نضال خلف

كاتب فلسطيني مقيم في بيروت

ما هي عاصمة النروج؟

-رح اختار أرجع ع فلسطين! -حلو. -أو لا لا...اختار وظيفة وعيشة زيّ الخلق.

ما هي عاصمة النروج؟
ما هي عاصمة النروج؟

جلس الكهل على كرسيّه الخشبي المرهق سانداً ذراعه إلى حائط دكّانه نصف المهدود، مغطّياً بذلك حرفاً مبهماً بدا وكأنّه نون "عائدون". وكان الكهل كعادته، يرتدي بذلته الكحليّة المهترئة وبنطاله الزيتيّ المائل إلى الصفار وحطّته المثبّتة بإتقان على رأسه بواسطة "العقال"، ويجلس على الكرسي حاني الظهر، شارد الفكر، وكأن الضجيج الذي يصدع الكون من حوله ما هو إلا سراب مقيت. أخذ يمتصّ أنفاس سيجارته المحترقة وينظر بتركيز إلى رمادها الصامد على طرفها الآخذ بالتآكل بفعل "المجّة"، فبدا وكأنه يسعى إلى إحراق الورق وإبقاء الرماد ثابتاً في مكانه. وبينما كان يمسك بسيجارته الرمادية ليحافظ على هذا الإنجاز الفريد وشبه بسمة تعتلي محيّاه، إذ بدرّاجة نارية تعبر أمامه بسرعة جنونية، فتبعث بريح عاتية تنثر الرماد في كل مكان، فيضيع الإنجاز وتختفي آثار البسمة لتحلّ مكانها تصبيحة كلّ يوم: "الله يلعنك!".

"صباح الخير عم أبو أحمد"، رمى الشاب العشريني سلامه على الكهل من دون أن ينتظر منه ردّاً، فما من فرد في المخيّم يتلقّى من أبي أحمد كلمة لطيفة أو بسمة مريحة أو أي شيء غير الشتائم المهينة والمضحكة في آن معاً. ولكن لا عتب. فقد اعتاد الناس هنا ألا يعتبوا على بعضهم البعض، كما اعتادوا أن يتركوا كلّ شيء على حاله، إذ لكل منزل قصة، ولكل قصة أزمة، ولكلّ الأزمات حلّال واحد...سبحانه وتعالى! جلس الشاب الأسمر النحيل على الحافة المتبقية من الحائط المهدود وأخرج من جيبه علبة "مارلبورو" سوداء و"دكّها" ثلاث مرّات. فالدكّة خطوة ضروريّة لكي تكسب السيجارة مواصفات "تعبئة الرأس". كانت الحافة تشرف على الطريق الرئيسي للمخيّم في ظل ازدحام الناس والشوارع: هنا أبو عبد الخضرجي يلقي بكرشه الثقيل على حضنه ويجلس منادياً على بضاعته التي كان يجبيها كلّ صباح من "الحسبة"، وإلى جواره يرفع سعيد جرّار محلّ الألبسة النسائية، فيلمع سرواله الداخلي الأحمر المطبوع بشعار ((Kalvin Klein)) فوق حرف بنطاله الأزرق الضيّق. من دون أن يلتفت إلى الشاب، رمى سعيد سلامه وبين شفتيه سيجارة:

"صباح الخير يا أزعر!"

لم يردّ الشاب السلام. لا لسوء في خلقه، بل لأنّ كلّ جوارحه كانت مثبّتة أمام شاشة هاتفه الذكيّ. راح يراقب صفحته على الفيسبوك، فيرى صورة جديدة لإبن عمّه على ضفاف نهر الراين في ألمانيا. فيفكّر. ثمّ ينزل، فيصادف صورة لفتاة أوروبيّة شقراء جميلة كُتب تحتها:

"أوجّه الشكر إلى أمك وأبيك والطبيب اللي ولّدك وكل حدا ساهم بهالشغل الحلو"

يبتسم، ويكمل مشاهداته، إلى أن تصادفه صورة تمسح البسمة عن وجهه. فيتسمّر أمامها مجفلاً. يقوم بتكبير الصورة، ويتفحّص كلّ تفصيل في وجه الفتاة السمراء المبتسمة في صورة "السيلفي" على الشاشة. إنّها هي، لا مجال للشكّ. راح يبحث في تفاصيل وجهها عن علامات دأب على تخزينها في عقله. العيون المحتارة بين الخضرة والرماد تتلألأ تحت شعر أسود فحميّ، والشفتان المتعرّجتان فوق الذقن المنبسطة تلمعان بفعل أحمر الشفاه. تبدأ الذاكرة بدورتها التي اعتاد على صريرها في دماغه، ولدقائق معدودة، ينفصل عن الضجيج المكتظّ من حوله، ولا يعود إلى هذا الكون إلّا على وقع صوت أبو سمير، سائق الأجرة، الذي ركن قرب عيسى يناظر الصورة، من دون استئذان من صاحب الهاتف. فالكلّ هنا أهل...

ولمّا تنبّه عيسى للنفس الملتصق برقبته، أنزل هاتفه، ونظر الى أبي سمير الذي غمزة وابتسم بما تبقّى في جوفه من أسنان يتيمة.

- بعدك بتحبها ولا؟

-آه والله. أبصر إذا بعدها بتتذكّرني.

-ولك بنت اللواء على شو بدّها تتطلّع فيك؟ إذا درستلّك معها كم سنة، مش معناها بتحبّك. بلاش أوهام يا خفيف.

-حلّ عنّي يا زلمي. مش ناقصك.

كان عيسى يدرك الحقيقة التي قالها أبو سمير، لكنّ النطق بها كان دوماً يسري في عروقه كالعلقم. فقد كانت نور، ابنة صاحب كاراج في الحيّ، تتعلّم في مدرسة الأونروا وتتشارك مع عيسى الصفّ والمقعد. الى أن ترقّى والدها الى رتبة لواء في الترتيبات الجديدة الصادرة من رام الله. فأصبحت مدرسة "الأونروا" صغيرة على بنت اللواء، فنقلها الى مدرسة خاصّة خارج المخيّم. وباتت نور تذهب إلى المدرسة بموكب أمني وحراسة. أصبحت الأخبار تتوالى عن الرغد الذي تعيشه عائلة اللواء في إحدى تلال المدينة خارج المخيّم، فيما انتشرت شائعات بين فتيات المخيّم بأنّ نور قد صاحبت ابن أحد الزعماء السياسيين في المدينة. لم يصدّق عيسى كل تلك الشائعات، رغم علمه بإمكانيّة وقوعها، لكنّه كان يفضّل أن يبقي على صورة نور التي عرفها في ذاكرته: تلك الفتاة السمراء الخجولة التي كانت تجلس على المقعد الحديديّ الصدئ خلف ملعب المدرسة تنتظر هروبه إليها بعيداً عن العيون. ما زالت رائحتها حيّةُ في مسامات أنفه. كيف لا؟ وهو الذي قد اشترى لها عبوة ال((شانيل)) من محلّ ((محمود Cell)) للهواتف الذكيّة مقابل كامل مصروفه الأسبوعي. وكان إذ يأتيها قبل غروب الشمس، يستعرض أمامها مسدّس أبيه، فيطلق رصاصه على قناني فارغة. وكانت نور تفزع مع كلّ طلقة. وبين استعراض الرماية ومشاركة أخبار المخيّم التي لا تنتهي، كان عيسى يُخرج من جيبه علبة السجائر التي كان يشتريها خلسةً ويُشعل سيجارة، فتعبس نور، ويبتسم عيسى ويضع يده حول كتفها البعيد ويسألها: "بتخافي عليّ؟"، فتهزّ نور رأسها وتنظر في عينيه، ثمّ تضع رأسها على صدره النحيل. يغمرها، ويتنشّق عبير شعرها الناعم. ما أعذب تلك الرائحة!

لكنّ صوتاً جهورياً خشناً سيطغى على رحلة الربيع التي يجتازها في مخيّلته:

- يا عيسى! وينك؟ ألم أقل لك أن تنتظرني عند باب المدخل؟ أبو عرب بانتظارك.

 كان هذا علي، مرافق أبو عرب، المسؤول العسكري للحيّ ومقدّم في الفصيل. لم يعلم أحد كيف حصل على على رتبته، مثله مثل معظم أصحاب الرتب في الفصيل، إذ لم يسمع أحد بإتمامهم دورات عسكرية أو قتالهم على جبهات ضد إسرائيل أو غيرها.  لكن لا بأس، فالأسئلة هنا تزيد المقت مقتاً.

-أمرني معلّم، قال عيسى لاهثاً عند وصوله إلى باب المركز العسكري.

كان أبو عرب غارقاً في تناول صحن الفول المدمّس الطافح بزيته، فانتظر إلى حين فرغ جوفه من خليط الفول والبصل والخيار والبندورة، ونظر إلى عيسى نظرة سريعة ثمّ عاد إلى صحنه يغمس فيه اللقمة بتأنّ وحرفيّة وقال:" ألم ترتدِ جعبتك بعد؟ ما بالك يا ولد؟ أمامنا نهار طويل. اليوم سيأتي وفد أوروبي سيجول في المخيّم برفقة السيّدة دليلة، وأنت تعلم من هي السيّدة دليلة. وبالطبع، سيادة اللواء سيرافقها، فإذا أردت ألّا تغضبني أو تغضب اللواء، أحسن لك ألا تفارق المركز".

إحمرّ وجه عيسى ونظر إلى المرافق الذي لم يفهم شيئاً من نظرته، فاضطرّ أن يساعد نفسه بنفسه:" ولكن يا أبا عرب، أنا لديّ عمل وأبو وليد سيقيم الدنيا على رأسي إن غبت اليوم".

 فترك أبو عرب اللقمة الممتلئة في الصحن ورمق الشاب بنظرة حادة وأجابه:

"ألا تفهم؟ أقول لك ستأتي السيّدة دليلة وسيادة اللواء، وجلّ ما تفكّر فيه هو أبو وليد؟! من هو أبو وليد أمام السيّدة واللواء؟ مجرّد ميكانيكي لديه كاراج يصلّح سيّارات لا أمل لها أصلاً بأن تخرج سليمة. أتقارنه بأولياء نعمتي ونعمتك؟ لا أريد جدالاً بعد اليوم. عندما أقول أبيض ماذا تجيب؟"

"مثل الثلج".

"وعندما أقول أسود ماذا تجيب؟"

"مثل الشحار".

"فاذهب إذاً." وأنهى أبو عرب اللقمة الأخيرة في الصحن النحاسي، ولفت انتباهه تركيز العسكري الشاب الصغير، أمجد، في صفحة جريدة بين يديه. فرفع أبو عرب حاجبه الأيمن بانزعاج وهدر بصوت خشن:

" وأنت يا أفندي؟ هل ستظل مسكوناً بقطعة القذارة هذه؟ متى نزل عليك الوحي فأصبحت مثقّفاً هكذا؟!"

ضحك الحضور على زميلهم، فأجاب أمجد:

"أعوذ بالله، أنا لا أقرأ الجرائد! لكن هناك مسابقة الفانوس السحري".

"الفانوس السحري؟ ما هذه يا ولد؟"

"مسابقة كلمات متقاطعة تليها قرعة، والفائز فيها سيربح الجائزة التي يختارها بنفسه: أطلب وتمنّى، تلقى وتتهنّى! هذا شعار المسابقة"

ردّد الشباب في القاعة توالياً:

"أطلب منهم أموالاً طائلة"

"كلا، أطلب جنسية...أو فيزا على السويد"

وساد هرجٌ ومرجٌ في القاعة أوقفه أبو عرب بصرخة "بس" من أعماق قلبه. عاد بعدها ليخاطب الحاضرين بحدّته المعتادة:

"هيه، لا أريد أية أوهام! نحن في المخيّم، الهجرة والأموال والجنسية ستظلّ في عقولكم. وإن أردتموها أصلاً، فمفتاحها يسكن في حقيبة السيّدة دليلة؛ لذلك، قوموا بواجبكم اليوم وارفعوا لي رأسي أمام الضيوف، وبلا فانوس بلا بطّيخ. هيا، اذهبوا إلى أعمالكم...بسرعة!"

خرج عيسى من المركز غاضباً، وفي طريقه إلى المنزل لاحظ أفواجاً من تلاميذ مدرسة وكالة الغوث يركضون في الزواريب، فأمسك بأحدهم وسأله ما الذي يفعلونه خارج المدرسة ظهر يوم إثنين، فأجابه الولد مستعجلاً:

"أنهينا الدوام باكراً لأن اليوم ذكرى عيد الطالب الفلسطيني... يلّا يا سماعيل، هات "الكلاشن" والحقني!"

 أكمل عيسى طريقه فإذ به يصادف الأستاذ علي، مدرّس الفيزياء في المدرسة الذي استوقفه متسائلاً:

- كيف الحال يا عيسى؟

- بخير أستاذ. عايشين. كيف أحوالك أنت؟ كيف رضاك على الأجيال الصاعدة؟

- آخ يا عيسى. أية أجيال صاعدة؟ تقصد القرود الصاعدة! يا رجل، صرت أتمنّى أن أكمل حصة واحدة من دون أن أطرد أو أضرب أحدهم. ويا ليتهم يتّعظون، تماسيح الله وكيلك! البارحة مثلاً، مصطفى إبن أبو سمير، عرفته؟ وجدت في حقيبته علبة دخان! سألته من اشتراها له، أجابني بكل ثقة أنه هو من اشتراها! إبن الصف السابع يبلع ((مارلبورو ورق))، إذا افترضنا أنّها سجائر وليست شيئاً آخر!

- لا بأس يا أستاذ. شباب ويكبر، ماذا تنتظر منهم؟

-ما علينا. قل لي يا عيسى، كيف الوالدة؟ إن شاء الله عم تتحسّن؟ وأنت؟ كيف حال العمل مع أبو وليد؟ ما زال يتسلّط عليك؟

-الحمدلله أستاذ. كل شي من الله منيح.

-الحمدلله. لقد سمعت بأن السيّدة دليلة ستأتي إلى المخيم قريباً، ربما اليوم أو غداً. صحيح هذا الكلام؟ هل أخبرك أبو عرب ما جديدها؟ يعني في قبضة مرتّبة هالمرّة؟

-الله أعلم يا أستاذ. الستّ دليلة لا تنسى أحداً من خيرها، والله يديمها فوق رأس هالحيّ. ولكن غير ذلك، عِلمي علمك.

-أعوذ بالله! أنا لم أقصد السوء. لكن المرّة الماضية، كانت "ناشفة". وأنت أدرى بحالنا. الوكالة أوقفت الرواتب والظاهر أنّتا سنُحرم التعويض أيضاً، والعمل خارج الوكالة..."من تحت الدلفة لتحت المزراب". الله وكيلك ثلاثة أيام بقينا معتصمين أمام مبنى الوكالة، ولم يرفّ لهم جفن. قال شو، "لم يعد لدينا ميزانية". بالطبع ستعجز الميزانية عندما يشتري كلّ منهم سيارة موديل ال2018!

بشرفك، إذا جاءت الست دليلة، اطرحوا قضيّتنا أمامها، لعلّها تضغط على المسؤولين الكبار ليسدّوا هذا العجز، أو لعلّها تغطّي العجز من فائض أموال زوجها!

-أستاذ أحمد...شكلك ناوي تفوّتنا بالحيط! من بعد إذنك، عندي مشوار مهم. نراك.

ومضى عيسى إلى منزله وهو يضحك في سرّه: "يريدني أن أفاتح الست دليلة بمسألة الأزمة العالمية للوكالة! هي رخصة بناء غرفة لي فوق منزلنا ومش عارف بدّي أطلب من أبو عرب تأمينها! الأخ مفكّرني خوش-بوش مع الست دليلة!

وصل عيسى إلى المنزل الإسمنتي الصغير الذي عمّره والده قبل أن يتوفّى بسنتين، وقد كان يخطّط لبناء غرفة لابنه الوحيد فوق المنزل ليتزوّج بها عندما يكبر. لكن الأقدار شاءت أن يموت الأب برصاصة طائشة فرحاً بعرس أحدهم، ليرث عيسى وأمه ديون الوالد وهمومه، ما دفع عيسى إلى ترك المدرسة والتفرّغ للعمل مع أبي وليد نهاراً، وحراسة المركز ليلاً، بالإضافة إلى بعض الأعمال الحرّة إن صحّت له. فتح عيسى باب ((الزينكو)) الصدئ ودخل إلى الباحة. المجارير قد وصلت إلى وسط الباحة...يعني ذلك أن جارهم أبو عماد لم يصلح المجرور كما وعده ليلة البارحة بعد أن عزمه عيسى على فنجان قهوة. إذاً، سيكون المجرور المكسور من نصيب عيسى، وهو الذي لا يملك وقتاً للتضييع. تسلّل إلى غرفته متّكلاً على ضجيج الباعة المتنقّلين قرب المنزل ليخفي صوت دعساته عن أمّه. ليس لأنّه لم يُرد أن تراه، بل لأنّه كانت حتماً ستجبره على إصلاح المجرور، وهو لا يملك وقتاً للتضييع. مرّ التسلّل بسلام. دخل إلى الغرفة المخنوقة بظلال جدران بيت الجيران. فتح خزانته الخشبية التي أطلقت صريراً مزعجاً، وخشي عيسى أن يكون الصوت قد وصل إلى غرفة أمّه. ولكنّه لم يسمع نداءً، فاطمأنّ وعاد إلى همّه الأساسي. أكمل فتح باب الخزانة المزيّنة بصورة الزعيم أبو قهّار بحطّته الشهيرة وبذلته العسكرية، وإلى جانبها صورة بنفس الحجم للاعب كرة القدم البرتغالي كريستيانو رونالدو، بقصّة شعره الفريدة التي ينفق على تقليدها عيسى ثلث معاشه، بالدين طبعاً. أخرج عيسى من الخزانة كنزته السوداء، وبنطاله العسكريّ الزيتي اللون وكوفيّة أبيه القديمة و((الراينجر)) العسكري الذي أمّنه له صديقه من خارج المخيّم. لبس ثيابه بصمت وظلّ يرفع طرف الكنزة على زنديه لكي يظهر وشم التنين الذي نحته له موسى، "الأخ الأكبر" في الحيّ. لم ينس طبعاً أن يفرغ ربع علبة ال"جل" على شعره للتأنّق المعتاد. فلا أحد يعلم عدد الصبايا اللواتي سيلحقن بجولة الست دليلة، ومن يدري، قد تكون أمينة بينهن!

أغلق عيسى باب غرفته بهدوء وانسلّ إلى الخارج تماماً كما دخل إلى البيت، وقد ساعده في ذلك استمرار صياح الباعة وضجيج العربات في توفير الضوضاء اللازمة لإخفاء دعسات ((الراينجر)) الثقيلة على الأرض. وما إن أغلق الباب حتى قفز أمامه شبحٌ قبيح أفزعه فأسقط سلاحه واتّكأ من رعبه إلى الحائط. لكنه عاد فنظر إلى المخلوق الذي أمامه، فزال خوفه وهدأت فرائضه.

كان هذا أبو راجح، مجنون الحيّ، وهو رجل خمسيني أكل الشيب من شعره ما استطاع، وقد طبع جبينه بجرح طويل ممتد ناتج من شظية أيام الحرب في لبنان. وقد كان أبو راجح مقاتلاً شرساً في أحد فصائل الثورة الفلسطينية على جبهاتها المختلفة: فقد ألفته تلال الجنوب، وعرفته زواريب بيروت، فرفعته تجربته بين زملائه وكان مهاباً من الجميع. وقد عُرف عنه حسن سلوكه ورفعة أخلاقه، أما جرحه، فتعدّدت الروايات حوله. فالبعض نسبه إلى غارة إسرائيلية، وآخرون نسبوه إلى عبوة ناسفة في شارع فردان، بيروت. أما القصة الأغرب والتي تناقلتها أجيالٌ متتالية في الحيّ فتفيد بأن إصابة أبو راجح ناجمة عن شظيّة قذيفة ((أر.بي.جي)) كان قد أطلقها أحد زملائه على السفينة أثناء خروج قوات الثورة من بيروت عام 1982، فسقطت شظية من القذيفة مباشرة على رأس أبي راجح، وبأعجوبة، ظلّ على قيد الحياة. أما الرواية التي نادراً ما تُروى عن أبي راجح، هي أنّه عاد إلى المخيّم من تونس ولم يجد مكاناً يعمل به. أصيبت ابنته بالتصلّب اللويحي، وبعد أن أنفق عليها كلّ ما ملك وما استطاع تحصيله بالدين، توفيت الصبيّة. ومنذ ذلك الحين، فقد المناضل أبو راجح رشده، وبات يدور في زواريب المخيّم ويغنّي بأعلى صوته:

"اشهد يا عالم علينا وع بيروت

اشهد على سوق الفدائية

دم المقاتل بعشرة يا بيروت

ودم القيادي بميّة!"

لم يوفّر عيسى شتيمة بحق أبي راجح وإناث عائلته من أم وأخت وحتى الجدّة، فكان أبو راجح يردّد الشتيمة ويضحك مبرزاً ضرسين صامدين في غابات جوفه. لكنّ عيسى كان مستعجلاً، فدفع أبا راجح بكوعه ومضى إلى الشارع العام حيث تختنق الزحمة بغبار السيارات والدرّاجات النارية ومجارير البيوت. أكمل سيره حتى وصل إلى دكّان أبو العبد، فوجده كعادته مزدحماً بالمارّة الذين يعاملونها معاملة القهوة الشعبية. دخل عيسى إلى الدكان فوجد أمجد وفي يده الجريدة، وقد تحلّق حوله كلّ من أبو العبد وسعيد، وبضع رجال من أصحاب المحال المجاورة. أما على المنضدة الرئيسية للدكّان، جلس ((الزورو))، قبضاي الحيّ، وبيده زجاجة بيرة ((ألمازا)). لم يخفَ على أحد في المخيّم مهنة ((الزورو)) الحقيقية: تاجر مخدرات وحبوب وكافة أنواع الممنوعات في المخيّم والجوار. وهو أصلاً مطلوب للسلطات المحليّة بعدّة مذكّرات توقيف. لكنّ سرّاً ما كان يبقيه بعيداً عن يد المخابرات وقوى الأمن، لا بل أنه كان يوميّاً يدخل ويخرج من المخيّم براحته، فلا يجرؤ أحد من داخل المخيّم أو خارجه على مضايقته، سبحان الله! ولما وقعت عينا عيسى على عينيه، أجفل عيسى وأشاح بنظره بعيداً ثمّ رمى سلامه على الحاضرين:

-السلام عليكم يا جماعة.

-وعليكم السلام، يا هلا بالبطل، أجاب أبو العبد.

أبو العبد، زوّدنا بعلبتين ((مارلبورو)) من بعد إذنك، لدينا اليوم نهار طويل.

قام أبو العبد إلى المنضدة الرئيسية وأخرج علبتي السجائر من تحت درج الأموال. وضعهما في كيس أسود صغير وقدّمهما لرامي الذي أعطاه بدوره ستّة آلاف ليرة لبنانية. لم يستطع أبو العبد أن يكبح فضوله، فسأل الشاب سؤالاً بدا وكأنّه يعرف إجابته مسبقاً:

- وما سرّ هذا اليوم العصيب؟ ماذا لديكم اليوم؟

-والله يا أبو العبد، اليوم ستشرّف الست دليلة وسيادة اللواء إلى المخيّم. وكما تعلم، علينا أن نبقى في مراكزنا لنثبت بأن الأمن مستتب وأن لا خوف من ((غزوات)) جديدة. بالإضافة إلى ذلك، علينا أن نكون موجودين لتأمين الطعام والشراب والحلويات...وأي شيء قد يطلبه أبو عرب.

- يعطيك العافية. تفضّل

وفي غضون ذلك، دخل إلى الدكان الشيخ عمّار، بجلبابه الأبيض ولحيته الطويلة المحفوفة الشاربين وقلنسوته البيضاء. رمى الشيخ سلامه، فجاء الردّ فاتراً من الحاضرين. أما ((الزورو)) فراح يتفحّص الشيخ الدخيل وكأنّ وباءً حلّ بالمكان. لم يكن أحد يعلم كيف وصل عمّار إلى مرتبة ((الشيخ))، فهو قد عاش شبابه طائشاً بين السلاح والحبوب وحتى الكحول، وكان لا يمرّ أسبوع من دون أن يدخل إلى السجن أو يتم توقيفه لمشكلة ما. وفي إحدى المرّات، تشاجر مع سائق أجرة في المدينة وطعنه في رجله، فشلّ الرجل وأُدخل عمّار إلى سجن رومية. وبعد أن قضى مدّة حكمه في المبنى "ب" في السجن الأكثر شهرة في البلد، عاد عمّار إلى المخيّم بجلباب ولحية و قرآن لا يفارق يديه. بعد ذلك، قضى سنين في الحيّ التحتاني، ومنذ ذلك الحين بات يعرف بالشيخ عمّار بعد أن وصلت أخبار تفيد بأنه يقود مجموعة متديّنة ((تمون)) على الفئات الإسلامية المسيطرة على الحيّ والتي تشكّل التهديد المباشر للتنظيم العسكري الأساسي في المخيّم.

 ما إن دخل الشيخ عمّار إلى الدكّان حتى وقعت عيناه على زجاجة البيرة المتعرّقة في يد الزورو، فعبس وهمس بصوت مسموع: ((أستغفر الله...أستغفر الله)). لاحظ أبو العبد أن بذرة التوتر بين الرجلين بدأت تكبر في الدكان، فتقدّم نحو الشيخ مادّاً يده بالسلام ليمنع لحظة لقاء عينيه بعيني الزورو. أبو العبد لم يفعل ذلك بسبب الغيرة على دين محمّد، كما وأنه لم ينهض من مقعده لحماية حريّة الزورو في تناول المشروب الذي يريد، لكنّه كان يعلم أن أي إشكال سيحصل في الدكان لن تسلم بضاعة من شرّه وهو في غنىً عن ديون إضافية في هذا الوقت، كما وأن المخيّم بأكمله قد لا يسلم من المجهول الذي ينتظره في حال فار غضب أي من الرجلين، ومن يدعمهما.

-السلام عليكم مولانا. كيف الصحة؟ إن شاء الله كل أمورك تمام؟

-وعليكم السلام يا أبو العبد. الحمدلله، بخير الله ونعمته.

-كيف عبد في دروسه يا مولانا؟ لعلمك أنا أنبّهه دائماً بأن يطيعك وألا يعصي لك أمراً.

-ما شاء الله عن هالعبد، صبيّ ممتاز وخلوق والإيمان يلمع في عينيه. إن شاء الله سيكون له مقام رفيع بين المؤمنين في المستقبل. عسى أن يهدي كل ضالّ..." ورمق الزورو بنظرة تحدّ، لكن الأخير لم يعر الموضوع اهتماماً. وعاد أبو العبد ليفض بذور التوتّر بدعاء "آمين يا رب العالمين".

لاحظ الشيخ عمّار انهماك الجالسين بأمجد وجريدته، فسأل عن سبب هذا الاهتمام. فأجابه أبو العبد:

-الشباب يشاركون في مسابقة الفانوس السحري.

-الفانوس السحري؟

-نعم. هي مسابقة معلومات عامة، تعبئة كلمات متقاطعة. والجائزة، كما يقولون، أيّ شيء تريده.

-أي شيء أريده؟!

خرج صوت من خارج الدكان منادياً على أمجد:" يا أمجد، لماذا لا تطلب منهم أن يعيدوننا إلى فلسطين؟"

فضحك الحاضرون إلا الزورو والشيخ عمّار الذي علّق قائلاً:

-تحرير فلسطين لن يأتي إلا إذا مشينا على الصراط المستقيم وتخلّصنا من الفسق والجور الذي نعيش فيه. إن البلاء الذي نحيا به اليوم لهو غضب من الله بسبب ابتعادنا عن سنّة الرسول صلّى الله عليه وسلّم. إن فلسطين ليست سوى نتيجة للنهضة الإسلامية الحقيقية التي ستمحي أهل الكفر وأعوانهم من على وجه الأرض.

وإذ بالزورو يتوجّه إلى الشيخ عمّار بنظرة حارقة وكأنّه كان يستمع إلى الحديث منذ بدايته، وقال:

-ومن تقصد بالكفّار وأعوانهم؟

فابتسم الشيخ عمّار ابتسامة الصياد الذي يرى فريسةً ً تقع في شركه وأجاب:

-والله يلّلي في مسلّة تحت باطه بتنعره!

فاتّقدت عينا الزورو شرّاً، لكنّ أبا العبد قبض على معصمه، فهدأ وعاد إلى نبرته الساخرة

-والله يا مولانا ناطرينك تنوّرنا...

-أقصد كلّ من يتاجر بالمخدّرات ويشجّع الناس على تحدّي الله والشريعة...هؤلاء جزاؤهم في الأرض حساباً وفي الآخرة عذاباً، ومصيرهم جهنّم وبئس المصير، وإن جلس بعضهم بيننا الآن!

فضحك الزورو ضحكة بان على إثرها سنّه الذهبيَ. ثمّ هبّ واقفاً حتى أصبحت عيناه على مستوى قلنسوة الشيخ، وقال:

-أبصم لك بالعشرة يا مولانا...ولكنّني على الأقل أتاجر بالمخدّرات والحبوب، فيما غيري، والعياذ بالله، يتاجر بالدين والرسول وحتىّ بالله نفسه! ترى من سيشتمّ دخان جهنّم قبل: أنا أم أنت؟!

واستشاط عمّار غضباً، فأراد أن يفرغ جام غضبه المدفون منذ سنين في وجه الزورو، لكن الأخير كان سبّاقاً، فوجّه إلى عمار لكمة على أنفه أوقعته خارج المحل، وتلوّنت عباءته بالأحمر. وفي اللحظة التالية، لم يدرك أحد من الموجودين ما حصل، فالحيّ كلّه بات فجأة على عتبات الدكان يتشاجر أبناؤه في ما بينهم، يكسّرون، يشطّبون بسكاكينهم، يتكتّلون فوق بعضهم. وحتّى عندما هدأت الحال وعاد الطرفان كلّ إلى موقعه، عرف كلّ من في الحيّ أن الليلة ستكون عصيبة جدّاً، فالشيخ عمّار لن يسكت على اللكمة، وداعموه في الحيّ التحتاني سيجدون الفرصة المناسبة لإثبات قوّتهم و((اصطياد)) بعض الرؤوس المناوئة لهم. أما ((الزورو)) فهو أيضاً يعلم بأن "شيوخ" الحيّ التحتاني ما عادوا ينامون على ضيم كما فعلوا منذ سنتين، وقد امتدّت أيديهم إلى كافة أحياء المخيّم، وداعموه يخشون على مصالحهم وأعمالهم، خاصةً في ظلّ انتظار زيارة الست دليلة والوفد الأجنبي. وبسرعة البرق، أغلقت المحال أبوابها ولجأ اللاجئون إلى منازلهم الركيكة، واندثرت أصوات الأطفال من الشوارع، فلم يعد في الساحات إلا شبّان يافعون يحملون أسلحتهم وعيونهم حائرة ما بين الحذر والخوف والحيرة ...والشجاعة المصطنعة.

جلس عيسى على المقعد الخشبيّ أمام باب المركز واضعاً سلاحه أمام ساقيه المتعبتين، وفي المركز جلس أمجد وبضعة شباب آخرين يحتسون الشاي، فيما ظلّ أمجد مركّزاً بالجريدة نفسها. لم يعرف عيسى ماذا كان عليه أن يفكّر بتلك اللحظة: بأمّه ((الختيارة)) التي ينهش المرض جسدها ببطء، أم بأبيه الذي أصيب أربع مرّات بمواجهة إسرائيل ولم تقض عليه إلا رصاصة طائشة من عرس في المخيّم؟ أم عليه التفكير بشقيقته التي تزوّجت سائق أجرة وسافرت معه إلى أستراليا على أمل أن يسحب الصهر العائلة اليتيمة، فلم يصل منهما إلا رسالة تشكو سوء الأحوال في الغربة؟ أم عليه التفكير ب((البهدلة)) التي سيسمعها من أبو وليد من شتائم وإهانات و((تربيح جميل)) وربما خصم أو حتى طرد من وسيلة العيش الوحيدة؟ أو ربما وجب عليه التفكير في القذائف الطائشة التي ستنهال على المركز والحيّ في حال قرّر الشيخ عمّار أن ينتقم لعباءته المتّسخة؟

غصّ عيسى بأفكاره المتشابكة، وأحسّ بثقل كئيب يحط على رأسه ونظر إلى السماء علّه يجد جواباً أو نديماً. فحالت بين السماء وبين عينيه يافطة عملاقة طُبعت عليها صورة رجل سبعيني أشيب الشعر، ممتلئ الجسم، يرتدي بذلة سوداء وربطة عنق زهريّة اللون ويحاول الابتسام جاهداً، لكنّ تورّماً في خدّه الأيسر وعينه اليسرى يحوّل البسمة، من دون أن يقصد، إلى عبوس كئيب. وقد طُبع إلى جانب الصورة علم فلسطين وتحته:

"هنيئاً لنا ولكم يا سيادة الرئيس بإعلان قيام دولة فلسطين. الشعب الفلسطيني معكم وإلى جانبكم في الحفاظ على الثوابت الوطنية وإكمال مسيرة القائد الجبّار... ثورة، ثورة حتّى النصر!"

لم يعرف رامي لماذا انتابته فجأة نوبة ضحك هستيري أفرغت بعضاً من حيرته وتوتّره. لم يكسر حاله هذا سوى فنجان الشاي الخمريّ الذي وُضع أمام عينيه. نظر حوله، فوجد أن أمجد والشباب قد جلسوا إلى جانبه، وما زالت الجريدة في يد أمجد، الذي خطف نظرة إلى وجه عيسى الحائر وقال:

-بسيطة يا صاحبي...((بتهون)). وحياتك إذا فزت بالمسابقة، سأجعلك أنت تختار الجائزة، فهيّا أخبرني...ماذا ستختار؟

-ماذا سأختار؟ لماذا علينا أن نختار، أين القدر حين نحتاجه؟

- طوّل بالك يا زلمي...يلّا قل لي، ماذا ستختار؟

-والله إن كان لي أن أختار، فسأختار أن يمنحوني مليون دولار!

لا...لا...سأختار أن أتزوّج بنت كندية مثل القمر، بركي بتعطينا جنسيّة!

أو بتعرف شو؟

-شو؟

-رح اختار أرجع ع فلسطين!

-حلو.

-أو لا لا...اختار وظيفة وعيشة زيّ الخلق.

-يا سيدي...يفصلك عن فلسطين أو عيشتك الكريمة سؤالٌ واحدٌ!

-سؤال شو يا زلمي؟

-سؤال أخو شلّيتي!

-طب شو هوّي؟

صمت أمجد لثوانٍ، وبجهد متكلّف، قرأ بما أمكنه من اللغة العربية الفصحى:

"ما هي عاصمة النروج؟"

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]