق لا يمكن أن تكون أبدية (...) كل المهاجرين واللاجئين يتمنون أن يعيشوا في مثل هذه الظروف".

هو تصريح يرفع راية ذلّهم القادم أمامهم. المصير الذي لا يريدونه ولا يرغب به أحد على وجه الارض. هكذا سيلهثون لتحصيل ما يعينهم على درء الموت لا أكثر. أما الثمن فمدفوع سلفاً. أن يتحول واحدهم إلى قاطع طرق أو لص أو مرتزق. إنها أثمان باهظة لحياة أقل من تلك التي كانوا يعيشونها في أوطانهم.

التجربة تتكرر إذاً. والعاقبة كذلك. كثيرة هي القصص التي يمكن الاستشهاد بها وتروي كيف تجرّع الخونة سمّ خيانة أوطانهم، ثم طعنوا بمسلات الوعود الكاذبة وتركوا يتصارعون مع المجهول.

من ضابط سوري منشق لم يستطع السفر فركب البحر هارباً مخلفاً عائلته نهباً للجوع والعوز بحثاً عن "حياة تشبه البشر"، أو آخر يحتجزه من شجعوه على الانشقاق في مخيمات مشددة الحراسة وضمن ظروف معيشية فيها من الإذلال والانتقاص من الكرامة والاستغلال المادي ما لا يوصف. وهناك ما يماثل هذه القصص في اليمن أيضاً كأنها حكايات تستنسخ نفسها.

تحت وطأة الشعور بالضياع والتمسك "بقشة" الحياة، غالباً ما يعتمد هؤلاء كل أشكال الاستجداء التي لا تفعل سوى أنها تضاعف ذلّهم، وما صرح به ديل ريو أوربنيا لا يشذّ عن هذا السياق، حيث قال "نحن ضائعون ولم يأت أي ممثل لخوان غوايدو الذي ندعمه مئة بالمئة، إلى هنا".

ترى من سيسمعه؟ من يهتم لأمره ومن معه؟ من لم يسمع لمن قبله هل سينصت له اليوم؟ 

بالتأكيد لا. صرخات الذلّ المديد سيبتلعها الفضاء. لن يلتفت إلى ديل ريو وغيره أحد، خاصة قادة "المعارضة" وأولئك الذين لا يرون أوطانهم أكثر من أسهم تباع وتشترى في البورصات الأميركية.

خيبة طويلة وربما معطوفة على "يقظة" ضمير لاحقاً، ستجعل ديل ريو وغيره يدركون أن خيانتهم لبلدهم لا تغتفر. إذ ما من كائن عاقل يستطيع القول إنه لا يرى بأمّ العين مخالب واشنطن المغروزة في أجساد دولنا من فنزويلا إلى سوريا واليمن، وقبلها دول أخرى لم تسلم من موبقات الوحش الأميركي. وأن "اليانكي"، الأشقر الجالس في البيت الابيض، الذي اعتاد البيع والشراء، لا يرى في ديل ريو وسواه إلا مرتزقة صغاراً.

لا ترفع صوت ذُلّك عالياً يا ديل ريو. اليانكي لن يسمعك. وإن فَعَل فسيجيبك كما عادته بجملة واحدة: "إذهب إلى الجحيم!".