هناء جمال

صحافية لبنانية مقيمة في سوريا

في حلب ... "السلاح الأقوى" بـ 100 ليرة سورية!

ألقت الأزمة في سوريا بظلالها على أصحاب المهن في مدينة حلب. الأمر الذي دفع بعضهم إلى اللجوء لمصادر رزق أخرى، ومنها إفتتاح أكشاك صغيرة لتأجير الكتب بات يعرفها طلاب الجامعات في حلب وكل شخص محب للمطالعة، حيث توفر لهم مبتغاهم بأثمان زهيدة لا تتعدى 100 ليرة سورية للكتاب. أكشاك تمنح كل باحث عن المعرفة رصيداً يفوق ما قد يمنحه إياه المال.

"مكتبة الأمير" في حلب
"مكتبة الأمير" في حلب

منذ ستة أشهر لم يكن "أمير كربوج" صاحب "مكتبة الأمير"، وهي عبارة عن كشك عند نزلة الجامعة في حلب، لم يكن يدري أن قراراً رسمياً بإزالة جميع الأكشاك والبسطات في المدينة سيدخل حيّز التنفيذ بشكل سريع، لا سيما بعد خروج المسلّحين من أحيائها وعودة شبه تدريجية للأهالي أصحاب المحلات إلى منازلهم وأعمالهم. فقد اضطر كربوج للتوقّف فترة عن العمل لحين إيجاد المكان البديل. بعد مرور شهر استأجر زاوية داخل محل للتصوير الفوتوغرافي، لا يبعد كثيراً عن كشكه السابق، ليصبح زميلاً لثلاثة آخرين من باعة العطور ومستحضرات التجميل واكسسوارات الهواتف المحمولة. تواجدهم في المحل ذاته سببه الضائقة الاقتصادية وفقدان المقدرة على استئجار محلات مستقلّة.

فقد تسبّبت الأزمة في حلب والتي استمرت أكثر من خمس سنوات، بتغيير الأولويات لدى أصحاب المِهَن الحرّة. فبعدما كان أمير كربوج يعمل في تجارة الأنتيك والنحاسيات بقي في المنزل لفترة وجيزة يحاول التأسيس لعمل جديد، حتى خطرت له فكرة تأجير الكتب ولا سيما أنه يمتلك في منزله عدداً لا بأس به منها. مع اشتداد الأزمة سمحت الدولة بإنشاء البسطات والأكشاك تسهيلاً لحياة المواطنين قدْر الإمكان، فاستغلّ كربوج الفرصة واستأجر كشكاً قريباً من جامعة حلب. بدأ بتأجير الكتب بأسعار زهيدة إلى أن حقّق شهرة في أوساط الطلاب وأصحاب ذوي الدخل المحدود.

وحول آلية الإعارة يوضح كربوج للميادين نت إنه يأخذ من الزبون "رهنية" تعادل قيمة الكتاب، التي يُعيدها له بمجرّد استرداد الكتاب بعد أسبوع، ثم يحصل على 100 ليرة سورية. ويضيف كربوج أن لديه اشتراكاً شهرياً بقيمة 500 ليرة سورية. وحين نسأله عن المبلغ الزهيد الذي يتقاضاه يُجيب "أريد أن أشجّع الشباب وكافة الناس على القراءة، ولا سيما أن الكتب أصبح سعرها يفوق قدرتهم على الشراء".

الأمر لا يتوقّف هنا، إذ يقول إن لديه كتباً للاطفال حيث يؤجِّر ثلاثة كتب بمائة ليرة دعماً للأهالي الذين يشجّعون أولادهم على القراءة وليس لديهم المقدرة على الشراء، فــ "الحياة أصبحت مُتطلباتها كثيرة".


ربّ ضارّة نافِعة!

لاقت ظاهرة تأجير الكتب إقبالاً كثيفاً منذ العام 2013
لاقت ظاهرة تأجير الكتب إقبالاً كثيفاً منذ العام 2013

لاقت ظاهرة تأجير الكتب إقبالاً كثيفاً منذ العام 2013 حيث تعرّضت حلب لانقطاع طويل للأنترنت وحتى الكهرباء. هذا الوضع دفع الحلبيين إلى القراءة كبديل لتمضية الوقت، ويقول أغلبية أصحاب المكتبات الذين التقيناهم إن انقطاع الكهرباء والأنترنت ساهما في ازدهار الطلب على الكتب، ولا سيما الروايات العربية لأمثال رضوى عاشور، أدهم الشرقاوي، خولا حمدي وأمين معلوف.


حصَّة من "الكعكة"

بعد تحرير حلب وإزالة البسطات لم يكن إيجاد المكتبات بالأمر اليسير
بعد تحرير حلب وإزالة البسطات لم يكن إيجاد المكتبات بالأمر اليسير

بعد تحرير حلب وإزالة البسطات لم يكن إيجاد المكتبات بالأمر اليسير، لأن عدداً من أصحابها عادوا إلى مهنهم الأصلية، لتستغلّ بعض مكتبات القرطاسية وطباعة المُحاضرات ظاهرة تأجير الكتب فأنشأت قسماً لهذه الغاية. ويُعلِّل المسؤول عن هذا القسم ولاسيما أنهم على مقربة من المكتبة الأخرى، بأن "السوق يستوعب الكثير من الناس، وكل واحد له حصّته من هذه "الكعكة"".


مكتبتي قصري..

خرقي: مكان المكتبة ظلمني لبُعده عن الجامعة والمعاهد
خرقي: مكان المكتبة ظلمني لبُعده عن الجامعة والمعاهد

"هذه المكتبة هي قصري الصغير، وأنا أول من أطلقت فكرة تأجير الكتب منذ عام 2012"، هكذا عرَّف محمّد أديب خرقي عن نفسه. خرقي صاحب مكتبة "أهل الفكر" في منطقة الجميلية، التي تأسّست في العام 2002 وكانت فقط لبيع الكتب. مع دخول الأزمة استحدث خرقي نظام الإعارة خوفاً على عناوين الكتب التي لديه، وما بدأ يجده من صعوبة في ترميم النواقص وعدم توافر البديل.

وعن روّاد المكتبة يشرح خرقي أن "مكان المكتبة ظلمني لبُعده عن الجامعة والمعاهد"، لكنه يطمح لأن يحوِّل مكتبته إلى نادٍ للقراءة إذ يقول " لا أريد أن أعيف للقدر حجّة". أما عن الكتب الأكثر طلباً فيشرح خرقي "الروايات هي الأكثر طلباً، لأن مجتمعنا يعيش حالة خدر، لا يريد أن يقرأ عن الأشياء العميقة، أعتبر مكتبتي لتوعية الشباب، ومن طلباتهم على الكتب أعرف "أمراضهم"".


الرواية موضة

 الرواية "أصبحت موضة"
الرواية "أصبحت موضة"

أثناء تواجدنا في المكتبات استطلعنا آراء الروّاد عن كتبهم المفضّلة وما قدّمته لهم هذه المكتبات. رغد، طالبة الصيدلة، ترى أن ظاهرة تأجير الكتب "ساهمت في نشْر عناوين الإصدارات الحديثة، رغم ما شهدناه في حلب من حِصار. فالكتاب البالغ ثمنه أكثر من ألفيَ ليرة سورية نستأجره بمائة ليرة. هكذا عدنا للاعتماد على الكتاب الوَرَقي مكان الكتاب الالكتروني". أما أماني أيوب، الحاصلة على ماجستير في الهندسة المعمارية، فقد توقّفت عن شراء الكتب لما تسبّبه من عائق مالي، حيث استعاضت عن ذلك باستئجار الكتب ما ساعدها على قراءة عدد أكبر من الكتب، بما يربو على ثلاثة كتب في الأسبوع الواحد.

وعن عناوين الكتب المطلوبة يوضح أصحاب المكتبات إن الرواية "أصبحت موضة". أي حين ينتشر عنوان ما يتهافت الناس على طلب هذه الرواية ليتافجأ البعض منهم أنها ليست من ميوله.

وبهذا الخصوص يلفت مسؤول الكتب لدى "مكتبة الكشاف" حادثة طريفة، حيث "جاءت فتاة وطلبت كتاب قواعد العشق الأربعون لأليف شافاك"، ليتفاجأ بأنها "أعادته بعد يومين فقط، وعند سؤالي لها عن السبب، قالت لي إنها لم تحبّه. فلقد ظنّت أنه مثل المسلسلات التركية لتتفاجأ بفحواه الروحاني".

 


بيروت..حلب دُر

شحن الكتب يشكّل عبئاً مالياً
شحن الكتب يشكّل عبئاً مالياً

كما بات معلوماً للجميع فإن الطريق الدولية التي تربط حلب بباقي المحافظات ودول الجوار، كان مقطوعاً منذ خمس سنوات. فتحت الحكومة السورية طريقاً آخر شبه صحراوي هو طريق خناصر-أثريا الذي شهد معارك طاحنة، ما ضاعف ساعات التنقّل من وإلى حلب. بالإضافة إلى أجور نقل البضائع.

هذا الأمر يُلقي بظلاله على أصحاب المكتبات، ومنهم كربوج الذي يُفصح عن معاناته بهذا الشأن قائلاً إن "شحن الكتب يشكّل عبئاً مالياً عليّ، ولذلك أعتمد على معارفي الذين يسافرون إلى الشام وبيروت ليجلبوا لي معهم كتاباً أو اثنين من الإصدارات الحديثة".


مكتبات صمدت

جزء من الخراب الذي لحق بدار الكتب الوطنية
جزء من الخراب الذي لحق بدار الكتب الوطنية

لا بدّ من التنويه إلى أن هناك عدداً من المكتبات التي أسّست البنية الثقافية للمجتمع الحلبي، وفي مقدّمهم "دار الكتب الوطنية"  بقيت صامدة بالقرب من ساعة باب الفرج في حلب القديمة. ففي بداية الأزمة بقيت المكتبة مفتوحة الأبواب، لكن مع تأزّم الأمور أغقلت المكتبة ونقلت نشاطاتها إلى المركز الثقافي في منطقة العزيزية.

أما بالنسبة للكتب التي يفوق عددها أكثر من 100 ألف نسخة، فيوضح مدير المكتبة محمّد حجازي للميادين نت إنهم قاموا بإجراءات احترازية لحماية مخزن الكتب كي لا يُصيبه الضرر من الاشتباكات والقذائف ونجح الأمر. وعن نظام الإعارة يوضح حجازي إن هذه الآلية متوقّفة حالياً، لأن "صالة القراءة أصبحت غير مؤهّلة للجلوس فيها لما تعرَّض له محيط المكتبة من قذائف، ولكن مع بداية العام الجديد ستنُطلق حملة كبيرة لإعادة تأهيل وترميم المكتبة وفتحها أمام مُحبي القراءة".

وتكتفي "دار الكتب الوطنية" حالياً بإعارة بعض الكتب لطلاب الجامعات من أجل أبحاثهم.

وأبصرت "دار الكتب الوطنية" النور منذ ثلاثينات القرن الماضي، وتم افتتاحها بالكامل عام 1945، حيث تناوب على إدارتها عدد من الشخصيات الأدبية وأبرزهم الشاعر عمر أبو ريشة.

وبالإضافة إلى الدار المذكورة، هناك المكتبة الروحية التابعة للكنيسة التي تأسّست عام 1956 على يد الأب يوسف جمل. إذ إنها ورغم الأزمة لم تغلق المكتبة أبوابها أمام روّادها، لكنها قلّصت عدد ساعات الدوام، ولم تتوقّف الإدارة عن شراء الإصدارات الحديثة وإعارتها لمن يرغب بإيجار 2500 ليرة سورية سنوياً لمَن هم فوق 21 سنة، و 1800 ليرة سورية لمن هم دون ذلك.

كما أن للأرمن حصّتهم من المكتبات أيضاً. حيث انتقلت "مكتبة كريستافور" من تركيا مع هجرة الأرمن إلى حلب، وهي موجودة في نادي الأرمن في منطقة الفيلاّت وتضمّ بين رفوفها عدداً كبيراً من الكتب باللغة الأرمنية. حديثاً دخلت إليها بعض الكتب العربية التي تركها أعضاء النادي للمكتبة بعدما قرّروا الهجرة وأبوا التفريط بمكتباتهم.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]