دعاء عمرو

كاتبة من لبنان

معاناة الشمس

"الخبيث اختار الرئة"، صوت ثقيل خرج من فم الطبيب. "كم سأعيش؟"، سألته.

قلبها بستان ورد، تكثر فيه أزهار عباد الشمس، كفاها مظلة تحجب آلام حرارة شمس الصيف، حضنها مضخّة للحنان، جدائلها غيمة تبعث مطراً يسقي ظمأ البسمة، جفناها تراب يجبل كل ليلة، وعيناها السماء، جمال الطبيعة هي. دائماً ما يستحضر قلبي صورتها في كل مرة أجاور فيها خضار الطبيعة. كان إسمها "صباح". "لم يكن اختيار إسمها عن عبث"، قالت لي جدّتي. أخبرتني أن زهرة دوّار الشمس قد نبتت ناحية قلبها في يومها الأول، اختارتها الشمس حارساً لبقايا نورها الثمين من لصوص الظلام ليلاً.

كل صباح مع شمسنا كان جميلاً، حتى جاء وحشاً يلقَّب بالخبيث إلى عقر دارنا، جذبه نور الشمس، وسحر الطبيعة المشابهة لدارٍ نشأ فيها، من دون استئذان تخطّى عتبة البيت، رمى أبي على الأرض، ثم خطف قلب أمّي، وسلب كل نور الحنان من جدران المنزل.

بعد رحلة طويلة لاكتشاف سبب الآلام المُفاجئة والتغيّر المناخي لطقس أمّي، خزعة واحدة غيّرت مسار حياتنا. "الخبيث اختار الرئة"، صوت ثقيل خرج من فم الطبيب. "كم سأعيش؟"، سألته وهي تضغط على مجرى الدموع، كانت قوية، ضاحِكة الوجه حتى في أشدّ اللحظات بؤساً، توزّع ابتسامتها على الجميع وتطعمنا من ثمار بسمتها، ثمار طازجة من شجرة عانقت جذورها نهراً لا تكفّ مياهه عن الجريان، عطاؤها وفير كالأمّ الطبيعة.

أمّي التي تختزن رحيق الأزهار داخل رئتيها ستتحمّل أعباء ضيف ثقيل جلب معه كل دخان المدينة الكئيبة، معركة لا يعلم سوى الله وقت نهايتها، كانت تستمدّ الأمل من بسماتنا، لأجلنا حاربت التلوّث حتى آخر نفس. المعركة تطول، وأكثر الضحايا كانت نحن، وقلب أمّي القلق.

"هل بالمقدور إعادة الشَّمس؟"، أتمتم عبارتي بصمت، كنت أنهي بها المشاورة  التي دارت بين عقلي وقلبي في كل لحظة تخيّلت بها الحياة من دون أمّي في حين كانت هي تسلّم أنهر يديها الحمراء للسعات العلاج الكيميائي. تماماً كقطعة الخشب كنت أتأمَّلها. كم صباحاً ثقيلاً قد مرَّ؟ كل الصَّباحات الماضية مليئة بالأمل، نعم سيرحل الظَّلام حاضناً الإرهاق، سيرحل بعيداً عن أجفان عيوننا.

في الخريف، أصفّر لونها، فتك العلاج الكيميائي بجذور شعرها فهوَت مع تساقُط أوراق الأشجار. في الشتاء، تجمّدت أطرافها ولم تعد تقوى على الحِراك، نخر الخبيث عظامها التي لم تسلم أيضاً حتى فتك بها. وفي الصيف، عانق الحر آلامها. أرتني جميع الفصول، إلا فصل الربيع.

"إذن،هواء الطبيعة النقي علاجها"، سمعت قول  أبي خلسةً وهو يحدِّث الطبيب على انفراد. توجّه سريعاً إلى غرفة المستشفى، عانق يديّ أمّي، قال وعيناه بحجم السماء: "ستتحسّنين قريباً بإذن الله، طمأنني الطبيب عن حالك، وضعك الصحي في استقرار تام، وما تحتاجينه الآن بعض الهواء المنعش".

_" إذن، أعدني إلى القرية، رائحة المُعقّمات تخنقني".

لم أصدّق شيئاً من هذه الأقوال، لم أتفاءل منذ اليوم الأول الذي ذبلت فيه أمّي، لعلّ الأمر كان بسيطاً كتغيير ماء الوردة، كنت آمل ذلك وحسب. شممت رائحة المطر، تعفّ في قلبها، رائحة قوية، كأنها تدرك الحقيقة، أو أنها على عِلم بموعد رحيلها في حلم عابر. أي استقرار هذا وهي لا تستطيع إزالة الجليد المتراكم عن ساقيها!

صباح آخر كئيب، سماؤه سوداء مليئة بجمع غيوم تسترقّ النظر من شرفة غرفة أمّي، على سرير عتيق تستلقي شمس قلبي، مُطرَّزة برصاص الأوجاع، قلّ كلامها في الفترة الأخيرة، تكحّ بصوت يشبه صوت غرغرة إبريق على النار يعلن غليانه مع كل نفس. أتأمّل معالم وجهها الذي يغمرني بالحنان العارِم. عيناها ترنوان نحو النافذة وكأنهما تسلّمان على جمع الغيوم، وتنتظران المطر. كان التوتّر يتصاعد، ينهشني في الأعماق، ثم يخبو سرعان ما تداري قلقي بابتسامة.

أومأت لي بيدها كي أقترب، كانت دافئة كحُضنها، أصبت برعشة الحب لحظتها، ساورتني الرغبة بلفظ بعض الكلمات، كقول إنَّنا مُتلاصقتان على الرغم من تباعُدنا، لكن لجم لساني. استجمعت قواها، ثم حرّكت شفاها تسألني:" ما هي أحوال المنزل في غيابي؟ وأحوال دراستكم؟ لا تعذّبوا عمّتكم، اصبروا قليلاً بعد حتى أعود".

أجبتها بصوت خافِت، " الحمد لله، كل أمورنا  تسير على ما يرام." كذبت عليها، وأنا  أشدّ على عيني كي لا تسيل الدموع. كذبت ولم يعلمها حدس الأمّهات بحالي الحقيقية، وهذا ما كان يخيفني. في هذه اللحظات، كانت يداها باردتين، أدركت حينها أن الوداع بات قريباً.

"لم تنسِ سقاية أحواض الورد، صحيح؟"

"لا تقلقي أمّي، أعتني بها وفقاً لإرشاداتك".

"اشتقت لمنزل القرية، هذه الغرفة تخنقني، الضوء الأبيض يشتّت نظري، أشعر بالغثيان والدوار الدائم… تذكرين موسم البقدونس، كم تناولنا التبولة..."

"تعدّين أطيب تبولة على وجه الأرض".

"عندما تأتي إجازة الصيف، سأخبر أباك أن يعاود زرع البقدونس في حقلنا الصغير، سنأكل التبولة قريباً". تنهي كلامها بضحكة ثقيلة تخيفني، كأنها طفلة، هذا المخدّر أرجعها طفلة، وأنا أشعر أنني أمّ قلقة على طفلها المريض. مرض أمّي جعلني أكبر سريعاً جداً.

خلال هذه الفترة الصعبة تحدّثت قليلاً مع أمّي، لم تكثر الأحاديث، قلّت تدريجياً مع تفاقم وضعها، أكثر الأحاديث عن الطبيعة ، جمال القرية، وأحواض الأزهار… كأن جسدها يرسل يومياً إلى مكان شاسع من الخضار. تنتظر وعد أبي كل يوم، لكنه خيَّب آمالها، ما كان عليه أن يجعلها تعيش في الوَهْم.

صباحي اليوم أصفر نحيل، رحل الأمل، وبقي الألم ينهش بأعماق نور الشَّمس، ولا قوَّة توقفه، ينهش بلذَّة أمامي. الابتسامات القلقة أكبر المخاوف، وصمت الشَّمس المُفاجئ. من بعد هذا الصَّباح الكئيب، اضمحلَّ النُّور، الضَّوء الأبيض المزعج بات كنور شمس السَّماء، من دون أي امتزاج. أيُّة معجزة ستحدث، هذا التلوّث لم يرحم أمّي، حتى أفقدنا كل الأمل.

مطمر النفايات القريب من الحيّ الذي فيه منزلنا وحش شرير استقرّ في منطقتنا لمدة طويلة، لم تكن أمّي أولى ضحايا مرضى السرطان، ولا آخرهم. انتشر هذا المرض بوتيرة سريعة في الآونة الأخيرة، لا يفرِّق بين صغير وكبير، يختار باستشارة القدر ضحاياه، ويفتك بهم بهدوء حتى آخر نفس. هواء المدينة سام، تلوَّث بفعل المطمر، وورود أمّي دافعت عنها حتى هزمت، فاختار جسدها غنيمة بطعم نور الشمس، يستمتع بقتلها رويداً رويداً كما يدمِّر التلوّث الطبيعة.

"وجهان لعملة واحدة، السرطان والتلوّث"، عبارة لا أنساها قالها مرةً طبيب أمّي المختصّ بأورام السرطان. الخراب الذي ينتج من مرض السرطان يشابه خراب الطبيعة، لا شيء يوقفه، يستمر وقلّة تنجو.  خبيث هو، لي عداوة معه، كلما سمعت أن أحداً قد أصابه المرض أسترجع دموع تلك الصباحات الكئيبة، لا ينطقون باسمه، لهذه الدرجة جعلنا ضعفاء أمامه، "ذلك المرض…" يقولونها بتلعثُم، وكأن ليس كل فرد ساهم في زيادة التلوّث قد لطَّخ يديه بولادة هذا المرض.

في ليلة حزينة، سماؤها بلا نجوم، رحلت أمّي مبكراً، إلى مكان يشبهها، انتصرت على المرض بصبرها وابتسامتها الدائمة وهزمنا هو بشوقنا  وذكرياتنا المؤلمة معه. أمّي التي لطالما رأيت فيها جمال الطبيعة، سبقتنا إلى الله، سبقتنا هي وآخرون مثلها أحبّهم المرض.

الخبيث يستهدف الطبيعة، وكل من يشابهها، أو بالأحرى كل الأرواح النادرة المشابهة لها، لعلّ الحفاظ عليها يطرده ولو بشكل بطيء، لو كنا جميعاً نطابق أوصاف الطبيعة، لو ليوم واحد فقط.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]


إقرأ أيضا