عبد السلام الريماوي

كاتب فلسطيني

إيقاعات شتوية في آب

آب ليس لهَّاباً على الدوام.

رائحةُ الشتاء تفوح من تلك النسائم المائِلة للبرودة، وكأنها ريح هادِئة، تأتي من الغرب، ومن الغيوم البيضاء تكاد تحجب زُرقة السماء.

زينت للشجر المطر فانتشت ورقصت فرحاً، وكذلك قلبي..

نوع من الهدوء يُخيِّم على حركة الأحياء، منذ الصباح لم تبدّده سوى زقزقات العصافير، وحديث الصِغار الهادئ في الجوار، وصوت مُحرِّك سيارة تعبر الشارع المُحاذي بين الفينة والأخرى، وكأن الصباح يرغب في الإقامة أطول.

في الأيام الفائِتة كان الناس أكثر عصبيّة، وأقلّ تحمّلاً، وإيقاع الحياة أسرع، أو على وجه الدِقّة، أكثر صَخْباً. الحر يُخْرِج أسوأ ما فينا من طِباع.

تلك الصبيّة لا تزال تطوّق عنقي بذراعيها. حضنها الدافئ يُملي عليَّ أن أستمر في النوم كي يستمر، وكذلك اللمَعان المجبول باللهفة في عينيها.

انتظرت الليل وفاجأتني بزيارةٍ قصيرةٍ، لكنها استعجلت العودة إلى غرفتها قبل أن يشعر بها أهلها. فامتطت صَهْوَةَ غيمة صيف عالية.

جليل الجميل، صغيري، يغادر سريعاً فراشه ويصعد درج البيت إليَّ، كما يفعل كل يوم. أسمع انفتاح الباب الخشبي في الأسفل والباب الحديدي في الأعلى ووَقْع خطواته الصغيرة، فأتظاهر بالنوم كي أحظى بلمسةِ كفَّيه على وجهي: بابا قوم...

الساعة تجاوزت الثانية عشرة، والطقس لا يزال على حاله وكأننا لا زلنا في ساعات الصباح الأولى. درجات الحرارة، والنَسَمات النَشِطَة المُنْعِشة، والهدوء النسبي الذي يلفّ المكان.

الغِبطة تعني أن تحضِّر نفسك ليومٍ من جهنّم ثم تخيب تنبوءات الراصِد الجوي. ليت الخيبة حليفته دوماً عندما يتعلَّق الأمر بموجات الحر المُهْلِكة.

آب ليس لهَّاباً على الدوام.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]