ابراهيم شير

كاتب وصحفي سوري

حافظ الأسد.. صانِع سوريا الحديثة.. رجل بحجم أمّة..

تسعة عشر عاماً مرت على رحيل رجل سوريا القوي والدول العربية في القرن الماضي حافظ الأسد.. الرجل الذي جعل من هذه الدولة التي لا تتعدّى مساحتها الـ 185,180 كيلومتراً مربعاً، وليس لديها الكثير من الثروات الطبيعية، أن تكون قيادية وليس تابعة وأن تستقل بقرارها ومصيرها وأن تكون مصدر قوّة لحلفائها وليس العكس.

حافظ الأسد.. صانِع سوريا الحديثة.. رجل بحجم أمّة..
حافظ الأسد.. صانِع سوريا الحديثة.. رجل بحجم أمّة..

سوريا قبل الرئيس حافظ الأسد كانت بلداً يعاني من أزمة حقيقية ألا وهي كثرة الانقلابات وكانت رائدة بهذا المجال لدرجة أن أول انقلاب عسكري وقع في العالم العربي قاده الرئيس السوري السابق حسني الزعيم، وأطاح فيه بشكري القوتلي. وهذا الأمر كان يؤثّر على استقرار البلاد واستقلالها على حدٍ سواء، خصوصاً في كثرة الأحزاب وكثرة مشغّلي زعمائها، فلم يكن للبلاد خط سياسي واضح، بالرغم من أنها كانت مع القضية الفلسطينية وجميع القضايا العربية، إلا أن عدم الاستقرار كان هو البصمة السائدة لسوريا.

أما الجيش السوري فكان قبل الرئيس حافظ الأسد، يشهد انقسامات كبيرة وعميقة على عدّة مستويات، والخلافات بين الطبقة السياسية كانت تنعكس على الجيش أيضاً الذي كان يعيش حالة عدم الاستقرار أيضاً وضعف الهوية العامة له، بالرغم من أن بوصلته كانت هي تحرير الأراضي العربية من الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن الخلافات السياسية والحزبية في سوريا كانت تؤثّر عليه بشكل مباشر وعلى أدائه أيضاً.

الانقسامات السياسية والحزبية وعدم الاستقرار في منصب الرئاسة كانت أموراً تؤثر سلباً على الشارع السوري الذي عانى من التفكّك والانقسام على نفسه، خصوصاً في فترة الوحدة من عام 1958 - حتى عام 1961 وما تبعها من انقسامات سياسية، لاسيما وأن الوحدة كان ضررها على المجتمع أكثر من فوائدها، لاسيما في مجالي التجارة والصناعة اللذين تأثرا بقرار التأميم الذي اتخذه الرئيس المصري جمال عبد الناصر أبان الوحدة، وهو ما أضعف أداءهما حتى عام 1971 ولم يستطيعا أن يتعافيا بسرعة من قرار التأميم.

الحياة الاجتماعية في سوريا ما قبل الرئيس حافظ الأسد، كانت تشهد عدّة انقسامات هي الأخرى خصوصاً بين المناطق الشرقية مثل الرقة ودير الزور والحسكة، والمناطق الشمالية والغربية وهذه الانقسامات كانت على عدّة مستويات مثل التعليم والخدمات الصحية والبنية التحتية، فكان الاهتمام منصباً على المحافظات الشمالية والغربية من حلب وصولاً إلى دمشق ومروراً بحماة وحمص والساحل السوري، وكانت هذه المحافظات تشهد هي الأخرى انقساماً في درجات الأهمية، حيث أن الاهتمام كان منصباً على المدن أكثر من الريف، فكان من النادر أن نرى في سوريا وزيراً يأتي من عائلة ريفية أو حتى طبيباً.

في ظل هذه الأمور وصل الرئيس حافظ حافظ الأسد في عام 1971 إلى سدّة الحكم، وهو يحمل عدّة استراتيجيات وأفكار للمجتمع السوري تهدف للنهوض به وتحويل سوريا من دولة تابعة للقرار إلى صانعة له. الرئيس كان يعي تماماً التوازنات القائمة في المنطقة والعالم.

منذ اليوم الأول لوصول الرئيس حافظ الأسد إلى الحكم، عمل على إعادة خط العلاقات الطبيعية مع مصر، الرئة الثانية للعالم العربي بعد سوريا التي تمثل قلبه ورئته، خصوصاً وأن العلاقات شهدت فتوراً كاد أن يصل إلى حد القطيعة في عهد جمال عبد الناصر، إلا أن دمشق عملت على تغييرها وتوطيد العلاقات بين الجانبين في عهد أنور السادات، وكان الهدف من إعادة العلاقات إلى سابق عهدها هو إنعاش القضية الفلسطينية في الضمير العربي، للنهوض من إفرازات نكسة 1967 للعمل على صنع الانتصار للأمّة العربية، وهو ما تمّ تحقيقه بالفعل بعد عامين فقط من وصول الرئيس حافظ الأسد إلى الحكم، وذلك بتحقيق أول انتصار عربي على الاحتلال الإسرائيلي في حرب تشرين 1973، ليكون هذا الانتصار هو أول عمل كبير يفتتح فيه الرئيس عهده ويهديه للأمّة العربية وكَسْره لخرافة "إسرائيل" بأنها الجيش الذي لا يُهزَم.

الرئيس حافظ الأسد عمل على تحقيق الاستقرار السياسي، ووضع هوية واحدة لسوريا، وليس عدّة استراتيجيات وعدّة حلفاء كما كان بالسابق، وكانت لديه علاقات متوازنة مع الخارج وجعل من دمشق ضرورة في جميع القرارات الدولية.. سوريا صنعت تحالفاتها في المنطقة بمعزل عن أي طرف آخر، وكان هدفها من هذه التحالفات خدمة القضايا العربية والفلسطينية، ومن أهم تحالفاتها كان حلفها مع إيران بعد الثورة الإسلامية في عام 1979، ووقفت معها إبان الحرب العراقية - الإيرانية، لأنها كانت ترى أن نظام صدّام حسين هو المُعتدي، ولم تغيّر موقفها بالرغم من محاولات نظام صدّام بالضغط على دمشق لتقف معه وتكون أيضاً تحت هيمنته، فعمد إلى إثارة البلبلة في سوريا عبر دعمه جماعة الإخوان المسلمين في الثمانينات، ودعمه العمليات الإرهابية في سوريا أبرزها تفجير مدرسة المدفعية في حلب وتفجير قطار اللاذقية وغيرها من التفجيرات الإرهابية التي راح ضحيتها مئات الأبرياء المدنيين، وعندما لم ترضخ دمشق لضغط نظام صدّام، عمدت بعض الأنظمة العربية للضغط عليها عبر فرض الحصارات والضغوطات الاقتصادية المتعاقبة، إلا أن دمشق لم تغيّر رأيها أيضاً، وبعد سنوات استنتج العرب أن موقف الرئيس حافظ الأسد كان هو الصائب.. أما في السياسة الداخلية فقد تم تنظيم عمل الأحزاب ومنع أية تيارات حزبية أو دينية تعمل للخارج، وهو ما انعكس إيجاباً على الوضع الأمني في البلاد.

أما الجيش السوري فقد وضع له عقيدة خاصة وبنية يكاد يكون من المستحيل تفكيكها، وتم العمل على ذلك منذ أن كان الرئيس حافظ الأسد وزيراً للدفاع في عام 1966، وهذه الاستراتيجية ساهمت في صمود الجيش السوري اليوم بعد 8 سنوات من الحرب الإرهابية على البلاد.

الحياة الاجتماعية بعد أن وصل الرئيس حافظ الأسد إلى الحكم، بدأت تصبح جميعها متساوية بين محافظات البلاد، وانصبّ اهتمام الحكومات المتعاقبة على الريف بشكل كبير، وذلك لردم الفجوة بينه وبين المدينة، فلم يعد مستغرباً أن نرى عدداً كبيراً من الوزراء والمسؤولين والأطباء وغيرهم من حملة الشهادات العليا في البلاد من أبناء الريف.

سوريا بعد الرئيس حافظ الأسد، شهدت نهضة صناعية وزراعية وتجارية كبيرة جداً، ووضعت للبلاد خطة خمسية وهي المرة الأولى التي يوضع لها مثل هذه الخطة منذ نهاية الانتداب الفرنسي، وبعد خطتين أي ما يقارب العقد من الزمن وصلت سوريا إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي، وهو ما جعلها صامدة بوجه قرارات الحظر المتعاقبة التي كانت تفرضها الولايات المتحدة عليها. ولولا استراتيجيات حافظ الأسد الاقتصادية لما صمدت سوريا الآن في هذه الحرب.. الصناعة نهضت بشكل كبير وواضح في عهد الرئيس حافظ الأسد، لدرجة أن مدينة حلب كانت تُسمّى بتايوان العرب.

الرئيس حافظ الأسد صبّ اهتمامه الخارجي على دعم القضايا العربية، فدعم المقاومة اللبنانية بوجه الاحتلال الإسرائيلي وساهم في دعم حزب الله على جميع المستويات العسكرية والسياسية واللوجستية، ووحّد صف حركات المقاومة الفلسطينية أيضاَ وقدّم لها كل أنواع الدعم. وساهم في دعم استقرار ووحدة لبنان إبان الحرب الأهلية في هذا البلد. ولم يتخل الرئيس حافظ الأسد، عن أيّ شبر من الأراضي السورية والعربية، وكان هدفه تحرير جميع الأراضي من الاحتلال الإسرائيلي.

منذ أن وصل الرئيس حافظ الأسد إلى الحكم تواجَهَ الجيش السوري مع إسرائيل عدّة مرات ولم ينتصر فيها الاحتلال أبداً، كان أولها في عام 1973 ومن ثم في لبنان ومعركة السلطان يعقوب، وختم الرئيس حافظ الأسد حياته السياسية في الانتصار على الاحتلال بخروجه من جنوب لبنان على يد حزب الله الذي كان يُدعَم بشكل مباشر من دمشق.

الرئيس حافظ الأسد حوّل سوريا إلى دولة يقتتل عليها العالم لتكون بصفه ويدفع الغالي والنفيس لكسبها.. رحل الرجل وبقيت إنجازاته إلى اليوم نعيش فيها.. رحمه الله كان رجلاً بحجم أمّة.