رئيفة ناصر الدين

كاتبة من لبنان

عن ألفة العزلة في البعد

ثمّة أشياء لا يستطيع الإنسان اكتشافها إلّا في ذروة الألم.

  • عن أُلفة العزلة في البعد

 

اكتشفت نفسي في وحدتي، يوم رحت أتأمّل من خلف نافذة منزلي مدينتي الجديدة، برلين. كنت أنظر إلى كلّ تلك الغرابة من حولي بعينيّ الدّهشة، وكانت تجول في رأسي أسئلة لم أمتلك لها في وقتها، أية أجوبة. ماذا أفعل هنا بين جموع النّاس الغريبة؟ من هم هؤلاء؟ ما إسم المنطقة الّتي أقف فيها الآن؟ كيف سأتوجّه؟ ما إسم الشّارع الّذي أقطن فيه؟ كيف أتواصل مع سائق الباص، ولماذا أبكي الآن؟

لم يعدْ شيء يشبه ذاته قبل أيّام، تغيّر كلّ شيء. شعرت وكأنّني طفلة صغيرة يحملها أناس غرباء، يبتسمون لها ببطء، وهي تتأرجح من كتف إلى آخر. لم أفهم بعد من أنا، ولماذا أحس بكلّ هذا الغثيانْ؟ رأسي مثقل بالأفكار، أعود بشريط ذاكرتي إلى الوراء، ويمرّ أمام عينيّ مشهد تلو الآخر، طفولتي، حياتي، أهلي، أصدقائي وكلّ ما مررت به. أمضيت ليال طويلة، أبحث فيها عن ذاتي وأتصفّح ذاكرتي برويّة، ثمّ أعود إلى البكاء مجدّداً.

 ليس بالأمر السّهل على الإنسان العاديّ أن يترك سريره وينام على أريكة في منزل صديقه مثلاً، فكيف إذا انسلخ فجأةً عن بيته، عن الأمان الأعظم والطّمأنينة، ويجد نفسه غريباً، يمشي مترنّحاً في الشّوارع، بين آخرين لا يتكلّمون لغته ولا يعرفونه حتّى؟

كنت إنسانة جديدة، ببساطة. وكأنّ الماضي كله الّذي رافقته ورافقني، تخلّى عنّي في منتصف الطّريق. وجدتني أبني حاضراً جديداً، ثم أعيد جمع أوراقي المبعثرة هنا وهناك لأبدأ من الصّفر.

 احتضنت نفسي مرّات كثيرة، وضممتها إليّ بعدما رأيتها تجثو على ركبتيّ، نفسي الّتي أرهقها البُعد، كانت هي صديقتي الوحيدة في عزلتي، لم تزل. لم يخطر في بالي يوماً أنّني سأعيش أشهراً طويلةً، أستيقظ فيها يومياً من دون أن أسمع قرقعة الملاعق والصّحون التي تصدرها أمّي في مطبخها منذ الصّباح الباكر. لم يكن ذلك في الحسبان أبداً، أن أمضي أيّامي وسط كلّ هذا الهدوء المميت، بين جدران المنزل. أين ضحكاتنا أنا وأخواتي وضجيج مشاجراتنا؟ أين حذاء أبي ومعطفه المعلّق على روحي؟ أين صديقتي وسهراتنا ودموعنا الّتي سكبناها عند صلاة الفجر؟ أين وأين وأين؟

أنا الفتاة الّتي لا تسكت. الّتي فور دخولها إلى المنزل تفتح جريدة أخبارها اليوميّة، وتقرأها على الجميع، تعطي رأيها في كلّ شيء، وتتذمّر وتنصح الآخرين، تغضب وتضحك، أنا اليوم أفتح باب منزلي بهدوء وغصّة لأدخل إلى الّلا شيء، وأعتاد الصّمت.

وجدتني بعد ذلك أميل إلى العزلة رويداً رويداً، وأتجنّب الاحتكاك مع الآخرين، كنت أفضّل الجلوس لساعاتٍ طوال لوحدي على أن أقابل أحداً، لما كان يتطلّبه ذلك من جهد كبير لم أستطع بذله. كانت مجرّد فكرة أنّني أبني علاقات جديدة مع أشخاص جُدُد ترهقني، وكنت ألجأ غالباً إلى وسائل التّواصل الإجتماعيّ لأهرب من كلّ تلك الغرابة، وأشارك من يعرفني وأعرفه تفاصيل وصوَراً من حياتي هنا، كان هاتفي في أوّل أشهر غربتي لا يفارق يدي، كنت متمسّكةً بكلّ ما يربطني بوطني وأهله. لقد كان البعد قاسياً ومريراً، لم يشعر به أحد سواي.

 ثمّة أشياء لا يستطيع الإنسان اكتشافها إلّا في ذروة الألم، وأنا اكتشفت في نفسي قدرات هائلة على التّحمّل والصّبر، يوم وقفت أمام المرآة بعينين حمراوين من شدّة البكاء، وبأنفاس متقطّعة، ومسكت روحي الّتي لم تتمالك قلبها وهوت أمامي ثمّ رفعتها إليّ، وأخبرتها أنّنا هنا من أجل بعضنا البعض، وأنّ قوّتها من قوّتي، وأنّني أحتاجها لأكمل المسير. لقد دفعت ثمن غربتي أطناناً من الوجع، وأتكوّر كلّ ليلة داخل صوَر وذكريات أحملها معي في حقيبة السفر اللعينة بعد كلّ رحلة إلى الوطن.

"يجب أن أتأقلم"

سأتخطّى كلّ ذلك وأقف على قدمين بدل الواحدة التي أتعبتني، سأعود من جديد لأبني مستقبلاً جميلاً إلى جانب الرّجل الذي تركت كلّ شيء لأجله. وهو يستحقّ.

سأرمّم نفسي كلّما استطعت وأجلس منتصبة القامة، لن ينحني ظهري، سأمسك بيده، يده التي تكبر يدي وتحيطها، عكّازي الأبديّ.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً