عمرو العزالي

كاتب وشاعر من مصر، حائز على (جائزة أحمد فؤاد نجم) لشعر العامية

"التسلية".. المصطلح الملعون

هل ثمة تعارض بين التسلية وبين قيمة أي عمل أدبي؟ هل يمكن أن نكتب للتسلية فقط؟

ارتبطت فكرة "التسلية" بالمنتج الجمالي دوماً في أبسط صوره، وبخاصة الإبداع الحكائي. لكن مع تطور الخطاب الأدبي، والأهداف المعرفية والرؤيوية التي صار الأدب يبتغي تحقيقها، طرحت الميادين الثقافية أسئلة في محاولة للوصول إلى إجابات عنها.هل ما زالت التسلية أحد أهداف الأدب؟ وهل تتعارض التسلية مع فكرة القيمة الأدبية للعمل؟

وليد علاء الدين: مازالت التسلية مصلطحاً سيّئ السمعة

  • التسلية.. من غرض وحيد للأدب إلى مُصطلَح مُثير للجدل

يقول الكاتب المصري وليد علاء الدين إن "هناك ظناً لدى الكثيرين يقول إن الرواية مجرد تسلية، والتسلية عكس الجد، لا يقرأ الروايات سوى الناس التافهة، ومن يعيشون في الخيال...إلخ، ولا شك أن القارىء سمع هاتين الكلمتين أكثر من مرة. ومن ناحية أخرى فإن معظمنا، تقريباً، تربّى على شعور بالذنب مرتبط بالقراءة خارج المناهج المدرسية، باعتبارها مضيعة للوقت، أو في أفضل الأحوال درجة ثانية في سلّم الأولويات. فكلمة «تسلية» في ثقافتنا، سيّئة السمعة، تصف الأفعال غير المنتجة".

وأضاف علاء الدين الحاصل على جوائز عربية عدّة، أننا "حصرنا بالخطأ مفهوم (السلوان) الذي يُعنَى بصرف الانتباه عن الهمّ والحزن، في الهروب من الجدّ إلى الهزل. وصارت «القصص والحكايات»، مشبوهة بتهمة التسلية، لأنها أشهر التسالي من الماضي ــ أيام الحكواتي ــ مروراً بالإذاعة والسينما والتلفزيون وما استجد، وحين يجد الجد.. التهمة جاهزة: تسالي، وتمضية وقت. الحقيقة بالطبع على العكس، فالقصص والحكايات منذ نطقَ الإنسان، وهي الوسيلة المثلى لنقل الأخبار والمعلومات، وكذلك لتبادل المعارف وتطوير القِيَم والأفكار".

عمرو الشيخ: لا نعيش أزمة "قارئ التسلية" فقط.. بل و"كاتب التسلية" أيضاً

  • التسلية.. من غرض وحيد للأدب إلى مُصطلَح مُثير للجدل

أما الشاعر عمرو الشيخ فيرى أن الأزمة تخطّت "تسلية المتلقي"، وأصبحنا الآن نعيش كارثة "تسلية المبدع"، ويضرب مثالين لذلك، أولهما شاعر قصيدة النثر الذي يكتب قصيدة لأن باقة الإنترنت لم تنته بعد، فيكتب قصيدة لتزجية الوقت، تشبه مئات القصائد الرديئة التي نقرأها يومياً، وكتاب الروايات الذين صاروا يستهلكون ثيمات ثابتة، معظمها مستقاة من قصص الأساطير، هذا إضافة إلى المونولوجات الطويلة غير المبررة.

أما عن المتلقي، فيمكن أن يكون له الأدب تسلية بالفعل، لأنه بالجوار يقرأ في شؤون أخرى، وبالأخصّ فئة الشباب وهي شريحة عظمى من القراء متوسّطي القيمة، فيقرأون ما يجعلهم يقولون الجملة الشهيرة "قال ما كنت أريد أن أقوله ولم أستطع التعبير عنه"، مثل قصص أحمد خالد توفيق ونصوص فاروق جويدة وغيرها. لكننا يجب أن نعلمهم أن الكاتب الواعي يدفعنا لقول "من أين أتى بهذه الأفكار الفريدة؟"، ولكن لا مانع من أن تكون هذه الكتابات خطوة لهم للاقتراب من عالم القراءة، بشرط أن يدركوا أنها مجرّد خطوة نحو ما هو أنضج وأعمق.

عباس الحايك: الظروف هي التي تخلق الاحتياج إلى شكل من أشكال الأدب

  • التسلية.. من غرض وحيد للأدب إلى مُصطلَح مُثير للجدل

من جهته، يشير المسرحي والسيناريست السعودي عباس الحايك إلى أن هناك بعض الكتاب لا يضيرهم أن يعلنوا أنَّ ما يكتبون من أدب ما هو إلا شكل من أشكال التسلية البحتة، لذا لا يجهدون في إتقان قواعد الكتابة الأدبية، وتجويدها، لكنهم يكتبون متحرّرين من قيود الجودة الأدبية، ففي الروايات مثلاً، هناك روايات، تركّز بالدرجة الأولى على الحكاية، وكيف تسرد، كيف تشبع شغف القارئ لمعرفة الأحداث والشخصيات ومآلاتها.

ويرى أن قراءة التسلية تتغلّب والبحث عن المتعة الشخصية على الغاية المعرفية للأدب، فمَن يقرأون الكتب في القطارات والمطارات بالتأكيد سيميلون لقراءة الأدب بغية التسلية، ولن ينشغلوا بقراءات ذات طابع يحتاج للتركيز والتأمّل، وقد يكون الأدب مرّ بتحولات تطال جدواه، فالمسرح بدأ طقساً وانتهى تسلية، مثله مثل العديد من الأجناس الأدبية، وطبيعتنا كبشر نميل للحكايات، لذلك تبدو الروايات هي الأكثر حضوراً بين الناس. وهذا لا يمنع من أن يكون الأدب تسلية، ففي الغرب هناك روايات تستهدف النخبة المثقفة، وأخرى تستهدف القارئ البسيط الباحث عن المتعة.

شاكر عبد الحميد: التسلية كغرض رئيسي للأدب لها بُعد نفسي هام

  • التسلية.. من غرض وحيد للأدب إلى مُصطلَح مُثير للجدل

يرى وزير الثقافة المصري الأسبق شاكر عبد الحميد أن لفكرة التسلية بُعداً نفسياً هاماً، وأن غرض التسلية في الأدب يتعلّق بالأساس نفسياً بفكرة (الإثارة)، والإثارة هنا ليست بمعناها الجنسي وإنما تعني هنا استفزاز اهتمام المتلقّي بما يُقدَّم له، فالبشر كائنات محبّة للاستطلاع، ولو من أجل الحفاظ فقط على عقولنا في حال معينة من النشاط والانشغال.

وأشار صاحب دراسة "الفنّ والغرابة" إلى أنه ربما كان لدى الإنسان، سابقاً، ما يشغله من مخاوف تتولّد المتعة من قضائه عليها. أما الآن فلم تعد هناك نمور على سبيل المثال تمر في الشوارع مثلاً، إضافة إلى مهام الحياة الرتيبة والمتكرّرة الكثيرة؛ لذا فقد ابتكرنا وحوشنا ووسائل تسليتنا الخاصة، وذلك من أجل الحفاظ على أنفسنا في حال إثارة وشعور بأننا أحياء.

سامح فايز: بالأرقام.. الكتابة للتسلية بوابة للعبور والانتشار

  • التسلية.. من غرض وحيد للأدب إلى مُصطلَح مُثير للجدل

أما الكاتب الصحفي سامح فايز فيقول إن الاستناد إلى التسلية لعب دوراً مؤثراً في انتشار الأدب بشكل إيجابي للغاية، ورصد صاحب كتاب "جنة الإخوان" ارتفاع نسبة القراءة في الشريحة العمرية بين 14 إلى 25 سنة، وبحسب موقع (good reads) تحتل مصر المرتبة رقم 11 على مستوى العالم في عدد مستخدمي الموقع بـ 509 ألف مستخدم، وتحتل القاهرة المدينة رقم (5)، وجرّاء ذلك ارتفع عدد المسجّلين في (اتحاد الناشرين المصريين) من 260 عضواً عام 2011 إلى 1200 عضو عام 2018، بما يؤكّد أثر هذه الكتابات مؤخراً في عالميّ الكتابة والنشر، رغم اتهامات البعض بأنها لا تقدّم محتوى معرفياً يرتقي بعقلية القارئ.

عبد اللطيف السخيري: التسلية تعيد طرح سؤال الجدوى من الإبداع

  • التسلية.. من غرض وحيد للأدب إلى مُصطلَح مُثير للجدل

لكن للناقد المغربي عبد اللطيف السخيري رأي آخر. فهو يقول إن الأدب يقف أمام سؤال الجدوى. وعلى القائلين بغير ذلك أن يترافعوا أمام هذا السؤال، حاشدين من الأدلّة والبراهين ما يعتَقدونه كافياً للإِقناع بوجاهة آرائهم. ولكن يكفي أن ترمى مرافعاتهم بحصاة من التشكيك ليصير الارتياب سيّداً يعصف بالآراء المطمئنَّة. وقد زاد الأمر تعقيداً مع الطفرة التي شَهِدَها مَجَالُ الاِتِّصال والتَّواصُل، بإمكانِياته التي اكتسحتْ مجالي التسلية والفائدة معاً.

وأوضح الناقد المغربي الفائز بـ (جائزة الشارقة للإبداع العربي) فرع النقد، أن ذَلكَ الاِكتساح لوسائل الاتصال في الوقت ذاته لم يُلْغِ ضرورة الفن عموماً، والأدب على وجه التخصيص؛ وإنْ قال البعض بأنَّ جدلية "هوراس" الشهيرة: المتعة والفائدة، قد اسْتُعِيضَ عَنْها بما تُوفِّرُه مجالاتٌ مَعرفيةٌ أُخرى بشكلٍ أعمقَ وأكثرَ دِقةً.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً