نجاح عبدالله سليمان

كاتبة وإعلامية مصرية

هل يحضر الاتحاد الأوروبي كوسيط بين الإيرانيين والأميركان؟

قد يكون بالفعل انهيار الاتفاق النووي خطراً على إيران والعالم، ولن يستبدل وفق ما تريد الولايات المتحدة. لكن الرئيس الإيراني يؤكّد أن بلاده لا تريد الخروج من الاتفاق "ولكن اليوم نخطو خطوة جديدة في الاتفاق النووي".

ظريف خلال لقاء سابق مع موغيريني
ظريف خلال لقاء سابق مع موغيريني

"الاتحاد الأوروبي سيبذل كل ما في وسعه لتنفيذ الاتفاق النووي مع إيران. فقادة الاتحاد الأوروبي أبلغوا وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بضرورة تجنّب أيّ تصعيد عسكري مع إيران. الذي سمع بوضوح شديد نظراً لأن الجميع يعيش في لحظات حسّاسة. فالموقف الأكثر أهمية والأكثر مسؤولية الذي يجب اتّخاذه هو الالتزام بأقصى درجات ضَبْط النفس وتجنّب أيّ تصعيد عسكري.. في المقابل ما زلنا ندعو إيران إلى الامتثال لجميع التزاماتها النووية، وسنؤدّي دورنا في مواصلة التنفيذ الكامل للاتفاق النووي". هكذا تحدّثت مفوّضة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي.

كذلك فالخارجية الروسية قالت "إن واشنطن تتحمّل مسؤولية تخزين إيران لليورانيوم المُخصّب والماء الثقيل". ورأت "أن مستقبل الاتفاق النووي يعتمد على مدى استعداد المجتمع الدولي للرد على التحديات التي تفرضها واشنطن". واعتبرت "أن واشنطن ترتكب خطأ بتهرّبها من الحوار مع موسكو بشأن نزع السلاح النووي". وأعلن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني عن مهلة 60 يوماً للدول الأعضاء بالاتفاق النووي لتنفيذ تعهّداتها.

إيران تتحدّث بأنه "لن يتمّ إجراء محادثات مع أميركا وأن الأميركيين لن يجرؤا على القيام بعمل عسكري ضد بلاده. وأن ترامب كان يتصوّر أنه سيتمكّن من خلال الحظر والضغوط زعزعة الوضع الداخلي في إيران وبالتالي دفعها إلى الجلوس على طاولة المفاوضات ولكن هذا لم يحدث. لقد أرسلت أميركا حاملة الطائرات إلى المنطقة في تلويح إلى اتخاذ موقف عسكري وصولاً إلى إرعاب الشعب الإيراني والمسؤولين بالبلاد ودفعهم إلى التفاوض ، وهذا ما أعلنه ترامب في تصريحه الأخير حيث دعا المسؤولين الإيرانيين إلى الاتصال به والجلوس عند طاولة المفاوضات. وأن الأميركيين باتو يعانون من نوع من التخبّط والعصبية جرّاء عجزهم ، ما دفعهم إلى استخدام كل ما لديهم من أدوات بهدف كَسْر شوكة مقاومة الشعب الإيراني. وأن تعليق إيران بعض تعهّداتها في الاتفاق النووي يكشف أن الشعب الإيراني والنظام الإسلامي اتخذ موقف المقاومة والصمود". ذلك في تصريح مساعد قائد الحرس الثوري الإيراني.

حضر سريعاً وزير الخارجية الإيراني محمّد جواد ظريف ليقول "إنه على الاتحاد الأوروبي الالتزام بالاتفاق النووي وتطبيع العلاقات مع بلاده. فموقف الاتحاد الأوروبي هو السبب في مراوحة الاتفاق النووي مكانه، وعلى الاتحاد الأوروبي الالتزام بالاتفاق النووي وتطبيع العلاقات مع إيران. وأنّ الولايات المتحدة قامت بتخويف أوروبا وبقية العالم طيلة عام وكل ما فعله الاتحاد الأوروبي الإعراب عن أسفه".

في بيان مشترك أكّد الاتحاد الأوروبي والدول الثلاث الالتزام بتطبيق الاتفاق النووي ودعوة إيران إلى مواصلة تطبيق التزاماتها، كما أعربوا عن أسفهم لإعادة فرض الولايات المتحدة عقوبات على إيران، ودعوا الدول غير المشاركة في الاتفاق إلى عدم إعاقة قدرة باقي الأطراف على الوفاء الكامل بالتزاماتهم. من جهتها أكّدت ميركل أنّ "الاتحاد الأوروبي يريد تجنّب تصعيد الخلاف مع إيران". فيما قال ماكرون إنّ "على أوروبا إقناع إيران بالبقاء في الاتفاق النووي". وحيث أعلنت إيران قبل يومين خطوات لتخفيف القيود على برنامجها النووي في ردّ على عقوبات أميركية جديدة فرضت بعد تخلي واشنطن عن الاتفاق قبل عام. وعليه لم يعد مسؤول أوروبي يمكنه أن يخفي الخطر الداهم الذي يتعرّض له الاتحاد الأوروبي والأزمات الحادة في المجتمعات الأوروبية المُهدّدة بانفجارات غير مسبوقة. ففي القمّة الأوروبية الأخيرة في رومانيا المدعوّة إلى "رؤية استراتيجية مستقبلية"، يساور المسؤولون القلق والخوف على أوروبا بسبب العجز عن مواجهة الأزمات وفقدانها القدرة على وقف الانحدار في المُتغيّرات الدولية.

هنا نجد أن أوروبا عقدت اتفاقاً مع إيران بعد مباحثات طويلة في مباحثات (5+1) أدّت إلى التزام أوروبا بتعهّدات أكّدت على الإلتزام بها بعد نقض ترامب الاتفاق. إعلان لتفادي العقوبات الأميركية على الشركات الأوروبية، تعيد أوروبا إحياء تشريع أوروبي أصدرته العام 1996 لتفادي العقوبات الأميركية على كوبا. وبناء على الآلية المعروفة باسم "إنستكس" جرى تعيين الخبير المالي الألماني بيير فيشر وإنشاء مؤسّسة مقرّها في باريس، لكي تشرف على التجارة مع إيران وتحويل الأموال إلى الشركات الأوروبية التي تبيع المنتجات الصناعية والأدوية التي تشتريها إيران من أوروبا. وفي المقابل أنشأ المصرف المركزي الإيراني "مؤسّسة التجارة والمال" للإشراف على التعامل بالمثل.

يبقى أنه في حقيقة الأمر السبب الأساس وراء تقاعُس أوروبا، ليس ما تزعمه حفاظاً على مصالحها في اختصار أوروبا إلى حماية مصالح الشركات الكبرى الأوروبية، إنما السبب هو التهديد الأميركي وعدم طموح المسؤولين الأوروبيين إلى الحد من الهيمنة الأميركية أملاً بمعالجة عوارض مرض الشيخوخة. فنائب الرئيس الأميركي مايك بنس يهدّد أوروبا بأن الآلية الجديدة تزيد الشرخ بين أوروبا وأميركا. والإدارة الأميركية تهدّد بفرض العقوبات على الآلية الجديدة وتعيّن وزير الخزانة السابق جاك لو من أجل هذه المهمة.

قد يكون بالفعل انهيار الاتفاق النووي خطراً على إيران والعالم، ولن يستبدل وفق ما تريد الولايات المتحدة. لكن الرئيس الإيراني يؤكّد أن بلاده لا تريد الخروج من الاتفاق "ولكن اليوم نخطو خطوة جديدة في الاتفاق النووي". كذلك فالمرشد الإيراني السيّد علي خامنئي يعلن "إنّ إيران لن تتفاوض مع الأميركيين حول الاتفاق النووي. ولن تكون هناك حرب مع الولايات المتحدة، نحن لا نبحث عن حرب ولا هم حيث يعلمون أن الحرب لن تكون لصالحهم. فالمواجهة مع أميركا ليست مواجهة عسكرية بل هي مواجهة إرادات والشعب الإيراني سينتصر حتماً. فالتفاوض مع الحكومة الأميركية الراهنة يوصف بالـ(السم المضاعف). ولن يطالبوننا بالتفاوض حول أسلحتنا ويسألون لماذا تصنعون صواريخكم طويلة المدى؟، يطالبوننا بخفض مديات الصواريخ كي لا نتمكّن من قصف معسكراتهم في حال استهدفونا. فكيف يمكن التفاوض مع هؤلاء الذين لا يلتزمون بأيّ شيء؟".