عبد الله بن عمارة

كاتب من الجزائر

بديلة لنوبل.. هذه قصة "جائزة الشعب" وأوغست ستريندبرغ

خسارة ستريندبرغ وقيام حركة احتجاجية قدمت له جائزة موازية أسمتها "جائزة الشعب"، تغذي النقاش المستمر حول المعايير التي تحكم منح جائزة نوبل للأدب.

  • "نوبل" وهيمنة الرمزية الثقافية الغربية.. إليكم قصة أوغست ستريندبرغ
  • "نوبل" وهيمنة الرمزية الثقافية الغربية.. إليكم قصة أوغست ستريندبرغ

مع كل مناسبة تعلن فيها الأكاديمية السويدية عن الفائز بجائزة نوبل للأدب، يُعاد طرح الأسئلة نفسها حول الأبعاد الحقيقية الكامنة وراء منح الجائزة، من خارج الأطر الإبداعية المحضة. أيّ طبيعة الخلفية التي تتحكم في القرار الأخير للأكاديمية بمنحها لأديبٍ أو حجبها عن آخر.

كثيرة هي الأمثلة التي تعزّز الطرح القائل بوجود تأثيرات غير أدبية في معايير المنح. لكن حالة الأديب السويدي أوغست ستريندبرغ تبقى المثال الأقرب الذي يُعيد إلى الذهن تلك العلاقة الجدلية بين الأدب كحالة إبداعية، وبين تقييمه بمعايير ذات طابع قيمي، تختلف حسب قناعات وميول الجهة "المُقيِّمة".

ستريندبرغ ...المبدع المضطرب

  • "نوبل" وهيمنة الرمزية الثقافية الغربية.. إليكم قصة أوغست ستريندبرغ
  • سلمى لاجرلوف

ولد سترينبرغ في العام 1849 في مدينة ستوكهولم، في وسط فقير ومحافظ. لم يكمل دراسته الجامعية التي زاولها في أوبسالا، فتركها للعمل في المكتبة الملكية السويدية بستوكهولم، وهناك كتب أولى مسرحياته. تنقل بين صنوف مختلفة من الفن والأدب؛ فأبدع في الرواية والمسرح والشعر، كما في الرسم والتمثيل. لكن انتهى به المطاف ليتألق بأعمال روائية جعلت منه واحداً من الكبار الذين أغنوا الأدب في السويد والعالم بأعمال مسرحية وروائية أكسبته شهرة كبيرة على غرار "الغرفة الحمراء" و"ابن الخادمة"و"الطريق إلى دمشق".

لم يُوصف ستريندبرغ بالتقلب والاضطراب في حياته الشخصية فحسب، إنما في انتقاله من مدرسةٍ فكريةٍ وأدبيةٍ وفلسفيةٍ إلى أخرى، على ما بينها من الاختلاف والتناقض.

فهو لم يكن يوماً شيوعياً لكنه اقترب من الفكر الاشتراكي، بل ومن الأناركية في فترة من حياته. اكتسب من خلاله شعبية واسعة في أوساط الطبقة العمالية والتيارات اليسارية، فجعلت منه مثقفاً ملتزماً بقضاياها (تزوجت ابنته كارين بالقيادي البلشفي فلاديمير ميخائيلوفيتش)، ليتحول بعدها من فلسفة نيتشه إلى أفكار روحانية أبعد ما تكون عن العقلانية، فيما جسدت أعماله الانتقال بين المدارس الأدبية الطبيعية والرمزية والتعبيرية.

خسر ستريندبرغ جائزة نوبل للأدب عام 1909 أمام الأديبة السويدية سلمى لاجرلوف Selma Lagerlöf وهي أول امرأة تحوز عليها. لكن شعبيته الطاغية انقلبت إلى حركةٍ احتجاجية جمعت مبالغ مالية كبيرة، حوَّلتها لجائزةٍ موازيةٍ أسمتها "جائزة الشعب"، منحتها لأديبها المحبوب.

من خلال هذه الحركة، كسرت تلك الجموع، معايير رأتها مُجحفة، من الأكاديمية السويدية في منح الجوائز من جهة، وأسّست من جهة أخرى لسلطةٍ رمزيةٍ أخرى لها معاييرها الخاصة في تقييم الأعمال الأدبية للمتنافسين قوامها إلتزام العمل الأدبي، وصاحبه، بما يراه الناس قضاياهم الأساسية،.

يأتي ذلك في مقابل السلطة الرمزية للأكاديمية السويدية التي كانت تتويجاً لمسارٍ دام لقرون بدأ، كما تقول الباحثة الفرنسية في العلوم السياسية جوزيفا لاروش josepha laroche ، بخطوة ألفرد نوبل التي أراد بها التأسيس لنظامٍ عالمي للمكافأة، ووصل إلى المزج بين المدرسة الفرنسية، التي اعتمد نمط المكافأة فيها أساساً على الجانب المادي الرِّبحي، وبين المدرسة الانجليزية التي ارتبطت بالقيمة الرمزية للجائزة.

أيّ أن جائزة نوبل هي تقدير رمزي تمنح صاحبها "شرف" الانتماء لنخبةٍ عابرة للحدود تعكس في أعمالها الابداعية قيم الحرية والانسانية والعدالة بمفهومها "العالمي"، وأيضاً قيمة مالية معتبرة من أجل الاستمرار في العطاء الأدبي والفكري.

والمفهوم العالمي يعني بالنهاية استبعاد أي نظرة للكون والوجود أو تعريف لقيم معينة، أو نظرة استقلالية ما، من خارج سياق المنظومة الثقافية والاجتماعية الغربية التي ترفدها الهيمنة السياسية والاقتصادية للغرب على العالم. بمعنى أن ميادين الاجتماع والفن والتفكير واللغة والسياسة والاقتصاد، وغيرها من موضوعات الأدب، تتحول إلى مجالٍ حصريٍّ لا مكان فيه لغير التفسيرات التي تتمركز حول المرجعية الأوروبية الغربية.

سوسيولوجيا نخبة عابرة للحدود

  • "نوبل" وهيمنة الرمزية الثقافية الغربية.. إليكم قصة أوغست ستريندبرغ
  • "نوبل" وهيمنة الرمزية الثقافية الغربية.. إليكم قصة أوغست ستريندبرغ

يُعتبر مفهوم النخبة من المفاهيم الأساسية في علم الاجتماع السياسي، فهي مقترنة بالنفوذ والسلطة والقوة والتميز الاجتماعي والمجد والشهرة وغيرها من الامتيازات التي تُحيل إلى وجودها في أعلى الهرم ضمن التراتبية الاجتماعية داخل الدولة. يعرف عالم الاجتماع الألماني هانز بيتر دريتزل Hans Peter Dreitzel النخبة قيقول إنها تتكون من "الذين يحتلون مواقع سامية في جماعة ما، أو في منظمة أو مؤسسة، وقد وصلوا إلى هذه المواقع المتميزة والعالية بفضل انتقائهم على أساس كفاءاتهم....ويملكون قرار تغيير بنية المجتمع والمعايير التي تتحكم فيها وتؤهلهم مكانتهم ليكونوا نموذجاً للاقتداء والتأثير في جماعتهم".

في كتابها "جوائز نوبل، سوسيولوجيا نخبة عابرة للدول" اعتمدت جوزيفا لاروش على فكرة أساسية هي محورية الدور الديبلوماسي العابر للحدود الذي تلعبه مؤسسة نوبل، والذي تَمكَّن من التأقلم مع المتغيرات الجيوسياسية العالمية.

ذلك أن أعضاء المؤسسة لعبوا دوراً سياسياً واضحاً لصالح الغرب إبان الحرب الباردة بغية دعم "سياسة مثالية" تمثّلت في تشجيع الأعمال الأدبية والعلمية التي تساهم في ترسيخ "السلام"، وفي تشكيل نخبة "عالمية" عابرة للدول مرتبطة، بعد الحرب الباردة، بتوجهات النظام الدولي الجديد.

الباحثة أشارت إلى أن طقوس تقديم الجوائز الذي يعكس جانباً رمزياً تحرص عليه مؤسسة نوبل (الخُطب المُلقاة أمام العائلة المالكة السويدية والحضور الدبلوماسي والتغطية الإعلامية الدولية)، تجعل من تقديم الجائزة عملاً رمزيا كبيراً يُعلَن من خلاله الانخراط الرسمي في عالم النخبة الجديدة، التي ستضع شهرتها وامتيازاتها ووضعها الجديد في خدمة القيم التي تدافع عنها المؤسسة.

وبحسب لاروش فإن نوبل أصبحت رأسمالاً رمزياً للدول الغربية خاصة، التي ترسخ هيمنتها في كل المجالات من خلال إظهار قدراتها العلمية وأهلية مراكزها البحثية.

سيستمر النقاش حول المعايير التي تحكم منح جائزة نوبل للأدب، وتستمر معها تلك العلاقة الجدلية بين الأدب والابداع وبين هيمنة السلطة الرمزية للثقافة المركزية الغربية، التي مثّلتها ولا تزال مؤسسة نوبل.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً