محمد وليد قرين

كاتب وأستاذ في معهد الترجمة بجامعة الجزائر

إدواردو غاليانو: نحن نقول لا

نحن نقول لا لمَدْحِ المال والموت. نقول لا لمنظومة تضع ثمناً على الأشياء وعلى الأشخاص.

  • إدواردو غاليانو: نحن نقول لا
  • إدواردو غاليانو
  • بابلو نيرودا
  • بينوشيه

"Nosotros decimos NO"* واحد من أهم النصوص التي كتبها الصحافي والروائي الأوروغوياني إدواردو غاليانو (1940-2015). ولمن لا يعرف من هو إدواردو غاليانو، نقول بأنه قامة من قامات أدب المقاومة والفكر الثوري في أميركا الجنوبية. كتب غاليانو نصه "نحن نقول لا" عام 1988 بمناسبة الاستفتاء في الشيلي (بنعم أو لا) حول بقاء حكم بينوشيه. الاستفتاء بنعم كان يعني استمرارية حكم بينوشيه والفساد والطغيان والتبعية الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة، لكن أكثر من نصف الشعب الشيلي انتفض وقال "لا".وهنا نص غاليانو الذي نقله إلى العربية محمد وليد قرين:

هذا هو الخطاب الافتتاحي لأيام "الشيلي يبدع" Chile crea»، في سانتياغو دي شيلي، مُنتصف سنة 1988.

لقد جئنا من بلدانٍ مختلفةٍ، ونحن هنا، مُجتمعين تحت الظلّ الكريم لـبابلو نيرودا: نحن هنا لمُرافقة الشعب الشيلي، الذي يقول لا.نحن كذلك نقول لا.

نحن نقول لا لمَدْحِ المال والموت. نقول لا لمنظومةٍ تضع ثمناً على الأشياء وعلى الأشخاص، حيث الذي يمتلك مالاً أكثر هو الذي يساوي أكثر، ونقول لا لعالمٍ يُخصِّص ميلوني دولار في كل دقيقةٍ لصناعة الأسلحة الحربية، بينما يُقتَل في كل دقيقةٍ 30 طفلاً بسبب الجوع أو مرض يمكن الشفاء منه.

تمثّل القنبلة النيترونية، التي تنقذ الأشياء وتمحي الناس، رمزاً مثالياً لعصرنا. بالنسبة إلى المنظومة المجرمة، التي تحوِّل نجوم الليل إلى أهدافٍ عسكريةٍ، ليس الإنسان سوى عنصر إنتاج واستهلاك وشيئاً مُستعملاً؛ وتعتبر هذه المنظومة الوقت مورداً اقتصادياً ليس إلا؛ وكوكب الأرض بأسره مصدر ربح يجب أن يُعطي حتى آخر قطرةٍ من عصيره.

يتضاعف الفقر لكي تتضاعف الثروة، وتتضاعف الأسلحة التي تحمي هذه الثروة، ثروة أقلّية قليلة، وخلال ذلك تتضاعف الوحدة: نحن نقول لا لمنظومةٍ لا تمنح الطعام ولا تمنح الحب، منظومة تحكم على العديد من الناس بالجوع وتحكم على عددٍ أكبر من الناس بالجوع إلى العناق.  

نقول لا للكذب. تدعونا الثقافة المُسيطرة، التي تبثّها وسائل الإعلام الكُبرى على مستوى عالمي، إلى الخَلْطِ بين العالم وسوبر ماركت أو ميدان السباق، حيث يمكن أن يكون القريب سلعة أو مُنافِساً لنا، ولكن حيث لا يمكنه أبداً أن يكون أخاً لنا.

هذه الثقافة الكاذِبة، التي تضارب بالحب الإنساني لتقتلع منه فائض القيمة، هي في الواقع ثقافة الانسحاب: هي ثقافة تعبد الرابحين، أصحاب المال والسلطة الناجحين، وأبطال هذه الثقافة هم أمثال الرامبو الذين يحمونها مُطبِّقين مذهب الأمن القومي.

الثقافة المُسيطرة تكذب عندما تقول إنّ فقر الفقراء ليس نتيجة ثروة الأثرياء، وإنّما الفقر لم يولّده أحد إذ هو خرج من أذن ماعز أو هو صادِر عن مشيئة الربّ الذي جعل الفقراء كُسالى وحميراً. وبنفس الشكل لا يجب أن تُسبِّب إهانة أناس من قِبَل أناسٍ آخرين الغَضَب التضامُني أو أن تثير الصدمة، لأن الإهانة تنتمي إلى نظام الأشياء الطبيعي: الديكتاتوريات الأميركية اللاتينية هي جزء من طبيعتنا الفائِضة وليست جزءاً من المنظومة الإمبريالية للسلطة.

الاحتقار يخون التاريخ ويبتر العالم. ويعامُلنا صانعو الرأي الأقوياء كما لو أننا غير موجودين، أو كما لو أننا ظِلال غبيّة. يُجبِر الإرث الكولونيالي ما يُسمَّى العالم الثالث، الذي يسكنه ناس من الدرجة الثالثة، إلى أن يتقبَّل ذاكِرة المُتغلّبين عليه كما لو أنها ذاكِرته الشخصية وأن يشتري الكذب الخارجي ليستعمله كما لو أن هذا الكذب هو حقيقته الخاصة.

يكافؤوننا على الطاعة ويعاقبوننا على الذكاء وينزعون منا الطاقة الخلاَّقة. يتمّ فرض رأي علينا ولكن لا يمكننا أن نكون صانعي الرأي. لدينا الحق في الصَدَى، لا في الصوت، والحُكَّام يمدحون موهبتنا كببغاوات. نحن نقول لا: نرفض تقبّل هذه الرداءة كقدرٍ لنا.

نحن نقول لا للخوف. لا للخوف من التكلّم، للخوف من الفعل، للخوف من الوجود. الاستعمار الظاهِر يمنع القول والفعل والوجود. ويقنعنا الاستعمار الخفيّ، أكثر نجاعة، أن القول والفعل والوجود أمور مُستحيلة. يتنكَّر الخوف بالواقعية: يجب أن تكون الأخلاق لا أخلاقية حتى لا يصبح الواقع لا واقعياً، هذا ما يقوله لنا إيديولوجيو العجز.

لا يسعنا إلا الخضوع للقَدَر أمام المذلَّة، أمام البؤس، أمام الكذب. القدر يحكم علينا فنولَد كُسالى، لا مسؤولين، عنيفين، أغبياء، غريبي الأطوار ومحكومة علينا الوصاية العسكرية. على الأكثر، يمكننا أن نسعى إلى أن نصبح سُجناء لحُسن السلوك، قادرين على دفع ثمن فوائد ديون خارجية ضخمة تُطلَب منا لتمويل التَرَف الذي يُهيننا والهراوة التي تضربنا.

وفي هذا الإطار، نحن نقول لا لحياد كلمة الإنسان. نقول لا لأولئك الذين يدعوننا لغضّ البصر عن المآسي اليومية التي تحدث من حولنا. نفضِّل فنّاً حاراً يحتفي بمُغامرة الإنسان في العالم ويشارك فيها، نفضِّل فنّاً مُغْرَماً ومُكافِحاً على الانبهار المُمِل بفنٍ باردٍ لا يُبالي ويتأمَّل المرآة. هل الجمال كان ليكون جميلاً لو لم يكن عادلاً؟ هل العدالة كانت لتكون عادلة لو لم تكن جميلة؟ نحن نقول لا للطلاق بين الجمال والعدالة، لأننا نقول نعم لعناقهما القوي والخصب.

يجب أن نقول لا، وبقولنا لا نحن نقول نعم.

بقولنا لا للديكتاتوريات، ولا للديكتاتوريات اللابِسة قِناع الديمقراطيات، نحن نقول نعم للنضال من أجل الديمقراطية الحقّة، التي لن تحرم أحداً من قوته ومن التعبير عن رأيه، ديمقراطية ستكون جميلة وخطيرة مثل قصيدة لـنيرودا أو أغنية لـبْيُولِيتا [1]Violeta.  

بقولنا لا لإمبراطورية الجَشَع المُدمِّرة، التي يقع مركزها في شمال أميركا، نحن نقول نعم لإمكانية وجود أميركا أخرى، التي ستولَد من أقدم التقاليد الأميركية ألا وهي التقاليد المجتمعية، التقاليد المجتمعية التي يدافع عنها بيأسٍ هنود الشيلي منذ خمسة قرون، من هزيمةٍ إلى هزيمةٍ أخرى.    

بقولنا لا للسلم من دون كرامة، نحن نقول نعم للحق المُقدَّس في الانتفاضة على الظلم وتاريخه الطويل، طويل مثل تاريخ المقاومة الشعبية على خريطة الشيلي الطويلة.

بقولنا لا لحرية المال، نحن نقول نعم لحرية الأشخاص: حرية مُعنَّفة ومُتضرِّرة، سقطت ألف مرة، مثل الشيلي، ومثل الشيلي نهضت ألف مرة.

بقولنا لا لأنانية الأقوياء الانتحارية، الذين حوَّلوا العالم إلى ثكنةٍ واسعةٍ، نحن نقول نعم للتضامُن الإنساني الذي يمنحنا حسّاً كونياً ويؤكِّد قوَّة الأخوَّة التي هي أقوى من كل الحدود وحرَّاسها، هذه القوَّة التي تستحوذ علينا، مثل الموسيقى الشيلية، والتي تعانقنا مثل نبيذ الشيلي.

بقولنا لا للجاذبية الحزينة لخيبة الأمل، نحن نقول نعم للأمل، الأمل الجائِع والمجنون والمُحِب والمحبوب، مثل الشيلي: الأمل المُتعنّت مثل أبناء الشيلي الذين يشقّون الليل.

 

[1]  بيوليتا بارّا مُغنية شيلية مشهورة في بلدها، أعادت الاعتبار في أغانيها للموسيقى الشعبية التقليدية.

*Eduardo Galeano, Nosotros decimos No, crónicas (1963-1988), Siglo XXI de España Editores, Madrid, 1989

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً