مُقدّمات التمرّد على الوصاية السعودية

هذا التمرّد غير المسبوق على الهيمنة الدينية للنظام السعودي على (الدول السنّية) هو مُقدّمة التمرّد السياسي الذي يُمهِّد مع عوامل أخرى وفي مُقدمّها حرب اليمن للانهيار الحتمي الكبير.

  • مُقدّمات التمرّد على الوصاية السعودية

لاحظ المراقبون السياسيون أن إعلان الأردن وفلسطين ومصر وعدد من الدول العربية والإسلامية على خلاف السعودية ، أن يوم الثلاثاء وليس الإثنين هو المُتمِّم لشهر رمضان المبارك، وبالتالي فإن عيد الفطر السعيد ليس الثلاثاء كما قرّرت الرياض ، وإنما وكذلك إعلان قطر تحفّظها على قرارات قمم السعودية الثلاث العربية والخليجية والإسلامية التي عُقِدَت في مكّة المُكرَّمة مؤخّراً بناء على طلبٍ سعودي في أعقاب الغارة الجوية الناجحة التي قام بها سلاح الجو اليمني المُسيَّر على مواقع نفطية سعودية ، قد جاء بعد أيام قليلة من انتهاء أعمال تلك المؤتمرات ما يؤكّد بأنها كانت فاشلة بامتياز.
وهذا الفشل مردّه أن تلك القمم التي دعت إليها السعودية بناء على طلب أميركي لتجنيد وحشد القوى من أجل استكمال مُحاصرة إيران ، أو التمهيد لشن الحرب عليها ، وتمهيد الأجواء لإنجاح ورشة البحرين الاقتصادية كمُقدّمة لإنجاح صفقة القرن التصفوية التي تبنّتها السعودية في إطار تحالفها مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، سببه المباشر فشل إدارة ترامب في تحويل الضغط الاقتصادي والتهديد بالحرب إلى استسلامٍ إيراني وإدراك أميركي مُتأخّر بأن صفقة القرن لن تمر طالما أن هنالك إجماعاً فلسطينياً على رفضها ، وأخيراً بسبب إخفاق حليف السعودية الإسرائيلي وهو بنيامين نتنياهو في تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة ، وقراره الذهاب إلى انتخابات برلمانية مُبكِرَة هي الثانية في غضون أربعة أشهر.
وكمُقدّمة لما أُريد الوصول إليه فإن أحد أهم قوانين الفكر المادي الدياليكتيكي أن توالي المُتغيّرات الكميّة يؤدّي في نهاية المطاف إلى حدوث مُتغيّر نوعي ، وهذا المدخل الفلسفي يمكّننا من فَهْم وتفسيرالظواهر التي تحدث من حولنا ، ومن ضمنها ذلك المُتغيّر المهم الذي تمثّل بالأمس بتمرّد مجموعة من الدول العربية والإسلامية وفي مقدّمها الأردن وفلسطين ومصر، وحتى أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان في العالم وهي أندونيسيا على الوصاية الدينية لآل سعود في موضوع تحديد موعد انتهاء شهر الصيام وبداية عيد الفطر السعيد...
فقد دَرَجَت العادة منذ عدّة عقود أن تتماهى مواقف تلك الدول التي يعتنق غالبية سكانها المذهب الإسلامي السنّي مع مواقف المركز السعودي إزاء كل الموضوعات والقضايا التي تخصّ العالمين العربي والإسلامي، ومنها تسييس موضوع بداية شهر رمضان المبارك وموعد حلول عيد الفطر السعيد على قاعدة الاختلاف مع إيران في كل شيء.
وغنّي عن القول أن استخدام آل سعود للمال الذي يملكونه بأرقامٍ فلكية في كَسْب ولاءات الدول والحكومات ، وحتى القوى والأحزاب السياسية في الدول العربية والإسلامية الفقيرة أو ضعيفة الموارد ،على الأغلب، أو تلك التي تحكمها قوى طبقية واجتماعية تابعة لأميركا والغرب الاستعماري، والمدوّنة بمئات مليارات الدولارات لمؤسّسات النَهْب والإقراض الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ، قد أعطى العربية السعودية نفوذاً مالياً وسياسياً كبيراً في تلك الدول ، وصل إلى حد التحكّم بقراراتها السياسية.
ولكن المُستجدات التي حصلت في طريقة تعاطي حكَّام السعودية مع أحداث المنطقة ، ابتداء من الدور الذي لعبوه في تدمير ليبيا والعراق ودفعهم مئات مليارات الدولارات لتدمير الدولة السورية وتقديمهم السلاح لجيش الإسلام الإرهابي ، واعتماده الفِتَن الطائفية والمذهبية كوسيلةٍ لتدمير الوطن العربي، وفشل مشروعهم في تلك الدول واكتشاف أمر علاقاتهم التاريخية مع إسرائيل وانتقالها من السر إلى العَلَن ، وتبنّيهم لصفقة القرن التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية علناً بالتعاون مع صهر ترامب كوشنير، وحربهم الإجرامية على اليمن وجريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في مقر القنصلية السعودية في إسطنبول ، كل ذلك تراهم أمام الشعوب العربية والضعف من قدرتهم على السيطرة والتأثير على الوعي الشعبي العربي.
ومن نافلة القول بأن استهتار الرئيس الأميركي دونالد ترامبب بحكَّام السعودية وجعلهم مسخرة أمام الجماهير العربية من خلال تشبيههم بالبقرة الحلوب ، وتبجّحه بما حصل عليه من قرابة نصف تريليون دولار منهم من دون عناء ، ومئات مليارات الدولارات على شكل صفقات أسلحة وتعمّد إذلالهم من خلال القول بأنهم لا يستطيعون البقاء في الحُكم لأسبوعٍ واحدٍ من دون المساعدة الأميركية ، ولأنهم سوف يتكلّمون الفارسية في أسبوع واحد لو تخلّى عنهم ، ولأن طائراتها لا تستطيع الهبوط في قواعدها في ما لو أقلعت من دونه ، وقوله في إحدى تغريدات على تويتر إنه لولا السعودية لما قامت إسرائيل ومن دون السعودية لن تبقى إسرائيل ، وذلك في معرض مواجهته للأصوات التي ظهرت في الكونغرس مطالبة بوقف مبيعات السلاح الأميركي للسعودية بعد جريمة قتل وتقطيع وتذويب جثة خاشقجي. كل ذلك لعب دوراً مهماً في إضعاف تأثير حكَّام السعودية على الجمهور العربي ، وأضعف بالتالي من مقدرة بعض بلدان النظام الرسمي العربي على الاحتفاظ بمستوى العلاقات السابقة معهم رغم بريق الأوراق الخضراء.
إن هذا التمرّد غير المسبوق على الهيمنة الدينية للنظام السعودي على (الدول السنّية) هو مُقدّمة التمرّد السياسي الذي يُمهِّد مع عوامل أخرى وفي مُقدمّها حرب اليمن للانهيار الحتمي الكبير.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً