عبد الحكيم مرزوق

كاتب وصحافي سوري

هل تتمكَّن أوروبا من كَسْرِ عصا الطاعة الأميركية؟

هل ما يجري في العالم اليوم هو  حال من المخاض  الذي سينتج واقعاً جديداً، وهل هذا المخاض  هو نتيجة القرارات الخاطئة التي اتبعتها السياسة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب الذي قاد العالم إلى مزيدٍ من الفوضى وزاد الطين  بلّة  بين الحلفاء  والأصدقاء والأعداء ، وخاصة  بعد فشل الحرب الكونية التي قادتها وتقودها أميركا ضد سوريا  منذ أكثر من ثماني سنوات..

 هل تتمكَّن أوروبا من كَسْرِ عصا الطاعة الأميركية؟
هل تتمكَّن أوروبا من كَسْرِ عصا الطاعة الأميركية؟

 فالقرارات التي اتخذها الرئيس الأميركي لتضييق الخِناق على محور المقاومة لم تكن صائبة حيث اصطدمت بجدارٍ صُلبٍ لم يكن يتوقّعه  وذلك لأن تقديرات إدارته ومُستشاريه الذين اختارهم من الصقور أعمتهم الغَشاوة التي  على أعينهم من قراءة الواقع وما يمكن أن تنتج منه تلك القرارات التي كان وراءها الكيان الإسرائيلي الذي أدخل الإدارة الأميركية في الكثير من المآزق والتي لم تستطع أن تخرج منها بسهولة.

 فعلى سبيل المثال انسحاب ترامب من الاتفاق النووي كان هدفه إخضاع الجمهورية الإسلامية الإيرانية للضغوط وإحراجها للجلوس إلى طاولة المفاوضات لفرض شروطٍ جديدةٍ تتنازل من خلالها الجمهورية الإيرانية عن بعض الأمور التي تعتبر خطوطاً حمراء في سياستها الخارجية  ولا يمكن المساس بها، وخاصة دعم محور المقاومة وعدم تهديد الكيان الإسرائيلي وعدم استعمال الأسلحة والصواريخ المُتطوّرة ضد الكيان الإسرائيلي والتخلّي عن دعم حزب الله، وقد أدركت إيران نوايا الإدارة الأميركية فلم تقدِّم أية تنازلات ولم تستجب للدعوات التي تطالبها بالجلوس إلى طاولة المفاوضات الأمر الذي جعل الرئيس الأميركي يُرعِد ويُزبِد تارة ويزيد في العقوبات المفروضة على إيران تارة أخرى، مع دعوة  قادتها للجلوس للتفاوض ومن دون أية شروط بعد أن كان يضع  شروطاً اصطدمت بالردّ الإيراني الواضِح الذي كان يرفض التفاوض مع ترامب، لأن ليس هناك أية ثقة بالرئيس الأميركي وبإدارته ..

 لقد أحدثت  قرارات ترامب  شرخاً  واضحاً مع حلفائه الأوروبيين الذين حاولوا أن يمسكوا العصا من المُنتصف، فإذا تم تطبيق العقوبات  بحذافيرها  على الجمهورية الإسلامية فستخسر الشركات الأوروبية  مليارات الدولارات، ولذلك لم تستطع الدول الأوروبية تلك أن تأخذ  قراراً واضحاً تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبدت مُتردِّدة، فالأوروبيون يريدون الخروج من تحت العباءة الأميركية لأنها أصبحت تشكِّل عبئاً عليها وعلى اقتصادها ، ماعدا الكيان الإسرائيلي الذي لديه أسباب عديدة  لتأييد الولايات المتحدة بما فيها المساعدات التي تأتيه. فالمُستشارة الألمانية إنجيلا ميركل  أدركت أن المصالح الوطنية هي التي يجب أن تسود  أمام إملاءات واشنطن، كما أعلنت بريطانيا وفرنسا وألمانيا أن أداة  دعم التبادل التجاري أنستيكس أصبحت جاهزة وهي آلية  تسمح للشركات في أوروبا القيام بأعمالٍ تجاريةٍ مع دولٍ مثل إيران وذلك لتجنّب العقوبات الأميركية عن طريق التجارة  خارج نظام سويفت القائم على الدولار والذي تسيطر عليه بحُكم الواقع وزارة الخزانة الأميركية .

وقد أوضح مقال نشره موقع رون بول أنستيتيوت الأميركي أنه في اجتماع  مجموعة العشرين الذي اختُتِمَ مؤخراً في اليابان، أن هذه الآلية قد اكتسبت الدعم بعد أن انسحبت إدارة  ترامب من الاتفاق  النووي منذ أكثر من عام، وهذا يعني المزيد من التخبّط في الإدارة الأميركية التي ستخسر كثيراً فيما إذا اعتمدت لأنها تعني تراجُع التداول بالدولار الأميركي، ولن يكون عملة مركزية في الاقتصاد  العالمي وستظهر نتائجه في العالم، حيث تتراجع قيمة الدولار وستتوقّف وزارة الخزانة  الأميركية عن طباعة المزيد من الدولارات، وهذا يعني أيضاً إعاقة قدرة الولايات المتحدة عن فرض الهيمنة العالمية على بطاقات الائتمان، وهو بالتأكيد سيكون هزيمة مُدوّية يتوقّع  حدوثها بعد سحب البساط من تحت الإدارة الأميركية وتراجُع دورها في العالم، وهذابالطبع نتيجة السياسات الرعناء والقرارات المُتسرِّعة التي اتّخذها الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي قال عنه السفير البريطاني في واشنطن إنه غير كفؤ وغير نزيه وليس أميناً ويمكن وصفه بأنه مختلّ وستكون نهايته العار والخزي لا محال، وأضاف أن الرئيس الأميركي  يمارس  حالياً سياسات اقتصادية يمكن  أن تدمِّر نظام التجارة العالمي بأكمله .

 المؤشّرات كلها تشي بالنتائج العكسية لسياسات دونالد ترامب في العالم والتي كان يريد منها زيادة قبضته وهيمنته  على العالم، لكنها في الواقع أكَّدت فشله الذريع وخروج الأمور من يديه  حيث سيحصد الهزيمة التي تعني سقوطه المُريع بعد سلسلة الهزائم التي تلقّاها وخاصة في حربه الكونية التي قادها  ضد سوريا، وهي بالتأكيد ستكون القشّة التي لن يتحمَّل أثرها  على المدى البعيد، وهزيمته القادِمة أمام إيران لن تكون خاتمة الهزائم  فلا أحد يعلم  ما تخبّئه له الأقدار في القادِم من الأيام ؟؟؟