محمد سلام

كاتب عراقي

أميركا وقّعت لتنسحب

الانسحاب الأميركي من الإتفاق النووي ربما كان مخطّطاً من اللحظة الأولى التي وقَّعت أميركا بها الإتفاق، لكنها سياسة مجدية لجنيّ الأموال من دول الخليج العربي وتحديداً السعودية التي دفعت أكثر من 450 مليار دولار للولايات المتحدة، وقد تدفع أكثر طالما أن أميركا ما زالت حتى اللحظة تُخيف دول الخليج من إيران،

أميركا وقّعت لتنسحب
أميركا وقّعت لتنسحب

الولايات المتحدة الأميركية تُدار كدولة بنظام الرأسمالية والتجارة وأساس الربح والخسارة في كل شيء، مع استخدام مساحيق التجميل السياسي كالديمقراطية ونشر الحريات والدفاع عن مصالح الشعوب، وأبرز الكيانات الخفيّة والمسيطرة على جزء كبير من التحكّم بقرارات وتوجّهات الولايات المتحدة وتحديداً في منطقة الشرق الأوسط، هما الكيانات الصهيونية والرأسمال الذي يتطلّع إلى منطقة شرق أوسط جديد، تكون فيه مصالح إسرائيل أولاً ولو كان ذلك على حساب حلفاء آخرين سواء من دول الخليج أو حتى الأوروبيين، هذا يعني أن مساحة الرئيس الأميركي سواء كان جمهورياً أو ديمقراطياً، أبيض أو أسود، من أصولٍ إيرلندية أو أفريقية أو من أية أصول كان، ربما تكون له مساحة محدودة في التأثير على السياسة الأميركية وبالأخصّ الداخلية أكثر من الخارجية في أحيان كثيرة، أما التأثير الأكبر ورسم السياسات والتحرّكات والخطط فيكون محرّكها رأس المال والجماعات المتحكّمة في الخفاء التي تنفّذ خططها بوجه الرئيس المتواجد في البيت الأبيض.

ما تقدّم ربما يكون دليلاً على أن الولايات المتحدة الأميركية خدعت الأوروبيين الذين في جانبها أساساً والعالم كله، عندما وقّعت الاتفاق النووي الإيراني 5+1، يبدو أن ذلك حصل في فترة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بتمعّن وتخطيط مُحكَم، لتستطيع الولايات المتحدة في ما بعد من تحويل إيران إلى بُعبُع نووي يُخيف بلدان الخليج. مستغلّة بذلك الاتفاق أيضاً السيطرة والمراقبة على البرنامج الإيراني النووي لتحول من دون إمتلاك طهران قنبلة نووية من جهة، كما استغلّت الوضوح في الموقف الإيراني الذي عبّر سابقاً أنه لاينوي استخدام الطاقة النووية لأغراض الحرب بل للسلم فقط، فالانسحاب الأميركي من الإتفاق النووي ربما كان مخطّطاً من اللحظة الأولى التي وقَّعت أميركا بها الإتفاق، لكنها سياسة مجدية لجنيّ الأموال من دول الخليج العربي وتحديداً السعودية التي دفعت أكثر من 450 مليار دولار للولايات المتحدة، وقد تدفع أكثر طالما أن أميركا ما زالت حتى اللحظة تُخيف دول الخليج من إيران، وحتى المواقف التصعيدية التي تتّخذها الولايات المتحدة ضد إيران، مدفوعة الثمن وبتطبيل سعودي خليجي واضح لتحجيم الدور الإيراني لسببين هامين، الأول: خوف دول الخليج المُتنامي من دولة قوية إسمها إيران وهذا ما تستغلّه الولايات المتحدة لسرقة واردات المنطقة. الثاني: ما يحدث الآن من تصعيد أميركي وتلويح بورقة التصادُم المسلح وقبله الحصار الإقتصادي، فهذا يُراد منه زيادة الضغط على إيران وكل محور المقاومة قُبيل الإعلان الأميركي- الإسرائيلي عما يعرف بـ (صفقة القرن)، وبهذا خدمة كبيرة لإسرائيل ستحصل عليها بمباركة ودعم دول الخليج التي بدّلت أولوية العرب بمواجهة إسرائيل إلى صدّ إيران بمبرّرات أميركية قد لا يكون لها وجود بالأساس.

وتردّدت كثيراً فكرة ماذا لو كان موقف إيران وحزب الله تجاه فلسطين المحتلة مختلفاً، أو قريباً من مواقف العديد من الدول العربية التي تهرول سريعاً ومن دون مبرّر منطقي صوب إسرائيل، لو قلنا إن ذلك حدث فعلاً فما كنا شاهدنا كل ما يجري الآن من تصعيد عسكري وقبله اقتصادي وانسحاب من الاتفاق النووي، بل شاهدنا العكس تماماً باستثناء الطاقة النووية لأن الولايات المتحدة لا تسمح لأية دولة تابعة لها أن تمتلك الطاقة النووية لأغراض السلم أو غيره، ولو اعتبرنا فرضاً أن الولايات المتحدة صادقة في ما يتعلق بمخاوفها من البرنامج النووي الإيراني فعلاً وفرضت حصارها على الشعب الإيراني على هذا الإساس، فمن خلال انسحابها بهذه الطريقة من الإتفاق النووي، هي فعلياً غابت عن المراقبة المسموح بها إيرانياً على برنامج طهران النووي أولاً، وثانياً سمحت لإيران أيضاً على أن تكون بحلٍ عن بعض التزاماتها في الاتفاق، وهنا زادت مساحة إيران من دون حَرَج لامتلاك سلاح أكثر تطوّراً بعد فترة.