محمد أبو النواعير

كاتب عراقي

المجتمع السياسي والسلطة - عامل تكوين وانفصال

لا يمكن لأية سلطة حديثة أن تكون مقبولة (اجتماعياً)، إلا من خلال اندكاك المجتمع بأدواتها، وممارسة المجتمع لعمليات تكوينها ومتابعتها وصيرورتها المستمرة، لأن المجتمع ببساطة الكيان الجماعي الوحيد، الذي يمتلك قوّة إسناد السلطة أو إضعافها، من خلال شبكة من التفاعُلات والعلاقات الدائِمة والمُستقرة نسبياً بين أفراده، تسمح باستمرار كيان السلطة واستقراره، وتجدّده في الزمان والمكان، أو يؤدّي إلى ضعفه واضمحلاله واقتصاره على فئةٍ معينةٍ تكون مُتحكّمة فيه وبموارده.

لقد قام التأسيس الحديث لمفهوم الدولة على مبدأ أنها تمثّل كياناً سياسياً- قانونياً؛
لقد قام التأسيس الحديث لمفهوم الدولة على مبدأ أنها تمثّل كياناً سياسياً- قانونياً؛

غالباً ما يكون مفهوم السلطة في المجتمعات القديمة، مُرادفاً لمفهوم (الدولة)، وغالباً ما كان يمثّل أيضاً تدرجاً علويّاً في أدبيات المجتمع والقوانين في تلك الأزمان، فقد مثّل في بداياته التاريخية حال الإلوهية أو الوكالة عن الإله، وكان يندرج في حيّز هذا النطاق باقي المفاهيم الكبيرة، والتي كانت تُرَسّخ في مفهوم السلطة حال تمايز وانعزال و(انفصال) ما بين السلطة وأدواتها ودعائمها المادية والقانونية، وما بين الحال المجتمعية العامة لعموم الأفراد والجماعات، بل وحتى أن الفئات الموالية للسلطة، والدائِرة في فلكها، من عوام الجمهور، لم تخرج عن إطار الحدود والأعراف والقوانين، التي تجعلهم بعيدين عن الانصهار أو الذوبان في مُصطلح السلطة وحدوده.

نشأ مفهوم الاجتماع السياسي بشكله الحالي في فترة قريبة نسبياً، فلم يكن هناك تقبّل لفكرة: أن يكون كل فرد في المجتمع جزءاً من السلطة! لأن الطبقات الاجتماعية التي تكون مُمسِكة بزِمام السلطة أو الإنتاج أو التجارة أو الأمن العسكري، كانت تنظر إلى نفسها بمستوى طبَقي (بايلوجي) أعلى، مُقارنة بغيرها من طبقات المجتمع. إلا أن تطوّر الوعي البشري، وتطوّر أدوات التعليم، وتسابُق النظريات السياسية في طرح نماذج راقية من أنواع الحُكم المستقر، مع ظهور بوادر تمدّن الإنسان الحديث، قاد إلى الاهتمام بالاجتماع السياسي للمجتمعات الحديثة، حيث يمكن لأية مجموعة بشرية، من خلال اجتماعها السياسي، خارج أطر اجتماعاتها البنيوية الاجتماعية الأخرى (كقرابات الدم والعشيرة والمنطقة والأديولوجيا) أن تخلق حال تكافُل وتضامُن،  في الوعي والإرادة والشعور والهدف.

 الاجتماع السياسي هنا لا يقتصر على ممارسة التضامُن والتعاطُف والتواطُن بين الأفراد المُكوّنين لمتّحدٍ واحد، وإنما هو الفعل المُنشئ للحمة وعلاقة قرابة وتعاطف بين الناس. وليس موضوع الاجتماع السياسي الحقيقي إلا تكوّن هذه القرابة النوعية التي تجعل الناس، أفراداً وجماعات، يتجاوزون حال التفرّد الخاصة بهم من خلال بئيات صغيرة كالأسرة أو العشيرة أو الصداقة، والتي تمثل قرابات جزئية طبيعية موروثة، أي غير مُختارة وغير مُفكِّر بها، بعكس الاجتماع السياسي الذي يؤسّس لما يمكن أن نسمّيه جماعة وطنية، أو أمّة بكل المعاني.

لا يمكن لأية سلطة حديثة أن تكون مقبولة (اجتماعياً)، إلا من خلال اندكاك المجتمع بأدواتها، وممارسة المجتمع لعمليات تكوينها ومتابعتها وصيرورتها المستمرة، لأن المجتمع ببساطة الكيان الجماعي الوحيد، الذي يمتلك قوّة إسناد السلطة أو إضعافها، من خلال شبكة من التفاعُلات والعلاقات الدائِمة والمُستقرة نسبياً بين أفراده، تسمح باستمرار كيان السلطة واستقراره، وتجدّده في الزمان والمكان، أو يؤدّي إلى ضعفه واضمحلاله واقتصاره على فئةٍ معينةٍ تكون مُتحكّمة فيه وبموارده.

إن علاقة المفهوم المتعلّق بتكوّن السلطة، وبين المجتمع وحراكه المستمر، مرتبطان من خلال حلقة حديثة النشوء، ألا وهي تأسيس المؤسّسات الاجتماعية، المُكوّنة للنظام السياسي؛ فتكوّن النظام السياسي، ودوره في توفير الأمن الداخلي والدفاع الخارجي للكيان البشري المُكوّن له، يخلق له أهمية كبيرة لدى المجموعة البشرية، يدفعها دوماً إلى مساندته وتقويته لأنه سيمثّل جانباً مهماً من جوانب حفظ وجودهم، لذا، في المجتمع الذي تكون السلطة فيه نابِعة من بنية اجتماعية سانِدة، نرى أن هناك تنظيماً ومأسسة مستمرة لهذا النظام، بمعنى أنهم لا يتركونه لهوى الأفراد أو نزعاتهم التلقائية.

لقد قام التأسيس الحديث لمفهوم الدولة على مبدأ أنها تمثّل كياناً سياسياً- قانونياً؛ وهو ينطوي على حقيقة أن هذا الكيان هو بناء أو هيكل ل "قوّة" ، تحكمها مجموعة من القواعد المُقنّنة. ويتجسّد هذا الهيكل في جهاز بيروقراطي، مدني – عسكري – أمني، وتعني قواعده المُقنّنة أن له صفات تتجاوز شخصانية الأفراد المُتحكّمين بإدارته من ناحية، وشخصانية الأفراد الذين يتعامل معهم هذا الجهاز من ناحيةٍ أخرى. فهناك تقنين لحقوق مَن يُديرون جهاز الدولة وواجباتهم، وتقنين لحقوق مَن يتعامل معهم جهاز الدولة وواجباتهم (المواطنون أو الرعايا).

إلا أن التنظير المُعاصِر لمفهوم السلطة لم يكتف بما سبق، فالاقتصار على هذا الإطار في التعاطي مع مفهوم السلطة، من دون الرجوع إلى ضرورة توافر عنصر الاجتماع السياسي فيها، يقودنا إلى التأسيس لكيان منقوص في أدوات استقراره وتفاعُله، وبالتالي، كيان قد يتحوّل بمرور الزمن إلى كتلةٍ استبداديةٍ، واسعة في مضامينها السلطوية القَسْرية، ومحدودة في تمثيلها المجتمعي، أيّ يقود كل ذلك إلى انفصالٍ واضحٍ ومهمٍ بين البناء السُلطوي، والبناء المجتمعي، خاصة وأن الدولة المُعاصِرة قائمة على سلطة مشتركة، يمثل قسمها الأول هيكلها القانوني البيروقراطي العسكري، وقسمها الثاني ذاتها الاجتماعية المُتفاعلة بشكل أساسي في تكوين نظامها السياسي، والمتفاعِلة  مع مُفردات (أو مخرجات) السلطة القانونية والإدارية والأمنية والاقتصادية لها.

*دكتوراه في النظرية السياسية - المدرسة السلوكية الأميركية المُعاصِرة في السياسة.