بان الشمري

كاتبة من العراق

نبيذ الصبر

عندما بلغتُ سنّ الرشد؛ جعلتني الحياة أتذوَّق نبيذ الصبر، كان طعمه مُراً وحُلواً في ذات الوقت.

  • شتاء لندن (Igor Shulman)

 

كلٌ منا يولَد وفي فمه ملعقة من ذهب، والذهب هنا قد لا يكون بمعناه الحقيقي، قد يكون عدم الإدراك بما يدور حولك، والحصول على ما تريد من دون أيّ عناء، اعتقادك بأن الحياة ستستمر معك هكذا وستتحقِّق لك كل أمنياتك!
هذا ما كنتُ أعتقده أثناء السير في طريقي المُعبَّد حالمةً بمستقبلي الوردي، ذلك اللون الذي يُنسب للفتاة وللدلال والراحة، حتى ارتطمتُ بالجدار الذي ظهر أمامي فجأة؛ فاضطررتُ لأن أتسلّقه وأنا أنظر إلى الملعقة وهي تسقط من فمي وتختفي في الأسفل، ثم وجدتُ بعدها الطريق وقد تحوَّل إلى ممشى من الجمرات الساخنة. أُجبرتُ أن أُكمل مسيري بسرعة فوقها وهي تلسع قدمي وتترك أثرها رماداً يُغلّفها.
أصبح كل شيء أمامي معكوساً، حتى السلالم عندما أصعدها وما أن أوشك على وصول قمّتها؛ أجدها قد انقلبت بي لتُعيدني إلى نقطة الصفر !
وعندما بلغتُ سنّ الرشد؛ جعلتني الحياة أتذوَّق نبيذ الصبر، كان طعمه مُراً وحُلواً في ذات الوقت، تجرّعتُه بصعوبة في بادئ الأمر لكن بعد ذلك أصبح الطعم المُعتاد والمميّز في حياتي، تأثيره أصاب قلبي فمنحه شعوراً بالخدر والوعي، بالاستسلام للقدر والقوّة على مواجهته.
شعرتُ بالخوف من رؤية مستقبلي المجهول، وبالطمأنينة من أنها حياة فانية، فتحتُ كفّي وعرضتُ على نفسي قراءة طالعي مجاناً وراحتْ عيناي تتحرّك مع الخطوط المتّصلة والمنفصلة عن بعضها، حتى تلاشت لتتوضّح لي بعدها خطوط زرقاء وخضراء، أحسستُ بدمي وهو يسري فيها ببطء ودفء.
لم يفارقني نبيذ الصبر حتى هذه اللحظة وأنا أحتسي كؤوساً منه كل يوم لأبلغ ذروة الصمت الداخلي وسط صخب الحياة من حولي، فيستنكر كل مَن يمتنع عن تجربة هذا النبيذ وهو يرى هالة الهدوء تحيطني وتحميني من مشاركته معتقداته وقناعاته والخوض في تفاصيل الأمور التافهة، ومَن يعتقد أن الصبر هو الانتظار بطعم الملل فقط!
أشعر بأن هناك مَن أذاب عقلي وأعاد تشكيله في مكان آخر، فتجاوزتُ الرغبة بمعرفة أسرار البشر والفضول نحو أيّ شيء يخصّهم، والذي نادراً ما كان يعتريني تجاه مَن يُلامس قلبي فقط؛ فأصبحتْ تتملّكني الرغبة بمعرفة أشياء تتوسّط الفراغ الذي يستقرّ نحوه نظري عند الشرود، وأصوات خلف الموسيقى التي تسمعها روحي.
لم يغب قلبي يوماً عن وعيه بسبب نبضه الذي لا يهدأ، وكأنه لا يريد أن يُضيّع ثانية واحدة من حياته قبل توقّفه إلى الأبد من دون أن يدق فيها كل باب موصد بداخلي لم يرَ نور الحقيقة، ولم يكتشف سرّاً جديداً يجعله يفتح جزءاً من الروح الهائمة للرغبة بالاستمرار في الجريان رغم ضيق الجدول والتوقّف والركود عدّة مرات في الطريق عند الاصطدام بالأحجار وأوراق الشجر المتفسّخة، وهنا أضع كأس نبيذي لأرتشفه حتى تعود تلك الروح للجريان بعد أن تدفع قوّة تيارها كل العوائق أمامها.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً