باسم عثمان

باحث وكاتب فلسطيني

ما بين السلام "الاقتصادي" والسلام "السياسي" قضية وحقوق شعب

خطورة ما تُسمّى "الورشة الاقتصادية" تحت عنوان "السلام من أجل الازدهار"،لا تعدو عن كونها منصّة لإعلان الانخراط الرسمي الخليجي العربي بغالبيته في تبنّي "صفقة ترامب"، وتبنّي رؤية نتنياهو المدعومة أميركياً لما يُسمّى "السلام الاقتصادي"، كحلٍ للصراع العربي والفلسطيني مع الاحتلال الإسرائيلي.

ما بين السلام "الاقتصادي" والسلام "السياسي" قضية وحقوق شعب
ما بين السلام "الاقتصادي" والسلام "السياسي" قضية وحقوق شعب

كشفت الإدارة الأميركية عن أولى مراحل تطبيق صفقة القرن المُزمَع طرحُها، بدعوتها إلى تنفيذ الخطوات الأولى والتي يجب أن تبدأ بورشة العمل "الاقتصادية" ، وبحضور وزراء مالٍ عرب ورجال أعمال، وذلك في العاصمة البحرينية المنامة.
إنّ أميركا وإسرائيل تحاولان، من خلال ورشة "الإنعاش الاقتصادي"، تمرير صفقة القرن من بوّابة الإصلاحات الاقتصادية أولاً، على أن يعقبها الشقّ السياسي لاحقاً.
ويرى الفلسطينيون أن قضيتهم سياسية بامتياز، والحلّ يكمن في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي عن أراضيهم المحتلة وإقامة دولتهم وعاصمتها القدس، وليس عبر ورشات عمل اقتصادية وتحسين ظروف المعيشة والحياة.
وتُعتبَر ورشة العمل "الاقتصادية" في المنامة استكمالاً لمشروع ترامب الذي بدأه بإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، ونقل السفارة الأميركية إلى القدس، وقطع المساعدات عن اللاجئين الفلسطينيين ، وتجفيف المنابع المالية للأونروا.
خطورة ما تُسمّى "الورشة الاقتصادية" تحت عنوان "السلام من أجل الازدهار"،لا تعدو عن كونها منصّة لإعلان الانخراط الرسمي الخليجي العربي بغالبيته في تبنّي "صفقة ترامب"، وتبنّي رؤية نتنياهو المدعومة أميركياً لما يُسمّى "السلام الاقتصادي"، كحلٍ للصراع العربي والفلسطيني مع الاحتلال الإسرائيلي.
إن الحديث عن مؤتمرٍ اقتصادي أو ورشات عمل اقتصادية تحضيراً "للسلام المزعوم" أميركياً ما هو إلا مجرّد أكاذيب وادّعاءات زائِفة، فالسلام الحقيقي لا يقوم مع بقاء الاحتلال الاستعماري الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وللجولان السوري المحتل، ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا، بل يقوم على الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي العربية المحتلة لعدوان 67، وممارسة الشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره وبناء دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وحل قضية اللاجئين بموجب القرار الأممي 194، الذي يكفل لهم حق العودة إلى الديار والممتلكات التي هُجِّروا منها منذ العام 1948.
إن الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي ليس" قضية إنسانية" وتحسين ظروف المعيشة فقط ، إنما سياسي بالدرجة الأولى يتعلق بإنهاء الاحتلال وتقرير المصير، وما العامل الاقتصادي سوى نتيجة للحل السياسي، والشعب الفلسطيني لا يبحث عن تحسين الأوضاع وتحقيق الرفاهية تحت الاحتلال ، لذلك يتوجّب على القيادة الفلسطينية الانتقال من الرفض الكلامي لصفقة ترامب إلى التطبيق العملي والميداني بتطبيق قرارات المجلس المركزي في دورتيه (5/3/2015+ 15/1/2018) والمجلس الوطني (30/4/2018) في رسالة إلى دول العالم أجمع، عن وحدة موقف الشعب الفلسطيني ورفضه كل الحلول البديلة لحقوقه الوطنية المشروعة، واستعداده الكفاحي لتقديم كل التضحيات الضرورية من أجلها ودَحْض كل المشاريع البديلة.
إن عواصم التطبيع الخليجية العربية عليها أن تُدرك أن ما ينقص الاقتصاد الفلسطيني والتنمية الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية المُستدامة ليس مُقترحات تحفيز وإنعاش اقتصادي يجري بحثها بمعزل عن مشاركة الفلسطينيين على المستويين الرسمي والأهلي ، بقدر ما ينقصه التحرّر من قيود اتفاق "باريس الاقتصادي" ومن الاحتلال غير الشرعي على أرضه ، حيث من العَبَث الحديث عن تنميةٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ في ظل الاحتلال و سياساته الاستيطانية والتهويدية والذي يحكم قبضته على كل مناحي الحياة في الأراضي الفلسطينية المحتلة ، ويتعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم قوة عمل احتياطية رخيصة الثمن ، ومع أسواقهم باعتبارها ملحقاً وتابعاً اقتصادياً لتسويق المُنتجات الإسرائيلية.
هذه "الخطة الترامبية" ، والتي بدأت بالتطبيقات العملية وترسيخ "الحقائق السياسية"، قبل الاطّلاع عليها ، وباشرت تطبيقاتها المُعلنة عبر ورشاتها الاقتصادية ، ومن ثم صوغها وفقاً للنتائج الملموسة على الأرض وسياسة "الأمر الواقع" وعلى ردّات الفعل فلسطينياً واقليمياً ودولياً... سياسة خطيرة وماكِرة تبدأ بالتطبيقات الملموسة ومن ثم صوغها ضمن خطة مُرتقبة" للسلام المزعوم" في المنطقة ، ومن ثم القول: هذا هو الواقع الجديد؟! و يجب التعامُل معه؟؟!!!.
لذلك ، إن احتواء الانعكاسات الخطيرة لتطبيقات صفقة القرن يتطلَّب بالضرورة العمل على إنهاء الانقسام الداخلي (الجغرافي والإداري والمؤسّساتي والسياسي) الفلسطيني من خلال التطبيق الميداني لقرارات المجلس الوطني الفلسطيني ، واستعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني وهو متطلّب أساسي في المواجهة مع صفقة القرن وتباشيرها الأولى المُعلنة والعمل على إحباطها.
إن مواجهة صفقة القرن كإطارٍ للتسوية السياسية و"الإنعاش الاقتصادي" الإنساني وليست كإطارٍ للتسوية القانونية لأنها تغرّد خارج السرب القانوني للقرارات الدولية ، وظيفتها تصفية القضية والحقوق الوطنية الفلسطينية، وتتطلّب التوافق على استراتيجيةٍ وطنيةٍ شاملةٍ تستند إلى حالٍ وطنيةٍ فلسطينيةٍ متماسكةٍ وآلياتٍ ميدانيةٍ فعّالة ، لتصويب العلاقات الائتلافية داخل م.ت.ف ومؤسّساتها ، وإعادة بناء هذه العلاقات على قاعدة الديمقراطية التوافقية والشراكة السياسية.
وعلى القيادة الرسمية الفلسطينية مُغادرة السياسة الإنتظارية وسياسة المُماطلة والتسويف وتعطيل قرارات الإجماع الوطني ، والشروع من دون تردّد بخطوات فكّ الارتباط مع سلطات الاحتلال والتحرّر من قيود اتفاق أوسلو ، ردّاً فلسطينياً مُتناسباً مع جرائم الاحتلال الاستيطانية والتهويدية للأراضي الفلسطينية ، والصفقات الأميركية المشبوهة ، وهذا لن يكون إلا بتنفيذ قرارات المجلس الوطني الفلسطيني وتحديد العلاقة مع "إسرائيل"، باعتبارها دولة مُعادية تحتل أراضي دولة فلسطين إلى جانب استنهاض المقاومة الشعبية بجميع أشكالها ، وتطويرها لانتفاضةٍ شاملة ، على طريق التحوّل إلى عصيانٍ وطني شاملٍ، يدفع المجتمع الدولي إلى التدخّل لإلزام دولة الاحتلال الإسرائيلي على احترام قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.
نحن أحوَج ما نكون إلى استراتيجيةٍ وطنيةٍ لمواجهة خطر الاستيطان الإسرائيلي ، الذي بات يشكّل تهديداً وجودياً للشعب الفلسطيني كجزءٍ من سياسة الاشتباك مع صفقة القرن الأميركية، والدخول في حوارٍ وطني شاملٍ لطيّ صفحة الانقسام ومُتطلّبات فكّ الارتباط بدولة "الاحتلال الإسرائيلي ومُتطلّبات تدويل الحقوق والقضية الوطنية الفلسطينية وخوض معاركها في المحافل الدولية.
إن سياسة التغوّل الأميركي- الإسرائيلي والتلويح بسياسات التهميش والتصفية للقضية الفلسطينية سياسياً وقانونياً واقتصادياً تستند إلى:
1- استمرار حال الانقسام الفلسطيني الرسمي وليس الشعبي – الشعب موحَّد في الميدان والمقاومة - وتعطيل تنفيذ قرارات الإجماع الوطني الفلسطيني(الوطني والمركزي).
2- النكوص لبعض الدول العربية وخاصة الخليجية منها على اعتبار القضية الفلسطينية جوهر الصراع العربي-الإسرائيلي ، واتباع سياسة "التطبيع" مع كيان "الاحتلال الإسرائيلي" أحد مرتكزات صفقة القرن الأميركية واستضافة ورشات عمل تصفوية للقضية الفلسطينية.
وها هو الاحتلال الإسرائيلي يرى في مسيرات العودة الخطر الفعلي على قيامه ونقيض وجوده، حيث أنه بمجرّد أن يتحقّق حق العودة ولو بعد 71 عاماً ويعود الحق لأهله سينهار الكيان، وهو الكابوس الذي يخشاه الاحتلال، وكذلك فإن عودة طرح ملف العودة بهذا الزُخم وهذه القوّة لدى الأجيال الجديدة، يعني إعادة الوعي الجَمْعي الفلسطيني نحو القضية المركزية له، وهي حقّه في العودة، وفشل كافة المشاريع التي طُرِحَت لإنهاء قضية اللاجئين، وآخرها صفقة القرن، فيما السلطة ترى في مسيرات العودة خطراً على مشروعها الذي تتبناه للتسوية مع الاحتلال وفشله أمام مسيرات العودة، إلى جانب ظهور كيانات فلسطينية تستمد شرعيتها من المتظاهرين، مثل: اللجنة العليا لمسيرات العودة.
لذلك يضع الاحتلال على سلّم أولوياته إنهاء مسيرات العودة، وضرورة وقفها بأيّ شكلٍ من الأشكال، سواء بالتصعيد العسكري وآلة القتل الإجرامية بحق المدنيين السلميين ، أو من خلال نَشْرِ أكاذيب وتحريض ضد المشاركين فيها عبر وسائل إعلامه.