بان الشمري

كاتبة من العراق

السجادة السحرية

عند الأماني المستحيلة أغمضْ عينيك واحلم

  • السجادة السحرية

في كل صباح أستيقظ على أصوات الباعة المُتجوّلين في حيّنا، بائِع الخبز، بائِع الخضار والفواكه، بائِع الأواني و... وبائِع السجاد القديم!
لطالما انتابني الفضول نحو الأشياء القديمة (الأنتيكا)، أشعر أن لها سحراً خاصاً وقيمة كبيرة وذِكرى غالية لدى مَن يحتفظ بها ولا يتخلّى عنها بسهولة.
نهضتُ ذات صباح وذهبتُ لأقف خلف باب المنزل، كنتُ في كل مرة أشاهد بها عربة السجاد القديم؛ تقع عيني على سجادة صغيرة مُزخرفة بطريقةٍ غريبةٍ وبألوانٍ جذّابةٍ رغم قِدَمِها لكنها لم تفقد جمالها، ولم أستطع منع نفسي هذه المرة فخرجت مُسرعة لأستوقف البائع وأسأله عن ثمنها الذي فاجأني وأسعدني في الوقت ذاته؛ لأني سأتمكَّن من شراء تلك القطعة الثمينة بسعرٍ رخيص!

حملتُ السجادة القديمة وأنا أتفحّصها بين يديّ بابتسامةٍ مُتحمّسةٍ لأراها وهي تفترش أرضية غرفتي، وكان عليّ أن أنظّفها من الغبار المُتراكِم، وبينما كنت أكنسها؛ فجأة شعرتُ بالسجادة وهي تتحرّك أسفل يدي!

توقّفتُ قليلاً ثم قلتُ لنفسي ضاحِكة: أنتِ تتخيّلين!

عاودتُ التنظيف، إلا أن تخيّلاتي لم تدم طويلاً لتتحوّل إلى حقيقة، قفزتْ السجادة من مكانها وأسقطتْ المكنسة من يدي، تراجعتُ إلى الخَلف زاحِفةً على ركبتيّ والدهشة تحتلّ وجهي الذي اصفرّ. حسناً لم أرَ لونه حينها، لكن الخوف بالتأكيد يُغيِّر لون الوجه!

تسمّرتُ مكاني وأنا أشاهِد السجادة تتحرّك أمامي وتقفز وتتنقّل من مكانٍ إلى آخر في الباحة الخلفية من المنزل، لم أصدّق عيني فأخذتُ أُغمضها وأفتحها مراراً لأتأكَّد بأني لستُ نائِمة أو أحلم!
نعم حقيقة، ها هي تطير أمام ناظري، ولكن كيف ولماذا؟ فأنا أيضاً لا أعيش في فيلم كارتوني، ولستُ شخصية في قصّة خيالية.
حاولتُ استجماع قواي العقلية والتحكّم بجسدي لأتمكَّن من النُطق، وأخيراً خرجتْ صرخة كتمتُها بيدي فتوقّفتْ السجادة عن الحركة، شعرتُ بأنها تنظر إليّ وكأنها تنتظر مني أن أُحدّثها، مهلاً هل حقاً أستطيع الكلام معها؟
سأكون مجنونة لو رآني أحد وأنا أفعل ذلك، ولكن لا أحد هنا سواي أنا والسجادة فلا ضَيْر من التجربة.

سألتُها: هل أنتِ سجادة سحرية؟
فتحرّكتْ أطرافها للأعلى والأسفل كأنها أومأتْ لي ب(نعم)!
حسناً بدأ الأمر يصبح مُثيراً، ثم سألتُها: هل تستطيعين الكلام؟
تحرَّكتْ أطرافها يميناً ويساراً كأنها (كلا)!
أخذتْ الأفكار المُستحيلة والخيال تحتل رأسي. شعرتُ بأني الأميرة في قصة علاء الدين والمصباح السحري، أمنية الطفولة تتحقَّق، أنا الآن أمتلك بساطاً سحرياً!
سألتُها هل تستطيعين الطيران؟ فأومأتْ بالإيجاب. يا لحظّي! هل تستطيعين حملي إلى أيّ مكان في العالم؟ أومأتْ بالإيجاب أيضاً. لم أتمالك نفسي وقفزتُ من الفرحة وأول ما خطر لي هو أن أطير إلى بلاد بعيدة لم أكن لأحلم أن أصل إليها من قبل.
أخذتُ السجادة وخبّأتُها في غرفتي حتى أجد الوقت المناسب للقيام بمُجازفة السفر على متنها!
لم أتمكّن من النوم تلك الليلة، كنتُ أسترقّ النظر إلى خزانتي حيث وضعتُها والحماس والخوف يحتلاني من رأسي حتى أخمص قدمي، وما أن أوشكتُ على الاستسلام للنوم قبل طلوع الفجر؛ حتى شدّني من عُمقِ نُعاسي صوت طرقٍ على باب خزانتي قادني للنهوض بصعوبة، مشيتُ بخطواتٍ بطيئة نحوها وعندما فتحتُ بابها باغتتني السجادة وخرجتْ بخِفّة الطير من بين ساقيّ وأخذت تدور في أرجاء الغرفة حتى استقرّتْ أخيراً بشكلٍ عمودي أمامي ثم أخذتْ تُشير نحو النافذة، فسألتُها: ماذا تريدين مني؟
عادتْ لتحريك أطرافها ذهاباً وإياباً باتجاه نافذتي المُطلّة على الشارع.. تساءلتُ: هل هو الوقت المناسب للخروج الآن؟ سنخرج من النافذة!
أومأتْ لي بالإيجاب، وقبل أن أتكلّم نزلتْ عند قدمي ووجدتُ نفسي أهمُّ بالجلوس عليها ومن دون تفكير ارتفعتْ بي نحو الأعلى قليلاً وتصاعدتْ مع هذه الحركة ضربات قلبي، كان شعوراً غريباً لا يُمكن وصفه، فتحتُ النافذة وتمسّكتُ جيداً بحافتَيّ السجادة السحرية وانطلقتْ بي عالياً، أخذتُ أضحك بصورةٍ هستيريةٍ، لم أكن أعلم كيف هو الشعور بالحرية والتحليق كالطيور في الهواء، كان حقاً إحساساً يملأ القلب بالبهجة، والرئة بالهواء النقيّ.
ما أجمل السماء وقد بدأتْ خيوط الفجر البيضاء تُخالِط السواد فيها، دخلتُ وسط السحاب لأتفاجأ بأنها بخار أو دخان كالضباب حولي وليستْ كالقطن ولا كغَزْلِ البنات كما كنتُ أظنّها وأتخيَّل بأني أستطيع الجلوس فوقها!
قطعتْ بي السجادة آلاف الأميال في وقتٍ شعرتُ بأنه كان قصيراً، حتى وصلنا إلى نقطة وجدتُ فيها السماء قد انقسمتْ إلى نصفين؛ نصف لونه باهِت يُخالطه التراب والنصف الآخر في الجهة المقابلة لونه أزرق صاف!
لماذا أصبحتْ هكذا يا تُرى؟ أين نحن الآن؟
إنها حدود بلادي!
واصلنا التقدّم وكُلّي أمل بأن أجتاز الحدود أخيراً وأصل إلى بلادٍ أخرى بكل سهولة، ولكن فجأة سمعتُ صوتاً مُدوّياً وأصبح يتكرَّر هذا الصوت ويقترب مني بالتدرّج حتى لمحتُ شيئاً خاطِفاً مرّ على يساري، بدأتْ سجادتي تتمايل وتنخفض عن مستواها وسيطر عليّ الخوف بالكامل، لقد رآنا حرس الحدود وها هم يُطلقون الرصاص باتجاهنا، كُنا بالنسبة إليهم كجسمٍ غريبٍ يطير في السماء!
أُطلقتْ رصاصة أخرى اخترقتْ طرف السجادة ما أفقدها توازنها وشرعتْ بالهبوط السريع، أخذتُ أصرخ بأعلى صوتي.. هذه نهايتي سأسقط على الأرض وينتهي أمري!
فتحتُ عيني وأنا أسمع صوت صرختي وهي تتلاشى، تلاها سقوطي من سريري على أرضية غرفتي، ما هذا؟ أين كنتُ؟ وأين أنا الآن؟ يا إلهي هل كان كل هذا حلماً؟
شعرتُ بألمٍ خفيفٍ في مُقدّمة رأسي ووجدتُ صعوبة في استيعاب الأمر حتى فهمتُ بأنه كان حلماً داخل حلمٍ آخر، ليس هناك سجادة سحرية، ولم أجلس عليها وأطير في السماء، ولكن الشعور لا يزال موجوداً بداخلي وكأنه حقيقي.
تمكّنتُ من النهوض مُتمسّكة بحافّة السرير ومُستعينة بقدمي الوحيدة التي تبقّتْ لي، وجلستُ على كرسيّ المُتحرّك أنظر من نافذتي مُترقّبة مرور بائع السجاد، تحوّل نظري إلى قدمي المبتورة التي فقدتُها في ذلك الانفجار اللعين، ولاحَ أمامي مشهد النار والدماء والسماء التي توشّحت بلون الدخان الأسود، عُدتُ إلى النافذة واضعةً يدي على خدّي وبدلاً من الأمل؛ احتلّني المَلَل وشعرتُ بالخيبة.
قد يمنحك الحلم أحياناً الأمل وشرف المحاولة، وعند الأماني المستحيلة أغمضْ عينيك واستغرق في نومٍ عميق؛ حتماً ستتحقّق أمنيتك في أحد الأحلام.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً