فؤاد صباغ

كاتب تونسي

حرب الكر والفر في دمار ليبيا

إن الدمار الذي شهدته أغلب المدن الليبية وسط تدخّل أجنبي مسموم تحوّل إلى كابوس حقيقي يؤرِق كل عائلة ليبية، بحيث زادت الأطماع الأجنبية من أجل الاستحواذ على مصادر الطاقة بأرخص الأثمان في تلك الرقعة الجغرافية التي يسبح شعبها على بركة من النفط والغاز والتي تُقارَن بالذهب الأسود.

حرب الكر والفر في دمار ليبيا
حرب الكر والفر في دمار ليبيا

في ظلّ انتشار الفوضى والإرهاب في أغلب الشوارع الليبية بصفة رهيبة وغريبة، مع فشل الحركات الإسلامية فشلاً ذريعاً خلال الثلاث سنوات الأولى التي تلت الثورة، وجد بدوره المشير خليفة حفتر الفجوة ليشكّل درع ليبيا العسكرية الجديدة الصامدة والصاعدة ضدّ كل شخص إرهابي مُتطرّف يعبث بأمن البلاد وينهب ثروتها. أما في المقابل فكانت حكومة الوفاق التي تشكّلت من صلب التفويض الشعبي وبدعم خارجي من أجل إرساء تجربة ديمقراطية فتية مازالت في جوهرها تعاني من ضعف ووَهْن للسيطرة الكاملة على الأوضاع الأمنية وتسيير الشؤون الإقتصادية. إذ اختزلت حكومة الوفاق فقط تحت قيادة فايز السراج لإدارة شؤون مدينة طرابلس ولتتكّتل معها القوى في الغرب الليبي في وجه نفوذ وزحف قوات حفتر العسكرية الذي يسوّق لنفسه كالبديل الجدّي والحامي للبلاد والعباد.

 


أطماع دولية في الثروات الطبيعية

مما لا شك فيه تعتبر الأطماع الدولية في مصادر الطاقة الليبية متّصلة بشكل مباشر في الصراع الدائر حالياً في ليبيا. فالمُتغيّرات الدولية والإقليمية انعكست عدواها مباشرة على الأوضاع الإقتصادية والسياسية الداخلية الليبية، وشكّلت بدورها عائقاً أمام إرساء الديمقراطية. فعيون القوى العُظمى غير بعيدة عما يحدث بتلك الدولة التي أصبحت تنزف دماء الأبرياء و دموع الفقراء. بالتالي أصبح الصراع الدولي على النفوذ واحتكار السلطة لصالح تكتلات معينة واضحاً وجلياً للجميع وخاصة منها تدخّلات الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وإيطاليا في الشؤون الداخلية الليبية بتعلّة مشاركتها العسكرية في تغيير النظام وحفظ الأمن العالمي والإقليمي، أو باعتبارها مستعمرة سابقة تحتوي على مصالح استراتيجية بعيدة الأمد. فعلى الرغم من الترويج للديمقراطية من قِبَل تلك الدول كأساس للمستقبل الواعِد و لبناء الأوطان الحرّة، إلا أن بعض أيديها الخفيّة كانت تتلاعب بالأوراق السياسية المحلية بحيث تصبح الديمقراطية تخريبية في منظورها وفي مضمونها الميداني. فاستنكار تلك الدول بعدم التدخّل المباشر في السيادة الوطنية و القرار السياسي الليبي الداخلي غير صحيح، فالبرهان كان واضحاً من خلال إلقاء القوات العسكرية التونسية في المياه الإقليمية القبض على قوارب أجنبية تحمل الذخيرة الحيّة وأسلحة حربية ثقيلة. بالنتيجة تبدو الأطماع العالمية للإستحواذ على الثروات الباطنية الليبية واضحة، بحيث أن تلك القوى لا يهمّها مَن في السلطة حفتر أو السراج بقدر ما تركّز إهتمامها على تلك الكنوز السوداء التي ستدرّ عليهم أموالاً طائلة ، والتي تُعتَبر مصدر إنعاش لخزينتها المالية التي أصبحت مؤخّراً تعاني من أزمات مالية مُتتالية وإرهاق لميزان مدفوعاتها و تراكم لمديونتها المُزمِنة.


المشير خليفة حفتر: هل هو البديل الجيّد؟

بعد انحراف المسار الديمقراطي الإصلاحي وانجراف جميع الأطراف نحو دوّامة العنف والصراع، وجدت بعض الأطراف السياسية وخاصة منها القوات العسكرية منفذاً للتدخّل المباشر تحت شعار الإنقاذ. بالنتيجة تعتبر إتفاقية الصخيرات المغربية الوثيقة الرسمية التي تثبت شرعية حكومة الوفاق الوطني على سلطة كافة الأراضي الليبية ، لكنها سقطت في الماء وتقلّص نفوذها ليقتصر مؤخّراً فقط على مدينة طرابلس. أما مساعي الأمم المتحدة لحفظ الأمن والسلم في ليبيا تحت مبعوثها غسان سلامة من أجل عودة التهدئة هي أيضاً بدورها فشلت ، خاصة بعد تورّط قوى أجنبية في انتهاك السيادة الوطنية الليبية ودعم قوات حفتر الإنقلابية. فبالعودة إلى مسيرة المشير حفتر العسكرية منذ فترة عمله مع العقيد القذافي ، تتّضح سِمات الانتقام والثأر على وجهه بحيث كانت تلك الصفعة التي تلقّاها في التشاد انتكاسة حقيقية لمسيرته تسبّبت في إقالته وهروبه إلى الولايات المتحدة الأميركية التي مكث فيها قرابة العشرين عاماً كلاجئ سياسي من النظام السابق. إذ طبقاً لبعض التقارير الصحافية والإخبارية تشير إلى أن المشير حفتر له إتصالات مباشرة وواسعة مع وكالة الإستخبارات الأميركية ، و هو عاد بالأساس إلى ليبيا للإنتقام من الجميع. كما أن المُتغيّرات الإقليمية في صلب دول مجلس التعاون الخليجي الذي بدوره تفكّك وشكل كتلتين معاديتين لبعضهما البعض، منهما تكتل دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية من جهة وتكتل دولة قطر وحلفائها بتركيا من جهة أخرى، تعدّ هي أيضاً لها دور رئيسي في الصراع الحالي في ليبيا. أما أحداث الإنقلاب العسكري المصري سنة 2013 وانتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي مُجدّداً ليحكم مصر إلى سنة 2034 في جوهره كان له أمتداد نفوذ إستراتيجي على ما يحدث حالياً في ليبيا الجارة. فالصراع الدائر في المعقل الأخير لقوة الوفاق الوطني الليبي بمدينة طرابلس يعتبر الحدث البارز إقليمياً، بحيث اقتربت ساعة التغيير أو الإجهاض. فصمود قوى الوفاق المدعومة من قِبَل الإخوان المسلمين والعلمانيين التقدميين وقطر وتركيا مادياً وعسكرياً في وجه زحف قوات المشير حفتر المدعوم من بعض الجهات الخليجية والأجنبية الخفيّة، يمثل في مجمله نذير صراع حاد له انعكاسات مستقبلية مباشرة على المنطقة برمّتها. لكن لا يبدو الإنقلاب العسكري قريباً لأن بعض الدول المجاورة دخلت على الخط لاحتواء ذلك الصراع وتحكيم رأي العقل على صوت الرصاص، وذلك بالتنسيق مع بعثات الأمم المتحدة التي تسعى لجلب الأطراف المُتنازِعة مُجدّداً إلى طاولة الحوار والحفاظ على الحكم المدني الليبي، وعلى التجربة الديمقراطية الفتية في ذلك البلد الشاسِع إفريقياً. بالنتيجة تبقى تلك العمليات مجرّد عمليات كرّ و فرّ بحيث ستستمر أطوارها حول المدار الجنوبي لمدينة طرابلس وفقاً لتنظير استراتيجي واستشرافي لتمتصّ وترهق قوى الوفاق الوطني حتى تفقد تلك الشرعية الدولية لحكومتها وتحفظ أرواح العديد من الأبرياء في تلك المدينة. فالأحداث الجارية حالياً حول مدينة وادي الربيع وبن سليم والعزيزية تُعتَبر في مجملها مناورات استفزازية ومجرد اعتقال أسرى لقوات الوفاق التي تعتبر ضعيفة مقارنة مع قوات حفتر المدعومة إقليمياً، ثم المساومة بعد ذلك لتبادلهم مع أسرى آخرين. عموماً ووفقاً لبعض التكهّنات الاستشرافية يعتبر أن الإنقلاب العسكري في ليبيا مؤجّل إلى وقت لاحق بحيث تبقى المساعي للمبعوث الأممي غسان سلامة من أجل احتواء الحرب بتلك المدينة هي الأرجح بأن تستمر مدّتها، لأنه في المقابل هناك أطراف إقليمية وأممية لا ترغب في إنقلاب حفتر حالياً و تشكيل حكومة مدنية أخري أو إجراء انتخابات تشريعية وتنفيذية مجدّداً.