عمر معربوني

كاتب وباحث لبناني في الشؤون العسكرية خريج الأكاديمية العسكرية السوفياتية

إلى اين تتّجه العمليات في إدلب ؟

من المؤكّد أن الأميركيين خسروا الكثير من تأثيرهم في الميدان السوري بعد استعادة الجيش العربي السوري لجغرافيا واسعة تم تحريرها على مدار السنة الفائتة ، لكنهم يقبضون على خزّان النفط الإستراتيجي للدولة السورية شرق الفرات ، وعلى أغلب الأرض الزراعية الإستراتيجية عبر الجماعات الكردية ، ما يمكّنهم من مُضايقة الدولة السورية في مجالين أساسيين وهما النفط والزراعة كسلعتين استراتيجيتين تكلفان الدولة السورية الكثير من الأعباء. .

إلى اين تتّجه العمليات في إدلب ؟
إلى اين تتّجه العمليات في إدلب ؟

على مدى أسبوعين تشهد محاور القتال في ريف حماه الشمالي وريف اللاذقية الشمالي الشرقي عمليات عسكرية تبقى حتى اللحظة عمليات محدودة في الجغرافيا وفي الزخم ، ويمكن وصفها بعمليات الاستطلاع بالنار بما يرتبط بالجيش العربي السوري وعمليات المُدافعة والهجمات المُضادّة بما يرتبط بالجماعات الإرهابية .
حتى اللحظة يمكن وصف الموقف التركي بالصامِت باستثناء تصريح يتيم لوزير الدفاع التركي خلوصي آكار ، أعلن فيه تمسّك الأتراك بنقاط المراقبة التركية مُتّهماً الدولة السورية بالعمل على إنهاء اتفاق آستانة ، وهو أمر يُجافي الحقيقة حيث يعلم الجميع أن تركيا هي مَن يُعرقِل تنفيذ مضمون اتفاقية المنطقة منزوعة السلاح ، التي لا تزال الجماعات الإرهابية تستخدمها كمنصةٍ لإستهداف البلدات والقرى في ريف حماه الشمالي وسهل الغاب وبعض المناطق الساحلية ومن بينها قاعدة حميميم الجوية الروسية .
ورغم تصريح وزير الدفاع التركي لا تبدو على النظام التركي تصرّفات تشير إلى إمكانية دخوله المباشر على خط المعارك الجارية ، ويكتفي بتقديم الدعم العسكري النوعي للجماعات الإرهابية ، حيث ظهرت للمرّة الأولى صواريخ جافلين الأميركية الصنع المُضادّة للدروع المُتطوّرة إضافة إلى مئات الدراجات الجبلية والسيارات المُصفّحة رباعيّة الدفع .
تركيا التي رعَت ولا تزال هذه الجماعات تقدّم لها الغطاء السياسي أيضاً من خلال مواقف واضحة لا لُبْسَ فيها عبر تشكيل ما يُسمَّى بالجبهة الوطنية للتحرير ، وهي تضمّ بالأساس فصائل ذات خلفيّة إخوانية تعوّل تركيا عليها كثيراً في تحقيق خرقٍ سياسي يسمح لها بالمشاركة في السلطة مستقبلاً ، وهو أمر ترفضه الدولة السورية جملة وتفصيلاً وتعتبره مخالفاً لأبسط قواعد المشاركة حيث الشعب هو مَن يُقرِّر عبر الانتخابات ممثليه في السلطتين التشريعية والتنفيذية .

 

تحصل هذه المعارك في ظلّ تطوّرات خطيرة تعكس النظرة والموقف الأميركي بما يرتبط بالصراع في سوريا ، وصوغ استراتيجية أميركية جديدة قائمة على ثلاثة بنود من شأنها أن تعقّد الصراع وتُطيل أمده ، وجاء ذلك في رسالة أرسلها 400 من أصل 535 عضواً من مجلس الشيوخ والنواب الديمقراطيين والجمهوريين إلى الرئيس ترامب تحدّد الجهات التي تهدّد مصالح الولايات المتحدة الأميركية ، وهي بحسب الرسالة ( الجماعات الإرهابية وروسيا وإيران وحزب الله ) .
وتضمّنت الرسالة دعوة للرئيس ترامب لتبنّي البنود الثلاثة وصوغ إجراءات وتدابير تنفيذية تضمن أمن ومصالح أميركا والكيان الصهيوني والبنود كما جاء في الرسالة هي :

1- " حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها "
2- الضغط على روسيا وإيران وسوريا سياسياً واقتصادياً
3- الضغط على حزب الله واستكمال خطة " شيطنته إعلامياً وزيادة الحصار المالي عليه .
ومن ضمن التدابير والإجراءات المُرتبطة بالبنود الثلاثة إبقاء الوضع على ما هو عليه في سوريا من خلال زيادة الدعم للجماعات الكردية في الشمال الشرقي ، واستعادة تركيا إلى الفلك الأميركي عبر تقديم تسهيلات تسمح للتركي بالبقاء في مناطق سيطرته الحالية ، بما فيها مناطق سيطرة " جبهة النصرة " و " الجبهة الوطنية للتحرير " التي أسّستها تركيا وتعمل على إبقاء نفوذها في مناطق سيطرتها الحالية .
هذه التدابير الهدف منها إعاقة عمل الدولة السورية والجيش العربي السوري وإبقاء الضغط على روسيا وعدم السماح لها ولإيران بتثبيت وضعهما في مجال حيوي لا تزال أميركا تعتبره مجالها .
من المؤكّد أن الأميركيين خسروا الكثير من تأثيرهم في الميدان السوري بعد استعادة الجيش العربي السوري لجغرافيا واسعة تم تحريرها على مدار السنة الفائتة ، لكنهم يقبضون على خزّان النفط الإستراتيجي للدولة السورية شرق الفرات ، وعلى أغلب الأرض الزراعية الإستراتيجية عبر الجماعات الكردية ، ما يمكّنهم من مُضايقة الدولة السورية في مجالين أساسيين وهما النفط والزراعة كسلعتين استراتيجيتين تكلفان الدولة السورية الكثير من الأعباء. .
الأتراك بدورهم يمتلكون أوراق قوّة وإن تراجع تأثيرها عن السابق لكنها لا تزال فاعلة ويمكنها بالحد الأدنى عرقلة وإعاقة خطط الدولة السورية وحلفائها .

 

في ظلّ هذا الوضع السياسي شديد التعقيد تبدو العمليات العسكرية السورية الهادِفة إلى تحرير كامل شمال غرب سوريا ، مسألة ليست بالسهلة لاصطدامها بالكثير من العراقيل السياسية سواء كانت في البُعد الإنساني أو بما يرتبط بفبركات الضربات الكيميائية ، والتي يتمّ العمل عليها إعلامياً بشكل مُكثّف ، ويضع سوريا وحلفاءها دائماً في موقع الدفاع والتبرير ، إضافة إلى التلميح والتهديد الأميركي باستهداف منشآت سوريّة حيوية على غرار ما حصل في نيسان من سنة 2018 خلال معارك تحرير الغوطة الشرقية .
على المستوى العسكري وضعت تركيا إمكانيات كبيرة بتصرّف الجماعات الإرهابية ، وحاولت عبر إستعادة الجماعات الإرهابية لبلدة كفرنبودة توجيه رسالة مباشرة للدولة السورية وللروس أيضاً عبر استهداف قاعدة حميميم بطائرات مُسيَّرة يتمّ إسقاطها ، ولكنها في الحقيقة تستنزف الدفاعات الجوية الروسية وكذلك السورية التي تعمل على التصدّي للطائرات المُسّيرة التي تستهدف منشآت سوريّة كمحطات الكهرباء والمياه والمطارات .
انطلاقاً من الوقائع والمُعطيات القائمة لا يبدو أن الدولة السورية ستتراجع عن الإستمرار في متابعة العمليات العسكرية ، مدعومة من الطيران الروسي حيث تمّ الإعلان من قِبَل مركز المصالحة الروسي عن فتح معبرين إنسانيين لخروج الأهالي من بقعة العمليات الأوسع ، ورمي الحوامّات السورية لقصاصات ورقية تدعو المواطنين إلى الإبتعاد عن مراكز وتجمّعات الجماعات الإرهابية .
هذه الإجراءات في الواقع هي أسلوب سابق استخدمته الدولة السورية والقوات الروسية قبل الدخول في مرحلة العمليات الكبرى ، وهي كإجراءات تدابير هدفها تفكيك العقد القائمة وتسهيل عمل القوات العسكرية في الميدان ، خصوصاً أنه على المستوى العسكري بشكل خاص يستطيع الجيش العربي السوري تنفيذ عمليات واسعة ومرنة ، بالنظر إلى طبيعة تموضع قواته التي يمكنها تنفيذ عمليات إندفاع وتطويق وعزل لمناطق سيطرة الجماعات الإرهابية ، لكن هذا الأمر مشروط بإطلاق العمليات في بُعدها الشامل وهو الأمر الذي لا يبدو قائماً حالياً وبإنتظار تشكّل واقع وظروف أكثر مُلاءَمة تمكّن الجيش من تنفيذ عمليات شاملة .
وحتى تتشكّل ظروف ووقائع ملائِمة أعتقد أن العمليات ستبقى في إطارها المحدود ويمكن أن تنتقل من محور إلى آخر ، لكنها وإن حقّقت تقدّماً في محاور مُحدَّدة فهي لن تؤثّر في بنية وتموضع الجماعات الإرهابية وداعميها .