أمين سعدي

كاتب وشاعر عراقي

وصفوهم بالمجانين والفاشلين.. أدباء آثروا العزلة فأبدعوا

تدفعنا العزلة كإحساس مُتأصّل، إلى التحرّر من القيود في التعبير عن الذات، وإطلاق خزين مشاعرنا الداخلية، والخروج عن التفتّت الاجتماعي في مخاطبة عالم آخر من الجمهور. وهذه الآلية غالباً ما تؤدّي إلى الإبداع الذاتي، لكن كيف؟

حين تغنّي البجعة البيضاء بطريقة جميلة وتعتزل مجتمعها، فهذه الأغنية تنهي حياتها. هكذا ورد في إحدى ملاحظات ليوناردو دافنشي في تحليل للعزلة والوصول إلى العبقرية، كما يمثّل الجنين حياته الخام وانفصاله عن العالم، ثم البحث عن الصلات الإنسانية عندما يبدأ بالنمو ويكبر، ليصل في النهاية إلى عزلته الخاصة ووعيه بالذات.

تدفعنا العزلة كإحساس مُتأصّل، إلى التحرّر من القيود في التعبير عن الذات، وإطلاق خزين مشاعرنا الداخلية، والخروج عن التفتّت الاجتماعي في مخاطبة عالم آخر من الجمهور. وهذه الآلية غالباً ما تؤدّي إلى الإبداع الذاتي، لكن كيف؟

 


بيسوّا والأنداد السبعون

بيسوّا والأنداد السبعون

لم تكن حياة الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا (1888 - 1935) سهلة مُنسابة، بل تخلّلها الكثير من الصعوبات والأحداث المُفجِعة. كوفاة والده ثم أخيه بعد سنة، وزواج والدته وانتقالها إلى جنوب أفريقيا، ثم عودته إلى لشبونة عام 1905، ومشاركته بتظاهرة طلابية ضد رئيس الوزراء البرتغالي جواو فرانكو التي وضعت حداً لحلمه الدراسي وأجهضته تماماً.

منذ طفولته اخترع بيسوا شخصين خياليين كي يساعداه على العيش. لكن الشخصيات الخيالية التي ابتدعها لاحقاً في حياته الكتابية، بلغ عددها 72 شخصية أبرزهم ألبرتو كاييرو وألفارو دو كامبوس وبرناردو سواريش، ولم يخصّ نفسه إلّا بعمل واحد ونصوص متفرّقة، ما جعله ظاهرة أدبية غريبة.

يوميّاته "الكاتب المُختبئ وراء أنداده السبعين" ترجمة المهدي أخريف، تكشف عن التناقضات الحادّة التي تنطوي عليها شخصية بيسوا المُعقّدة، فهو ميّال للعزلة، ويجد ضالّته في القراءة والتأمّل، بعيداً عن المجتمع وحتى الوسط الأدبي. وكان يتساءل بحرقة: "لماذا نصفي معارض لنصفي الآخر؟ ونصرُ أحدهما هو هزيمة للآخر؟"(ص24).

إن عزلة بيسوا في يومياته ومذكراته، ورغم معاناته من مرض اضطراب ثنائي القطب، عوّضت حبيبته الواقعية بعشيقة حُلُمية، وأبدلت أصحابه الواقعيين بأصدقاء افتراضيين.

ويقول في كتاب اللاطمأنينة:"عزلتي ليست بحثاً عن سعادة لا أملك روحاً لتحقيقها، ولا عن طمأنينة لا يمتلكها أحد إلا عندما لا يفقدها أبداً، وإنما عن حلم، عن انطفاء، عن تنازل صغير".

وبعد 30 عاماً على وفاته في العام 1968 اكتُشفت "الحقيبة السحرية" لمخطوطاته (27423 نصاً أو وثيقة) هي أعماله الكتابية كلها التي كان وزّعها ونشرها بأسماء "أقرانه" السرّيين المُخترَعين. كأنه في هذا أراد أن يكون المحور السرّي لـ"الحركة الأدبية البرتغالية الحديثة" في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين.

وكثيرون هم من اعتبروا بيسوا عاجزاً في جوانب الحياة، وفاشلاً مثلما صنّف فرانز كافكا، استناداً إلى علاقاته الهشّة وعزلته. إلا أنه أثبت تميّزه شاعراً جميلاً يقول:

الزهرة التي تقطف

لا تحيا طويلاً

لا أحد ينظر إليك

لا يرغب في قطفك

***

النوارس، أيضاً وأيضاً،

تطير من النهر إلى البحر ..

تسحرين من دون أن تقصدي؟

إذ ليس ضرورياً أن تطيري


سالينغر يكتب بمفرده كلياً

سالينغر يكتب بمفرده كلياً

1000ياردة تأخّر جيروم ديفيد سالينغر عن زملائه الجنود خلال حملة النورماندي ضد ألمانيا في الحرب العالمية الثانية - أغلبهم قتلوا أمام عينيه  – كانت كفيلة كتجربة حربية بأن تقلب حياته إلى أحد أفضل الروائيين الأميركيين في القرن العشرين، بعد أن اختار التأمّل في بيت صغير، بعيداً عن عائلته، ليكتب القصص القصيرة الكثيرة، وروايته المشهورة التي بيع منها أكثر من 65 مليون نسخة "الحارس في حقل الشوفان"، تدور أحداثها عن اليأس والعزلة خلال فترة المراهقة، وتعالج قضايا مُعقّدة مثل الهوية والإنتماء والخسارة والعلاقات.

تجنّب سالنغر الشهرة والأضواء التي جلبتها الرواية له، وفضّل العيش منعزلاً ومتوحّداً طيلة حياته الباقية في بلدة صغيرة في نيوهامبشر، ليكتب لنفسه فقط وبمفرده كلياً كما قال خلال مقابلة أجرتها معه صحيفة "بوسطن صنداي غلوب" في العام 1980 .

إن عزلة سالنغر الاجتماعية، وضعته في النهاية بروايته المشهورة وقصصه الكثيرة، مرجعاً مقدّساً لجيل المراهقين الغاضبين في أميركا، ومقرّراً رئيسياً في كثير من مدارس وكليات تعليم اللغة الإنكليزية.

لنضف إلى ذلك تحوّل حياته إلى عمل درامي وسيرة ذاتية في فيلم يحمل عنوان "ثائر في حقل الشوفان - Rebel in the Rye" من كتابة وإخراج داني سترونغ، مُقتبَس من كتاب "J. D. Salinger: A Life" لكينيث سلاوينسكي.


كافكا... رؤية سوداوية للإنسان

كافكا ... رؤية سوداوية للإنسان

يقول فرانز كافكا في إحدى رسائله إلى حبيبته فيليس باور (براغ 21/22 و23 حزيران/يونيو 1913 ):" ... ستكونين، بعدئذ، في عزلة رهيبة يا فليس، سوف لن تفهمي كم أحبّك وسيكون صعباً عليّ أن أظهر لك كم أحبّك. ورغم ذلك، ربما، سأكون لك بشكل خاص جداً، اليوم ودائماً. ما رأيك إذاً.. في الرجل الذي ينام حتى 7 أو 8 صباحاً، يأكل شيئاً ما بسرعة، يتنزّه ساعة ثم يبدأ بالكتابة حتى 1 أو 2 ليلاً. هل ستتحمّلين كل هذا؟ من الرجل الذي سوف لن تعرفي عنه سوى أنه يجلس في غرفته ويكتب؟ ويقضي الخريف والشتاء على هذا المنوال؟ هل هذه حياة ممكنة؟".

عاش الكاتب التشيكي كافكا في ظلّ سطوة الأب القاسي هيرمان. لم يكن سعيداً في عمله أو داخل جسده الواهِن، ولم يكن عموماً يشعر بالرضا عن ذاته. اختار رمي نفسه نحو الكتابة في عزلة عاطفية واجتماعية تمثّل شرخاً كبيراً في علاقته بالعالم، فالعالم الذي عاشه هو نفسه الذي بناه .. الغربة الخانِقة المجرّدة من الإنسانية.

إن عزلة كافكا كانت واضحة جداً في جميع أعماله الأدبية، أعطت القارئ إحساساً عالياً وعميقاً بالمرارة والظلمة، كما في روايته "المسخ" حيث يقدّم رؤية سوداوية للإنسان، يصحو الموظّف المُبتئِس بوظيفته وأرهقه ضغط احتياجات أسرته، حيث يعول والديه وأخته. يصحو ليجد نفسه يُعامَل كحشرة كبيرة تشبه الخنفساء، ويتحوّل من مصدر احتفاء إلى مصدر إزعاج.

ساهمت هذه العزلة عند كافكا بشكل كبير في الوصول إلى أفكار لم تكن متاحة، في فضح القهر وتعريته، ليصل إلى الإبداع الأدبي، في فيض من الشعور لا يمكن البوح به، يعبّر عن محاولة الولوج إلى الخلود، في قلعة من الكلمات تقدّم الخلاص للكاتب من عجزه أمام هزلية الواقع وتفاهة العالم. و "كشكل من أشكال الصلاة" كما يقول.


الغزالي... من لم يقرأ الإحياء فليس من الأحياء

الغزالي ... من لم يقرأ الإحياء فليس من الأحياء

قدّم الفيلسوف الإسلامي أبو حامد الغزالي تجربة مُلهِمة في الاعتزال؛ حيث ترك حياة التدريس والمُناظرات والمُناكفات مع الشيوخ والطلاب عشر سنين، وعبر الصحراء وحده بحثاً عن ذاته؛ متأمّلاً في وجوده، حتى أخرج موسوعته "إحياء علوم الدين"، كأحد أهم الكتب في عِلم التصوّف، حتى قيل عنه: "مَن لم يقرأ الإحياء فليس من الأحياء!".

الغزالي في هذا الكتاب يضع فوائد العزلة على الإنسان، في الخلاص من الفتن وشرّ الناس والخصومات، وصون الدين والنفس، والتفرّغ للفكر، ويقول أيضاً عن العزلة:

لستُ أخلو لغفلةٍ وسكون

وفرار من الورى وارتياح

إنما خلوتي لفكرٍ وذكـــر

فهيّ زادي وعُدّتي لكفاحي

وهناك الكثير من الأمثلة على الفن المُستلهَم من العزلة، بما في ذلك، فلاديمير نابوكوف، وإميلي برونتي، ووالت ويتمان، وغيرهم.

ولا ندري إن كانت أسلوباً فنياً، لكنها تبقى - بغضّ النظر عن أسبابها سواء كانت اختيارية أو اضطرارية - ذات رونق وسحر في جعل النفس البشرية أكثر صدقاً مع الواقع، حيث لا مكان للخوف، بل مكان للشفاء، مكان للتذكّر، بعيداً عن التعقيدات ومشاكل العالم والإنسانية، كما يقول بليز باسكال، الفيلسوف الفرنسي: "تنشأ كل مشاكل الإنسان من عدم قدرته على الجلوس وحده في غرفة هادئة لفترة كافية من الزمن".

وللعزلة أثر مؤكّد في الاستكشاف الداخلي للشخصية، ودراسة الأفكار الخفيّة، وتحقيق الحرية الوجدانية الخاصة، ومراجعة الاعتقادات الخاطئة، وبالتالي التأثير الإيجابي في الأعمال الأدبية والإبداعية.


المصادر