محمّد يوسف

محام وكاتب فلسطيني

نحو نسخة سورية من الحركة الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل "BDS"

تفتقر قرارات مجلس الأمن التي لا تصدر تحت البند السابع لأية أدوات تنفيذية تلزم الدول التي خرقت القانون الدولي بالانصياع لمقرّراته ، وهذا ما يحدث دائماً في القرارات التي تصدر عن الأمم المتحدة ممثلة بمجلس الأمن والجمعية العامة حول عدم شرعية إسرائيل على الأراضي التي احتلتها بعد عدوان 1967.

نحو نسخة سورية من الحركة الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل "BDS"
نحو نسخة سورية من الحركة الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل "BDS"

ليس ببعيد قام رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب بإعلان مرتفعات الجولان السوري المحتل أراضٍ إسرائيلية واعترف بسيادة العدو الصهيوني على هذه الأراضي في خطوة لشرعنة احتلال هذه الأراضي وإعطاءها صفة رسمية و قانونية على الصعيد الدولي ، على الرغم من أنها تصنّف أراض محتلة وفقاً للقانون الدولي و قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة و مجلس الأمن ، وآخرها القرار 2344 الذي أكّد مرة أخرى على عدم شرعية وجود "إسرائيل" في الأراضي التي احتلتها بعد عدوان 1967 واعتبارها أراض محتلة وتطبّق عليها اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 .
لم تكن فكرة ضمّ الجولان السوري المحتل للسيادة الإسرائيلية طرحاً جديداً بل إن "إسرائيل" ضمّت الجولان لأراضيها بقرار أحادي الجانب في عام 1981 في ما سمّي حينها قانون ضمّ الجولان ، ولكن من دون أي اعتراف دولي أو حتى من جانب الدول الحليفة بما فيها الولايات المتحدة الأميركية و تمّ الطعن بشرعية القانون وعدم شرعيته في عدّة قرارات صادرة عن الجمعية العامة ومجلس الأمن التابعين للأمم المتحدة و أبرزها القرار رقم 497 بتاريخ 17 ديسمبر 1981، الذي اعتبر فيه أن قرار "إسرائيل" فرض قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان السوري المحتل، قرار لاغ وباطل وليس له أثر قانوني دولي، وطالب فيه إسرائيل بأن تلغي قرارها على الفور ، وأكّد القرار أن جميع أحكام اتفاقية جنيف الصادرة بتاريخ 12 أغسطس 1949 المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب، سارية المفعول على الأراضي السورية المحتلة من قِبَل إسرائيل منذ يونيو 1967 ، وجاء قرار الرئيس الأميركي الأخير في محاولة لإنعاش قانون ضمّ الجولان الإسرائيلي الميت سريرياً ، والعمل على الترويج دولياً لإضفاء شرعية مشروخة "لإسرائيل" على الجولان المحتل في ظل غياب تام وغير مبرّر لأية جهود دبلوماسية خارج إطار الأمم المتحدة لثني أميركا و إسرائيل عن هذه الخطوة وتعريتها أمام المجتمع الدولي .
افتقار قرارات مجلس الأمن لأدوات تنفيذية
تفتقر قرارات مجلس الأمن التي لا تصدر تحت البند السابع لأية أدوات تنفيذية تلزم الدول التي خرقت القانون الدولي بالانصياع لمقرّراته ، وهذا ما يحدث دائماً في القرارات التي تصدر عن الأمم المتحدة ممثلة بمجلس الأمن والجمعية العامة حول عدم شرعية إسرائيل على الأراضي التي احتلتها بعد عدوان 1967، لتبقي هذه القرارات ضعيفة وغير فعّالة وترقى لمستوى الشجب والتنديد فقط ، خصوصاً في ظل وقوف الدولة الأكثر قوة ونفوذاً في العالم ( الولايات المتحدة الأميركية) والحليف الأول لهذا الكيان الغاصب في وجه هذه القرارات ، يجعل الدعوة ملحّة لإيجاد حلول بديلة والتفكير خارج الصندوق والعمل خارج إطار الأمم المتحدة لثني المحتل عن التمادي في خرق القانون الدولي و إعلان نفسه دولة فوق القانون

الحاجة للبحث عن حلول بديلة
كما أسلفت سابقاً إن البحث عن حلول بديلة لوقف العدو الصهيوني وحلفائه عن التمادي في خرق القانون الدولي أصبح حاجة ضرورية ، ولابد من ابتكار وسائل و أفكار عملية لوقف مسلسل الخروقات المستمر للمقرّرات والمعاهدات الدولية من جانب الكيان الغاصب ومَن يقفون خلفه . بما أن أيّ قرار تحت البند السابع ضد هذا الكيان الغاصِب في الأمم المتحدة سيواجه بفيتو أميركي قاطع ، و أي قرار سواه سيكون غير مُلزِم ويفتقر لأية أدوات تنفيذية، تبرز الحاجة لمحاربة هذه القرارات عبر إنشاء قنوات مستقلة لا تتأثر بقرارات الأمم المتحدة ، ولا تخضع لسلطة دولة أو منظمة دولية معيّنة على شكل منظمات غير دولية NGO ( Non Government organizations) تكون مهمتها الدعوة لمقاطعة الكيان الصهيوني و عزله على كافة الأصعدة تجارياً، دبلوماسياً، اقتصادياً، فنياً وحتى رياضياً ، في إطار حرب استنزاف دبلوماسية لثنتي هذا الكيان الغاصِب عن الاستمرار في انتهاك القوانين الدولية و الانصياع لقرارات الشرعية الدولية، بالإضافة إلى تفعيل لجان عمل قانونية تكون مهمتها متابعة قضية الجولان السوري المحتل في المحافل الدولية والعمل على صوغ نصوص وقرارات جديدة و مستمرة في إطار الحرب الدبلوماسية.
التجربة الفلسطينية ( حركة المقاطعة BDS ) قد تكون ملهمة وفعالة والحاجة لنسخة سورية مشابهة
ماهي حركة ال BDS ؟
حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها هي مخفّف Boycott, Divestment Sanctions حركة فلسطينية المنشأ عالمية الامتداد تسعى لمقاومة الاحتلال والاستعمار-الاستيطاني والأبارتهايد الإسرائيلي، من أجل تحقيق الحرية والعدالة والمساواة في فلسطين وصولاً إلى حق تقرير المصير لكل الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات. تتناول مطالب حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) طموح وحقوق كافة مكوّنات الشعب الفلسطيني التاريخية من فلسطينيي أراضي العام 1948 إلى قطاع غزّة والضفة الغربية، بما فيها القدس، إلى المخيمات والشتات، والذي شرذمه الاستعمار-الاستيطاني الإسرائيلي على مراحل. لقد نجحت حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) في بداية عزل النظام الإسرائيلي أكاديمياً وثقافياً وسياسياً، وإلى درجة ما اقتصادياً كذلك، حتى بات هذا النظام يعتبر الحركة اليوم من أكبر "الأخطار الاستراتيجية" المحدقة بها.
يجب على الجمهورية العربية السورية اليوم العمل سريعاً والتفكير جدياً على إيجاد حال مشابهة لحركة المقاطعة الفلسطينية لإسرائيل BDS تتولّى مقاومة هذا الاحتلال ومحاربته بالوسائل الدبلوماسية وعبر حملات التوعية و الدعوة لعزله اقتصادياً، و ثقافياً و ربما لاحقاً التنسيق والعمل مع حركة المقاطعة الفلسطينية لإيجاد جهود مشتركة لتشكيل ائتلاف مواز عالمي خارج الأمم المتحدة ، يجبر هذا الكيان الغاصب وتحت الضغط الاقتصادي والسياسي و الثقافي إلى وقف انتهاكاته وانهاء حال الاحتلال القائمة والسماح لكلا الشعبين السوري والفلسطيني بتقرير مصيرهما الذي كفله لهما منشور الأمم المتحدة والقانون الدولي العرفي.