نور الدين أبو لحية

كاتب وأستاذ جامعي جزائري

لهذه الأسباب تنتصر اليمن

وهذا ما جعل اليمنيين يرجعون إلى أنفسهم وتاريخهم الحضاري الطويل الذي لا يساوي معه التاريخ السعودي شيئاً.. وقد جعلهم هذا يستشعرون هويّتهم، ويعودون إلى ذواتهم، ويتخلّصوا من تلك العقد التي أفرزتها تبعيّتهم للسعودية.

  • الصورة للعاصمة اليمنية صنعاء (سبوتنيك - صورة أرشيفية)

عندما نتأمّل في حركة التاريخ، والسنن التي تحكم المجتمعات، بعيداً عن الذاتية، والتفكير الرغبوي، ثم ننظر إلى الواقع بعينٍ استشرافيةٍ لا تؤثّر فيها الوقائع المحدود، ندرك جيّداً أن اليمنيين سينتصرون انتصاراً واضحاً، لا إشكال فيه، بل إنهم سيتحوّلون من قوّةٍ قادرةٍ على حماية نفسها، والاحتفاظ بسيادتها، وتحقيق استقلالها التام إلى قوّةِ مواجهة، يمكنها أن تتمدَّد، ويتحوَّل أعداؤها من معسكر المحاربين والمواجهين إلى معسكر المدافعين عن أنفسهم، أو الساعين إلى طلب عَقْد المعاهدات التي تحميهم.

وقد أشار إلى هذا البُعد الاستشرافي كبير الاستشرافيين والمحلّلين الاستراتيجيين العرب محمّد حسنين هيكل في أكتوبر 2015 ، وذلك عند ذِكْرهِ لموقفه من العدوان على اليمن، مع العِلم أن اليمنيين حينها لم تبدو لهم هذه القوّة التي أظهروها هذه الأيام، والتي جعلت السعودية تعقد القمم لاستجداء النصرة ممن تعتقد أنهم حلفاؤها.

فقد أكّد هيكل حينها بأن الدور السعودي سينتهي في اليمن، وإلى الأبد، وأن السعودية ومن وراءها ومن تحالفات سيفشلون في حربهم على اليمن، وأن اليمنيين سينتصرون في النهاية.

وما ذكَره هيكل هو ما تدلّ عليه سنن التاريخ.. التي لا تقصر نظرتها على ما تبدو عليه الدول أو المعسكرات من القوّة، وإنما تنظر إلى ما هو أبعد من ذلك.. وهما أمران أساسيان في كل انتصار، أولهما يرتبط بالمنتصِر، والثاني بالمنتصَر عليه.

أما السبب الأول، وهو المرتبط بالذي حقّق الانتصار.. فهو أن اليمنيين كانوا إلى فترةٍ قريبةٍ يشعرون بالتبعيّة المطلقة للسعودية، وربما كانوا يتصوَّرون أنهم لا يستطيعون الفكاك منها أبداً، لكونها تستولي على كبار قادتها من السياسيين والاجتماعيين.

ولذلك كان مجرَّد توجيه أيّ نقد للسعودية محرّكاً للمجتمع بطبقاته المختلفة، ذلك أن السعودية، وإن كانت تُسيء إلى اليمنيين بفرض تبعيّتها عليهم إلا أنها كانت تحاول أن تستر ذلك بهدوئها ولطفها، والذي لم يكن عوام الناس يرون غيره، ولذلك كانوا يعتبرون قبول السعوديين للعمالة اليمنية، أو إقامتها لبعض المشاريع فيها، مَكرمة من مكارِمها.

لكنهم بعد الحرب المعلنة عليهم، تحوَّل الأمر إلى عكس ذلك تماماً، فالسعودية أصبحت مساوية عند اليمنيين للكيان الصهيوني، فقد غرست في كل بيت، وفي كل شارع مَن يُعلن الكراهية والحقد عليها.. وليس ذلك في المناطق المرتبطة بأنصار الله فقط، بل في كل اليمن.. فكلهم يصيحون بكراهيتها، وكراهية الجرائم التي قامت بها.

وهذا ما جعل اليمنيين يرجعون إلى أنفسهم وتاريخهم الحضاري الطويل الذي لا يساوي معه التاريخ السعودي شيئاً.. وقد جعلهم هذا يستشعرون هويّتهم، ويعودون إلى ذواتهم، ويتخلّصوا من تلك العقد التي أفرزتها تبعيّتهم للسعودية.

وذلك ما جعلهم يعلنون التحدّي بإبراز قدراتهم التصنيعية لتلك الأسلحة التي استطاعت أن تقهر الجبروت السعودي، وتجعله محتاراً في هذا  الشعب الذي حوصِرَ ومُنِعَ عنه كل شيء، ومع ذلك تتضاعف قوّته كل حين.

واكتشاف اليمنيين لقدراتهم على ذلك، سيجعلهم يشعرون بقدرتهم على التحدّي والمواجهة في كل المجالات، ولهذا نرى الكثير منهم الآن لا يكتفون بإعلان احتفاظهم بمدنهم في وجه الزحف السعودي، وإنما يعلنون دعوتهم إلى تحرير الرياض نفسها من آل سعود.

وكل هذا ـ وبترسيخه عبر المقاومة والمواجهة ـ سيجعل اليمنيين جميعاً مُتّحدين، حتى أولئك الذين يتصوَّرون السعوديون أنهم معهم بينما هم في الحقيقة يفرحون بكل صاروخٍ أو مسيرةٍ يوجّهها اليمنيون لأعدائهم من السعودية أو الإمارات وغيرهما.

وأما السبب الثاني، فيرتبط بالمنتَصَر عليه، وهم السعوديون خصوصاً، فهم الآن في أسوأ أوضاعهم، فتلك الصورة التي كان يحملها العالم عن السعودية وآل سعود، لم تعد بذلك الجمال، بل صار النظام السعودي يمثّل الإجرام بأبشع ِصوَره..

ولذلك صاروا يدفعون الجزية ـ وكل حين ـ حرصاً على بقائهم في الحكم، خشية من انقلاب الناس عليهم.. وهو أمر وارد، وفي أية لحظة، فبعد أن انقلب العالم كله على السعودية، سيأتي الدور للسعوديين أنفسهم، والذين سيتحيّنون أقرب فرصة لذلك الانقلاب.

ومما يؤكّده أو يقرّبه حصول المفاصلة بين رجال الدين والحكم في السعودية، خاصة مع التحديثات الجديدة التي أجراها الأمراء والملوك، والتي خرجت من السرّ إلى العلانية.. وبذلك فإن السعودية لا تتعرَّض لمواجهةٍ خارجيةٍ فقط، وإنما لمواجهةٍ داخليةٍ أيضاً.

وبوادر هذه المواجهة تبدو كل حين عبر الخطباء الذين يُصرِّحون بعدم قبول الوضع الراهِن الذي آلت إليه دولتهم التي كانوا يتصوَّرون أنها دولة محافِظة.

وبذلك فإن السَنَد الأكبر الذي استند إليه آل سعود منذ بداية حُكمهم إلى الآن، يكاد يفلت من بين أيديهم، وقد يفلت قريباً، وهو ما يجعل النصر اليمني محتوماً، عبر تلك المواجهة الخارجية، وعبر ذلك التفلّت والتمرّد الداخلي.

وربما يكون  أعداء السعودية يُدركون هذا، لكنهم بدَل أن يتركوا الفرصة للسعوديين للتخلّص من استبداد أمرائهم وملوكهم، وتأسيس دولة جديدة قوية تحترم جيرانها،  سيحاولون التأسيس لدويلات تمزّقها، وتنشر الحروب بينها.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً