باسم عثمان

باحث وكاتب فلسطيني

أبجديات الحراك الفلسطيني في مواجهة الصفقة الأميركية – الاسرائيلية

والعديد من المحطّات التاريخية في تاريخ القضية الفلسطينية، تؤكد مدى التداخل بين العاملين الفلسطيني والعربي، وسيتبيّن أن كل المخططات ومشاريع تصفية القضية الفلسطينية، كانت تمر عبر البوابة العربية، وأن إحباطها كان يتطلّب وحدة الموقف الفلسطيني الداخلي لأغلاقها.

احباط مفاعيل "صفقة القرن" يتطلّب وحدة الموقف الفلسطيني الداخلي
احباط مفاعيل "صفقة القرن" يتطلّب وحدة الموقف الفلسطيني الداخلي

ان التركيز على العمق الاستراتيجي العربي إزاء ما يجري من أحداث تتعلق بالقضية الفلسطينية، و هو ما يبرّره حجم التداخل العضوي الكبير، والتأثير المتبادل بين تركيبة العامل الفلسطيني الديمغرافي و الجغرافي، مع محيطه العربي.

والقضية الفلسطينية هي قضية العرب المركزية وجوهر صراعها مع العدو الاستيطاني التوسعي الاسرائيلي, وليس ذلك من باب التضامن فقط بل انطلاقاً من أن المشروع الصهيوني الاستعماري التوسعي لم يكن هدفه الجغرافيا الفلسطينية بل كل الجغرافيا العربية من أرض وثروات وهوية وحضارة.    
والعديد من المحطّات التاريخية في تاريخ القضية الفلسطينية، تؤكد مدى التداخل بين العاملين الفلسطيني والعربي، وسيتبيّن أن كل المخططات ومشاريع تصفية القضية الفلسطينية، كانت تمر عبر البوابة العربية، وأن إحباطها كان يتطلّب وحدة الموقف الفلسطيني الداخلي لأغلاقها.

ان ما تم تطبيقه عمليًا من ما سمي اصطلاحًا "بصفقة القرن": الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، وإجراءات إلغاء الأونروا و تجفيف منابعها المالية، وقانون القومية الاسرائيلي، و الاعتراف الاميركي بسيادة اسرائيل على الجولان السوري المحتل، وسياسة الضم الزاحفة لليمين الاسرائيلي لأجزاء واسعة من اراضي الضفة، وتسريع عجلة التطبيع العربي سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا, في سياق العمل على تهيئة البيئة المحفزة للواقع الجديد والمفروض على الارض, وصياغته من جديد ليشكل مسارًا افقيًا "لإحلال السلام" في المنطقة وفق المفهوم السياسي الاميركي. 

إن تسارع عجلة التطبيع الخليجي العربي الرسمي هو بمثابة اعلان موافقة على ما تم إعلانه وتمريره من خطوات وإجراءات، وحسم هذه القضايا الرئيسية التي تشكّل مواضيع لما سمّوه الحلّ النهائي، وهو إسهام في توفير الأرضية المناسبة للتعامل مع الأجزاء المخفية من صفقة القرن.                       .                       
يظهر بوضوح حجم الإرباك الفلسطيني الرسمي في التعامل مع هذه الصفقة، فهو من ناحية يعلن رفضه لها، ويمتنع عن القيام بأية خطوات جدية لتوحيد البيت الفلسطيني الداخلي في مواجهتها، ومن ناحية أخرى، يراهن على إسناد عربي لمواجهتها.

ان "صفقة القرن" لا تعدو سوى الابن الشرعي لبرنامج أوسلو وملحقاته و مترتباته والذي فكك القضية الوطنية الفلسطينية إلى قضايا متناثرة تخضع للتفاوض والمقايضات الرخيصة، وان ما سُمّي "بالخريف العربي" وليس"ربيعاً" بدأ بتفكيك الواقع العربي ونسيجه الاجتماعي وتمزيقه مذهبياً وقبلياً وديمغرافيًا وجغرافيًا, وتحول الكيان الصهيوني إلى"صديق" يتم تطبيع العلاقات معه لمواجهة الخطر"الإيراني" المزعوم.                                    .                                      
ان المواجهة الجدية لـ «صفقة القرن» تتطلّب ما يلي:

أولاً، توحيد البيت الفلسطيني الداخلي، و انهاء العمل باوهام اوسلو و التزاماته ميدانيا و ليس اعلاميًا.

ثانيًا, مواجهة كل اشكال التطبيع العربي الرسمي الخليجي والتي تشكّل آليات وحوامل لتنفيذ هذه الصفقة على الأرض، والضغط على الطرف الفلسطيني للقبول بما يروّج له.

ثالثاً, تدويل القضية الفلسطينية في المحافل الدولية والدعوة لعقد مؤتمر دولي لتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية, و رفع جرائم الاحتلال الاسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني الى المحاكم الجنائية الدولية. 
 إن توحيد البيت الفلسطيني الداخلي والمرفوض - خليجيًا واسرائيليًا واميركيًا - من خلال الاتفاق على قواسم وطنية مشتركة توافقية بين مختلف القوى الوطنية الفلسطينية وتجديد شرعيات هيئات ومؤسسات منظمة التحرير وتفعيلها وتطويرها ما يعني تبدلًا في ميزان القوى الداخلية في صياغة القرار السياسي   الفلسطيني, ويبدو أن طرفي الانقسام بشقيه (الفتحاوي والحمساوي) ليس من مصلحتهما إنهاءه، وتوحيد الصفوف في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، حيث إن ذلك سوف يحدّ من حرية الحركة لكلّ منها وفق اجندته السياسية الخاصة.

أبجديات الحراك الفلسطيني

أولًا: عقد لقاء وطني شامل من قادة فصائل العمل الوطني من دون استثناء، ( هيئة تفعيل م.ت.ف ), وممثلين عن تجمّعات وقطاعات شعبنا في الداخل والخارج، بمن فيهم الاتحادات والنقابات وهيئات المجتمع المدني، تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، بهدف اتخاذ خطوات عملية لتوحيد المؤسسات الوطنية على مستوى السلطة والمنظمة, وانطلاقًا من التوافق على أسس الشراكة السياسية و الوطنية، ومعالجة جميع ملفات الانقسام وإنهائه بما يمكن من إجراء انتخابات لتجديد كل الشرعيات الفلسطينية ووضع آليات وجداول تنفيذ متوافق عليها. وهي خطوات لا بدّ أن يحصّنها برنامجٌ سياسيٌ مقاوم يجسّد القواسم الوطنية المشتركة، لمواجهة مخاطر المشروع الأميركي - الاسرائيلي. 
ثانيًا: إطلاق حركة مقاومة شعبية شاملة وواسعة النطاق، تضطلع بها تجمعات شعبنا المختلفة حسب ظروفها وأوضاعها داخل الوطن وخارجه، ودون المس بحق شعبنا في الدفاع عن نفسه بكافة الأشكال المتاحة المكفولة بموجب القانون الدولي.   
ثالثًا: وقف العمل بكل التزامات برنامج أوسلو وملاحقه الأمنية والاقتصادية والمدنية، بما في ذلك إلغاء التنسيق الأمني، و" السلام الاقتصادي" وتجريم التعامل مع المستوطنات بكافة أشكاله, وتهيئة الأوضاع الاقتصادية الفلسطينية و دعمها و تطويرها من أجل ضمان مقاومة شعبية مستمرة وطويلة الأمد.
رابعًا: تفعيل الموقف العربي على مختلف المستويات لمواكبة التحركات والتنسيق في المواقف، إقليميًا ودوليًا, وكذلك التمسك الفعلي وليس اللفظي بقرارات القمم العربية الرافضة للتطبيع، وإعادة الاعتبار للعلاقة مع الشعوب العربية والقوى والأطر الشعبية العربية.
خامسًا: إطلاق مبادرة سياسية لبناء جبهة عالمية مناصرة للقضية الفلسطينية و بما يعزز الجهد الفلسطيني لتشييد موقف عالمي في مواجهة الخطط الأميركية - الاسرائيلية، ويتمسك بأسس ومرجعيات حل الصراع وفق القانون الدولي، و بما يكفل تمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه الوطنية المشروعة.
إنّ هذه الخطوات تشكل أساس لبلورة إستراتيجية وطنية سياسية وكفاحية شاملة و بديلة عن برنامج اوسلو و التزاماته, تُمَكِّنُ الشعبَ الفلسطيني أينما تواجد من الدفاع عن مصيره وعن حقوقه، وتركّز على إحداث تغيير تراكمي في موازين القوى يُمَكِّنُ شعبَنا من الوصول إلى النقطة التي تتيح له ممارسة حقه في تقرير مصيره واستعادة حقوقه الوطنية و المشروعة.