علي السقا

كاتب وروائي لبناني. محرر الصفحة الثقافية في موقع الميادين ومعدّ ومقدّم برنامج "حكاية أديب".

صوتك والموسيقى والابتسامة المطمئنة

وسط ضجيج الخوف، صوتان سيكونان راحتي، صوت أمّي وصوتك الذي يدخّر دفء حنجرتها.

  • صوتك والموسيقى والابتسامة المطمئنة

 

أنا عاشق للموسيقى. لا أفهم في النوتة ولا غيرها، لكني أستطيع أن أسلّم نفسي إلى الأوتار والأصابع الرؤومة التي تمسح حواشي روحي حتى ينبت لها جناحان. تمنّيت كثيراً لو كنت موسيقياً، وأعلم أني لن أكون كذلك. لكني، على أية حال، أزعم أني مستمع جيّد، وتحدوني رغبة لا تقل جموحاً، عن توقي الأول. أنّ على الموسيقيين أن يحكموا العالم . أتخيّل حينها أن هذا الكوكب ربما يصير صالحاً للحياة، وأسمع في أثناء تخيّلي ذاك، دعوات هادئة إلى بني البشر ليُلقوا أسلحتهم وحقدهم وجشعهم، ويرهفوا السمع إلى أصوات الطبيعة بدلاً من أزيز الرصاص وحشرَجة الضمائر الميتة.

أعلم أن هذا الكلام يجعلني أتلبّس هيئة الحالم أكثر مما ينبغي، وأنه سيتركني نهباً للضحك والسخرية من قِبَل أولئك الذي تلمّسوا بأيديهم، باكراً جداً، ملامح الوحوش فينا.

لكن صوتك موسيقى، يحلو لي أن أفتعل هذا الشبه بينهما، فصوتك ما زال كفيلاً بأن يردّني إلى حالتي الأولى تلك. أن أرى الموسيقى تحتوي الدنيا بحب جمّ، كما تشرِّع أم حضنها لطفلها الذي ضلّ، أن تذوب الدنيا في أعماق الموسيقى فيخبو كل صُراخ التاريخ ودموعه.

أحب صوتك كما أحب الموسيقى، له ما لها من كل أسباب الحب. صوتك والموسيقى وجها الابتسامة المُطمئنة، التي ترتسم على ثغر صغير خلف نافذة الشتاء يتأمّل قوس قزح. صوتك يد السكينة إذ تدنو من القلب وتمسّده.

أتذكّر أنني قلت لك شيئاً من هذا القبيل. أصررت حينها أن أقولها ممازحاً. لكنني أقولها اليوم ملء فمي، وفي أكثر الأوقات استثارة للخوف والقلق.

هذا الخوف الذي سيُحيلنا وحوشاً في آخر الأمر، حين سنضطر إلى اقتلاع النبتة الإلهية من قلوبنا ونقذفها بعيداً، لأنها، ببساطة الجوع ووضوحه، لا تملأ بطوننا الخاوية ولا تليّن أفئدتنا بالمسرّات العابرة، وما أكثرها.

وسط ضجيج الخوف هذا، صوتان سيكونان راحتي، صوت أمّي وصوتك الذي يدخّر دفء حنجرتها.

أظنني سأركن إلى هذا الدفء . سأكون في حاجة إليه لأجمع شتات قوّتي وأخوض المواجهة مع الخائضين. ربما لن أحصل على أكثر مما يعينني على البقاء حياً لأكفكف دموعك يا صغيرة، وأحثّك، كمهرِّج موهوب يستعرض براعته أمام مُشاهِد وحيد، على الضحك، شيء قريب مما يفعله الآباء مع صغيراتهم اللواتي لم يبلغن من أحلامهن الطويلة، إلا النذر اليسير.

حينها، كما عادتي، سأصيخ السمع، ثم أرافق صوتك في تدرّجاته من البكاء إلى الضحك.

كأنه جِرسٌ سماوي، سأتحسّس نشوء جناحين، إلى أن تستحيل روحي ريشة. لكن ريح الفلاة لن تقلبها، لأن يدين حليبيتين ستلطقتانها وتزرعانها في إناء القلب. ستعتنيا بها حتى تصبح جناحين.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً