بديع صنيج

صحافي من سوريا

الموسيقى السريانية.. ثمانية ألحان غزت العالم

تعود في أصولها إلى "ملحمة جلجامش".. كيف غزت الموسيقى السريانية العالم؟

مَن يقرأ كتاب "الغناء السرياني من سومر إلى زالين" للباحِث جوزيف ملكي يُدهَش من امتداد الموسيقى السريانية في الزَّمن، إذ سيكتشف أن أصولها الأولى تعود إلى "ملحمة جلجامش" التي كان تُغنَّى بمرافقة الآلات، ولاسيما القيثارة السومرية المعروفة بأوتارها السبعة، وعليها تمّ بناء الألحان السريانية الثمانية، لتكون مِدماكاً متيناً لموسيقى العالم بشعوبه المختلفة وتُراثه المُتنوِّع، ومن ذلك ما قاله "الفارابي" في أكثر من مرجع بأنه رَصَدَ ثلاثة آلاف لحن في عصره مُتأثّرة بالموسيقى السريانية.

والمُثير للدَهشة أنه عند الاستماع للفنانة السريانية سناء بركات في حفلتها التي قدَّمتها مؤخراً ضمن (المركز الوطني للفنون البصرية) في دمشق، ورغم عدم معرفة الحضور بمعاني الكلام، إلا أن إحساسهم بِقُرْبِ الموسيقى من تُراثهم الغنائي الشعبي جعلهم يشعرون بالألفة معها، ويتعاملون مع الأداء الفريد لبركات كنغمٍ إضافي لما قدَّمته الفرقة الموسيقية، وكأنهم يُصغون إلى خُلاصة ما جادت به قرائح أجدادهم الآراميين والسومريين والأكاديين، والذي انصهر في الموسيقى السريانية بمقاماتها المُتميّزة، التي سنتعرَّف على بعض خباياها التاريخية والفنية من خلال بعض المُختصّين.


الموسيقى الشعبية سبَقَت الدينية

ميساك باغبودريان، وهو قائد (الفرقة السيمفونية الوطنية السورية)، قال في حديث للميادين الثقافية: "غالباً ما ترتبط الموسيقى السريانية في ذاكرتنا بالموسيقى الدينية، لكن بالتعمّق أكثر نكتشف أن ثمة موسيقى شعبية سريانية كانت موجودة قبل الدينية، هي موسيقى شعوب شمال سوريا وشمال العراق وجنوب الأناضول، هذه الموسيقى الشعبية تَمَظْهرَت بأشكالٍ مختلفة، منها ما نسمعه في سوريا من موسيقى شعبية، وأغانٍ شامية، تأثّرت كثيراً بسابقتها السريانية، لاسيما أن جزءاً كبيراً من الموسيقى التراثية السورية تعود جذوره إلى الموسيقى السريانية، والجزء الشعبي منها على وجه التحديد، والتي دخلت إلى الكنيسة وأصبحت ضمن الطقوس الدينية، بعدما عمل رجال الدين على جَذْبِ الناس إلى الكنيسة باستخدام الألحان الشعبية مع كلماتٍ دينية، تحوّلت في ما بعد إلى تراتيل، وصارت جزءاً من اللا وعي الشعبي".

وأضاف باغبودريان أن الموسيقى السريانية "تحمل الصفات ذاتها بشقَّيها الديني والمديني، فلها المقامات ذاتها والأسماء، وترتيب المقام، وبناء التتراكورد (وهو الثلاث أو الأربع أو الخمس نوتات المُتتالية ضمن المقام)، إضافة إلى علاقة اللحن الموسيقي مع الكلمة وإيقاعها وتقطيعها، بحيث كانت تُضاف بعض المقاطع اللفظية لتُكمِل الشكل الإيقاعي حتى لو لم يكن لها معنى في بعض الأحيان، كما أن الأصول الشعبية هي مَن أعطت الموسيقى السريانية لوناً مُميَّزاً، وعندما نسمعها الآن، نشعر أنها قريبة منا جداً، لأنها تمثّل موسيقى المنطقة، ولها علاقة بالجغرافيا، وطبيعة الحياة، والنَمَط الاجتماعي والإنساني في تلك اللحظة، هذه الطبيعة التي ما زلنا نعيش ضمنها لاسيما في منطقة الجزيرة السورية".


أقرب إلى الدراما

أما خرِّيجة المعهد العالي للموسيقى والمُرتِّلة في جوقة مار أفرام السرياني غابرييلا مراني، فقد أوضحت للميادين الثقافية أن "الموسيقى السريانية هي امتداد للموسيقى التي كان يؤدّيها الشعب الآرامي في المعابد الوثنية، قبل أن يدخلوا في المسيحية كدينٍ جديدٍ ويتحوَّلوا إلى "سريان"، قائلةً: "كان هناك 12 لحناً أساسياً، ثم تمّ استبعاد أربعة منها لأنها لا تناسب طقوس العبادة. كل لحن من هذه الألحان الثمانية يُعبِّر عن حالٍ شعوريةٍ معينة، قد تكون فَرَحاً أو حُزناً أو اشتياقاً أو مُناجاة أو أَلَماً على فِراق شهيد... فالموسيقى السريانية أقرب إلى الدراما، ولعبت ألحانها دوراً كبيراً في مُجاراة الطقوس الكَنَسية ومعانيها".


الفرق بسبب "الكوما"

خصوصيّة أخرى تُضاف إلى الموسيقى السريانية تتأتّى مما يُسمّى في عِلم الأصوات بالـ"كوما" وهو المسافة التي تفصل بين نوتة وأخرى تليها، وتقسَّم إلى تسعة أجزاء، حيث أن الاختلاف بين تلك الموسيقى ونظيرتها العربية مثلاً، كما صرَّحت الفنانة سناء بركات للميادين الثقافية يكمُن في أن "الموسيقى السريانية تُعزَف فيها النوتات أعلى  بـ"كوما" أو أكثر عن الموسيقى العربية، وهو ما يؤدّي إلى اختلاف الطبوع والأجناس والعقود الموسيقية المُكوَّنة، حيث أن كل لحن من الألحان الثمانية التي تتميَّز بها الموسيقى السريانية مبني على جنسٍ موسيقي مُعيّن، والجنس مؤلَّف إما من ثلاث درجات أو أربع أو خمس درجات مُتتالية صعوداً أو هبوطاً، هذه الأجناس هي: البيّات، السيكا، الراست، الحجاز، النهوند، الصبا، العجم، الكرد، ليأتي بعدها قالب الأغنية المُرتبط بصيغة القالب الشعري الذي بُنيَت عليه، وهو إما أحادي أو ثنائي أو ثلاثي أو قالب السويت، وهناك أيضاً الأوزان الشعرية المُعقّدة كالخُماسي والسُباعي والوزن الأحد عشري".

البحث في الأثر، كما ترى غابرييلا مراني يُحيلنا إلى اكتشاف الكثير من الشيفرات الوراثية للموسيقى السريانية في الموسيقى الإسلامية أيضاً، حيث تقول إنه "بعد مجيء المسلمين من شبه الجزيرة العربية إلى بلاد الشام، واستوطانهم فيها، اندمجوا مع المجتمع وعاداته وثقافته وموسيقاه، وأثّروا فيهم وتأثّروا بهم، فكانوا يقومون بفعلٍ موازٍ لما قام به آباء الكنيسة من استبدال الكلام مع المحافظة على اللحن، إذ كانوا يختارون أشعاراً أخرى على قَدِّ الموسيقى السريانية، فظهرت القُدود الحلبية، وأيضاً الموشّحات التي يأتي إسمها من "موشحتو" ومعناها "النشيد المُلحَّن"، والمعنَّى التي جاء إسمها من "معنيتو" أي أغنية وغير ذلك الكثير، ولكن اختلافات "الكوما" بين الموسيقتين السريانية والعربية أدّى إلى جعل مقام الحجاز السرياني مُغايراً للحجاز العربي وهكذا". 


السُّلَّم الموسيقي المُعدَّل

وكما أثَّرت الموسيقى السريانية على موسيقى الشرق، فإنها استطاعت أيضاً التغلغُل في روح الموسيقى الغربية.

يرى باغبودريان أن الموسيقى الشرقية "شكَّلت أساساً للموسيقى التي انتقلت إلى أوروبا، بمعنى أن الموسيقى السريانية مع الموسيقى البيزنطية والتي لها علاقة أيضاً بالمقامات اليونانية، انتقلت إلى أوروبا، وعلى أساسها بات هناك السُلَّم الموسيقي المُعَدَّل، الذي غيَّر شكل المقامات وجعل في الغرب فقط سلَّمان الكبير (العجم) والصغير (النهوَند)، وهذا التأثير انتقل مع الفينيقيين ومع خطوط التجارة وطريق الحرير، فعندما نسمع "الموسيقى القديمة" كما تُسمَّى في أوروبا، نلاحظ التأثير من ناحية المقامات والتتراكورد والأشكال اللحنية، والمختلف فقط هو اللفظ الكلامي، وما يفرضه من تقطيعات لحنية وإيقاعية مختلفة، أما غير ذلك فالشبه كبير".


احتكار موسيقي

الموسيقى السريانية كانت في أصولها وثنية، دخلت إلى الكنيسة كموسيقى شعبية ما لبثت أن تحوَّلت إلى تراتيل، و"يعتبر الفيلسوف والشاعر والموسيقي برديصان (22 م) أهم مَن أدخل الألحان إلى الكنيسة بعدما صاغ ما يقارب المئة وخمسين قصيدة سايَر فيها مزامير داوود وجَذَبَ إليه شباباً كثيرين، لكن بسبب مُعتقداته الغنوصية تمّ استبعاده من قِبَل بعض رجال الدين الذين رأوا أن أفكاره لا تتّفق مع ما سمُّوه الإيمان القويم، لكن ألحانه استمرت حتى جاء بعد مئة وخمسين عاماً مار أفرام السرياني واعترف بجماليات ألحان برديصان، لكنه وضع عليها كلاماً يتّفق مع ما يريده آباء الكنيسة المُتشدّدين"، حسبما ذكرت مراني.

واستمر احتكار الكنيسة للموسيقى السريانية من القرن الرابع وحتى منتصف القرن العشرين، وخلال تلك الفترة استمر تأثيرها شرقاً وغرباً، لكن ماذا عن الموسيقى الشعبية التي ظهرت بعد ذاك "التدجين الليتورجي" إن صحَّت التسمية؟

تُجيب مراني أنه "حوالى عام 1950 بعدما لوحِظ عدم وجود موسيقى خاصة بأعراس السريان ومناسباتهم الاجتماعية، وأنهم يعتمدون على الأغاني التركية والكردية وغيرها في التعبير عن مشاعرهم، قام بعض الشباب السريان بصوغ أغنيات عن الحب والفرح والفِراق واللوعة وحب الأوطان... لاقت تلك الأغاني إقبالاً من الناس، ومُعارَضة من بعض آباء الكنيسة، بحجّة أنها تشوّه اللغة السريانية".

في السياق ذاته يرى قائد الفرقة السيمفونية الوطنية أن ثمة مشكلة مهمة في هذا الصَدَد، ففترة الانقطاع الطويلة جعلتنا غير قادرين على معرفة ما إذا كانت موسيقى القرن العشرين السريانية الشعبية هي استمرار للموسيقى قبل احتكار الكنيسة لها، أم أنها تأثّرت بموسيقى الجوار كالموسيقى الآشورية والكلدانية والكردية والأرمنية والتركمانية... فكل من تلك القوميات التي استوطنت الجزيرة عنده لون وهوية، وهذا يؤثّر في الموسيقى، كما أن اللغة واللفظ واللهجة تؤثّر بالمقام، وبالكومايات وبالشكل الإيقاعي، وبطريقة استخدام اللحن،... لذلك يصبح القول بأن الموسيقى في القرن التاسع عشر أو القرن العشرين هي ذاتها في القرن الرابع صعب جداً، والأسوأ هو دخول الآلات الإلكترونية، كالأورغ الذي وحَّد الكومايات كلها، فلم يعد هناك الميزة أو الطابع الخاص بالموسيقى السريانية ذات الكوما الأعلى، وبالتالي وجود الآلات الإلكترونية والاختلاف مع القوميات وانتشار التسجيلات جعل الموسيقى السريانية مُتأثّرة بالموسيقى العثمانية التركية، والأخيرة مُتأثّرة بموسيقانا وبالموسيقى القادِمة من شرق آسيا، وبالموسيقى البيزنطية والعربية والكردية والأرمنية، وبالتالي هذا الاختلاط يُصَعِّب القول بأن هناك موسيقى صافية مئة بالمئة. حتماً المقامات ستبقى هي ذاتها لأن الكنيسة حفظتها، لكنها الأغنية الشعبية وخلال الانتقال كم تشبه جذورها وأصولها فإننا لا نعرف ذلك بدقّة".


أغنية حديثة

من ناحيتها، ترى الفنانة سناء بركات بأن "الأغنية السريانية الحديثة عادت إلى الظهور في القرن العشرين، وذلك مذ بدأت شعوب المنطقة تشعر بالاستقرار بعد الحرب العالمية الأولى، فبرزت الحاجة مُجدَّداً لإعادة إحياء الأغنية الشعبية التي تُعبِّر عن المشاعر والأفكار الدنيوية المستقلة عن الأناشيد الدينية التي سادت في القرون السابقة، فظهر العديد من المُلحنين وكتَّاب الأغنية أمثال: نعوم فايق، فريدون أتورايا، حنا بطرس، أوائل القرن العشرين، ثم تابع كل من كبرئيل أسعد، ألبرت تمرز، وليم دانييل، دنحو دحو، نينوس آحو في منتصف القرن، تلاهم مارال أبروهوم لحدو، مورميس وإيوان أغاسي، أدور موسى، نوري إسكندر، جوزيف ملكي وغيرهم، ممّن ساهموا في تطوير هذه الأغنية وموسيقاها حتى يومنا هذا".

 

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

 

 

 

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً