غفران مصطفى

صحافية لبنانية ومنتجة برامج في قناة الميادين

موت الحكايات على الأسرّة المحترقة

لا ألوان في حدائق أطفال اليمن. رائحة موت عابقة في الممرات، رمادية الجدران المحيطة وأثواب الأمّهات اللواتي خرجن بها من البيت. لا يعرف الأطفال كيف يستبدل الكون ألوانه الزاهية التي يصنعها في مخيّلته في اللحظات التي تعبر فيها المسكّنات جسده، لا يعرف كيف يصير كوحش يحمل سياط الجوع والمرض طوال الوقت، بلا سبب. هكذا، لأنهم في حرب الكبار، وبهم تلهب نيرانها، وبهم تُخمد أيام قد لا تأتي بينما "يجؤرهم" الموت طوال الوقت.

موت الحكايات على الأسرّة المحترقة
موت الحكايات على الأسرّة المحترقة

لم تخبُ ابتسامتها. البنت الجالِسة على سرير المستشفى، وقد بهت جمال عينيها المفتوحتين على العوَز. لا حكاية يؤلّفها خيالها الطريّ الذي لم يختمر خبزه بعد، ولا هفوات طفولية ترميها لتشدّ إليها الناس، ولا ضحكة تكسر وحشة المكان الذي ينخر في العظام. لكنها تطرح ابتسامة خفيفة لتؤنس غربة الدفء عن وجنتيها، وتأخد لها حيّزاً في الصورة، حيث المكان الآمن الذي يسترخي فيه الموت قليلاً.

يضيق العالم في هذا المكان. كأنه القبر. تُرمى فيه أجساد حيّة كلّما بهتت وخلصت "جمالياتها" أمام الإعلام. البلد الذي يتقدّمه أطفاله في حرب دمويّة لا شيء فيها سوى عظام بارزة على الكاميرات. عظام أطفال اليمن. بينما يطوي العالم "انتصاراته" ويقلب الأمراء لياليهم على "الحرائر"، تطلعنا الكاميرات وجهاً صغيراً جديداً خائراً وهزيلاً. ينظر بصمت ويراقب. الوجع الذي يمتصّ أي قدرة على الحركة، صوت الصراخ الذي يصرع أذنيه لعُمر قادم، بكاء الأمّهات الذي يهدّم كوناً من أمانٍ أمام عينيه. فحين تخاف الأمّ أمام ولدها، يهبط ذعر العالم إلى قلبه.

لا ألوان في حدائق أطفال اليمن. رائحة موت عابقة في الممرات، رمادية الجدران المحيطة وأثواب الأمّهات التي خرجن بها من البيت. لا يعرف الأطفال كيف يستبدل الكون ألوانه الزاهية التي يصنعها في مخيّلته في اللحظات التي تعبر فيها المسكّنات جسده، لا يعرف كيف يصير كوحش يحمل سياط الجوع والمرض طوال الوقت، بلا سبب. هكذا، لأنهم في حرب الكبار، وبهم تلهب نيرانها، وبهم تُخمد أيام قد لا تأتي بينما "يجؤرهم" الموت طوال الوقت.

لا ذخيرة مغرية في جعبة الأطفال الذين يفترشون الطرقات بحثاً عن بقايا أسرّتهم الصغيرة تحت الركام. هي لحظة واحدة، يهبط فيها الصاروخ على غرف شيّدوا فيها أحلامهم المشبعة بأصوات أمّهاتهم في نهاية كل حكاية. لحظة يطلع فيها وعد الأمنيات المؤجلة مع دخان النار التي تنهب أغراضهم الشخصية. وعد جميل تحمله أكفهنّ الساخنة بينما يرفعنها إلى الله، وقبلة يحشرن فيها دعاء صادقاً بين أعينهم.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]