أمين سعدي

كاتب وشاعر من العراق

رغم إنتقادهم لعبوا دوراً كبيراً في التاريخ الإسلامي ... فمن هم الدراويش؟

رغم تباين الآراء حولهم، إلا أنهم يمتدون عميقاً في التاريخ الإسلامي. الدراويش الذي يصفهم البعض بممارسة طقوس "غير منضبطة وخدع زائفة"، لعبوا دوراً كبيراً في مواجهة الهجمات الإستعمارية ضد بلادهم. فمن هم الدراويش؟ وما هي طقوسهم وتاريخهم؟ وأين أصبحوا اليوم؟

لوحة مغولية رسمت عام 1650م، لدرويش يجلس مع نمر وأسد
لوحة مغولية رسمت عام 1650م، لدرويش يجلس مع نمر وأسد

برائحة الخبر وصوت النار، بروح وجسد واحد يكبر، طريقه طويل، مفتوحة أبوابه قبل أن تطرق، بتسامح لا محدود، باحث عن العلم، وأسرار العشق الإلهي، مفضوح بدمعته وحبه العذري، سائر نحو هزيمة النفس بإزالة الغرور. إذا رأيت هذا الشخص يقبّل يد شخص آخر عندما يلتقيه، أو يلثم رغيفاً من الخبز، أو ملعقة قبل تناول الطعام، فتأكّد أنك تشاهد درويشاً.


التعريف والتسمية

رغم إنتقادهم لعبوا دوراً كبير في التاريخ الإسلامي ... من هم الدراويش؟
رغم إنتقادهم لعبوا دوراً كبير في التاريخ الإسلامي ... من هم الدراويش؟

يُعرَف الدرويش بأنه الفقير، المعوز، الزاهد، المتسوّل، المتعاطف والمنعزل على الطريقة الصوفية في أولى درجات الترقّي في التطوّر الروحي.

أما التسمية، فتعود إلى مصادر عديدة منها المصدر الفارسي "در" وتعني الباب أو من كلمة "دريهو - driγu" وتعني المعوز، مع كلمة "ويش - wish or wesh" والتي تعني (أكثر وكثير). ومنها المصدر العربي "دار" والتي تعني المنزل. ما تعطي معنى الشخص الذي يفتح الباب ويدور من دار إلى دار طلباً للإحسان والعلم، أو شخص ينتقل من باب إلى باب ويغنّي ثم يحصل على المال ويستيقظ الناس.

في التاريخ الإسلامي تم تطبيق مصطلح darvīš في اللغة الفارسية و "Dervish" في اللغة التركية، على المطالبين بالبحث عن سر العشق الإلهي وبفضيلة الفقر الروحي، غير المرتبطة بالفقر المتعمّد بشكل سلبي، أو بأشكال الصوفية غير المنضبطة.

وبحسب كتاب "الفارسية الوسطى: أعمال الدين - "DĒNKARD الملخّص للمعرفة الدينية في القرن العاشر، يتميّز الدرويش في المقام الأول بالتصرّف الودّي، والرضا، والاعتدال في الحياة، والفقر.

ويصف أبو الحسن الخرقاني (المتوفى في 1034م) الدراويش بأنه "محيط يتغذّى من ثلاثة مصادر: الامتناع عن العمل، الكرم، والحرية عن الحاجة". ويتحقّقون بقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ. وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فلا يطلبون سواه.


الأصول والفِرَق

اعتُمدَت الدروشة في الطُرق الصوفية القادرية والرفاعية والمولوية البكتاشية والسنوسية. والتي انتشرت في شمال أفريقيا، تركيا، بلاد البلقان، الصين، فارس، الهند، أفغانستان وطاجيكستان، الشام والعراق، وهنا أشهر فرقها:

القادرية: تنتسب إلى عبد القادر الجيلاني (471 هـ - 561 هـ)، وكان لرجالها الأثر الكبير في نشر الإسلام في قارة أفريقيا وآسيا، وفي الوقوف في وجه المد الأوروبي نحو المغرب العربي.

الرفاعية: تُنسب إلى الفقيه الشافعي الأشعري، أحمد بن علي الرفاعي (512 هـ - 578 هـ) الملقّب بـ "شيخ الطرائق"، وترفع راية تميّزهم عن باقي الطُرق. لكن أتباعها قاموا بأفعال عجيبة كاللعب بالثعابين، وركوب الأُسود، والدخول في النيران.

المولوية: مؤسّسها الشيخ جلال الدين الرومي (604 هـ - 672 هـ). وهو أفغاني المولد ومتوفى في تركيا، اشتهرت مؤسسته بالتسامح مع "أهل الذمّة" ومع غير المسلمين أيّاً كان معتقدهم وعرقهم، وساهمت في نهج الاعتدال.

البكتاشية: تُنْسب إلى الحاج بِكْتَاش وَلِيّ (القرن السابع الهجري) انتشرت في الأَناضول، ثم في ألبانيا. وتميل هذه الفرقة إلى ذكر الإمام علي  وذريته ولا تزال موجودة في البلقان حيث يقيم زعيمهم الروحي في تكية تيرانة.

السنوسية: فهي حركة إصلاحية توجد في ليبيا والسودان تأسّست في مكّة عام 1837. وتميّزت بفاعلية أهدافها ومراكزها الدينية في شمالي أفريقيا والسودان والرأس الأخضر، وبعض البلدان الإسلامية الأخرى.

 


الممارسات الدينية

يمثل الذِكر جوهر الممارسة الصوفية، منذ تطوّرها في القرن الثاني الهجري، وتعني كما وردت في القرآن الكريم عبادة الله، كما يورد المستشرق تريمنغهام إنها ترتبط أيضاً بكلمة (ذكران) التي استخدمها السريان بالمعنى ذاته.

وتختلف ممارسات الدراويش الدينية بحسب الطُرق الصوفية، فمنهم وخاصة المولوية من يتّخذ الرقص والموسيقى تعبيراً عن مُناجاة الخالق والتحرّر من الجسد وهو ما يُعرَف بـ "سيما"، التي أسّسها مولانا جلال الدين الرومي، ويكون بالدوران حول النفس والتأمّل، ومن مفهوم دوران الكواكب حول الشمس مع ذكر الشعر المتضمّن العشق الإنساني للخالق.

وهكذا يقول الشاعر ويليام بتلر ييتس 1865 وهو من كتّاب المذهب الصوفي الإيرلندي والمتأثّر بروحية التصوّف الشرقي:"والآن لعلّني أذوي وأصبح الحقيقة"، حيث يعتبر المتصوّفة فناء الجسد، حقيقة الحقائق.

ومن الدراويش من يمارس طقوساً عُدّت لدى أهل العلم بأنها غير منضبطة وخدع زائفة، كالمشي على النار وطعن الجسد وضرب السيوف وأكل الزجاج وثقب اللسان أو الخد أو الصدر، خاصة وأن هذه الطقوس ظهرت في العراق والهند والسودان لدى بعض فروع الطريقة القادرية.

 


دولة الدراويش

لوحة قديمة لجيش الدراويش وهو يقاتل الجيش البريطاني
لوحة قديمة لجيش الدراويش وهو يقاتل الجيش البريطاني

أسّس محمّد عبد الله حسن مطلع القرن الـ20، وهو زعيم ديني محلي دولة الدراويش، وهي دولة إسلامية جمعت الصوماليين في جيش كبير.

تمكّن هذا الجيش من السيطرة على الأراضي الواقعة تحت حكم السلاطين الصوماليين وإثيوبيا والقوى الأوروبية.

وحازت هذه الدولة شهرة واسعة في العالم الإسلامي بسبب مقاومة الامبراطوريتين البريطانية والإيطالية. كما كانت حليفة للإمبراطوريتين العثمانية والألمانية. لكن دولة الدراويش وبعد ربع قرن من التحكّم البريطاني في الساحل، هزمت في العام 1920.

 


كيف اهتمت أوروبا بظاهرة الدراويش؟

صورة بطاقة بريدية
صورة بطاقة بريدية

بعد سقوط القسطنطينية بيد العثمانيين في العام  1453م، وبعد استمرار توغل الجيوش العثمانية في عمق أوروبا وبلوغها أسوار ڤيينا في العام 1529م أول مرة. كان شيوخ الطرق وقادة الدراويش الصوفيين يشكلون القوة الروحية الدافعة للجيوش العثمانية. خصوصاً وأن محمد الثاني (الفاتح)، ومن بعده ابنه بايزيد قد أطلقا كل الأبواب لإقامة التكايا التي أصبحت بشيوخها ودراويشها رديفةً للمدارس ومعلميها في الإمبراطورية.

ومن هنا اهتم الباحثون الأوروبيون بظاهرة الدراويش والطرق الصوفية منذ القرن الــ 16 خلال دراساتهم المتعلقة في الحياة العثمانية، كما صارت زيارة تكاياهم ومشاهدة طقوسهم مبتغىً لكل زائرٍ أوروبي. هكذا أصبحت صور الدراويش تحتل البطاقات البريدية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر في أوروبا في تعبير عن انتشار الإسلام هناك.

أَندرياس إسلر، أحد الباحثين في متحف علم الأعراق بجامعة زيورخ في سويسرا، قدم أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه بعنوان:"رؤى ومشاهدات: الدراويش في الوعي الغربي خلال العصر الحديث المبكر". والتي احتوت على مقتبس الكاتب النمساوي فرانز ڤيرفل، الذي يصف فيه تفصيليًّا إحدى حلقات الذكر التي حضرها شخصيًّا في أحد جوامع أحياء القاهرة، حيث يقول:

"لا أفهم ما علاقة تلك الجوامع (…) بهذه الطاقة التي تحول المتدينين إلى دراويش؛ إلى مقاتلين أشداء أخضعوا يوماً ما نصف العالم لسيطرتهم، ينبغي عليَّ هنا أن أتعلم كيف أفهم تلك الطاقة بشكلٍ أفضل".

وتناول إسلر في أطروحته ما جاء في كتاب "الإبحار في الشرق" أو "رحلة الى تركيا" للفرنسي نيكولاس دو نيكولاي عام 1567 في توضيح مصطلح الدراويش وتنقيته من سوء الفهم الأوروبي، الذي وضعهم تحت مسميات "جماعة التسول الاسلامية" و"الدوارين" و"الراقصين" و"النائحين" ليصوغ لنا مفهوم "الجماعة الاسلامية التي أقسمت على الزهد" وأثرت في انتشار الحضارة الاسلامية، والتأثير حتى على الازياء في جميع أنحاء أوروبا آنذاك من خلال ما نقلته رسوم نيكولاي.

 


الدراويش في العصر الحديث

رقصة الدراويش المولوية
رقصة الدراويش المولوية

هم أناس عاديون، كأي إنسان آخر، بعضهم طلاب، وبعضهم موظفون، والبعض الآخر من رجال الأعمال، وآخرون متقاعدون، لكن إذا رأيت شخصاً منهم يقبل يد شخص آخر عندما يلتقيه، أو يقبل رغيفاً من الخبز، أو ملعقة قبل تناول الطعام، فتأكد أنك تشاهد عشق الزاهد في حب الله.

فاروق حمدان شلبي، الحفيد الــ 22 لجلال الدين الرومي ورئيس المؤسسة الدولية للمولوية التي تأسست 1996م يقول: "على الرغم من أن الصوفية لها شعبية كبيرة جداً، وخاصة في تركيا، إلا أن مضمونها الحقيقي غير معروف حقاً لدى أغلب الأشخاص".

في منتصف كانون الأول/ديسمبر  من كل عام يتجمهر آلاف من الناس والسياح الأجانب، وخاصة في مدينة قونية التركية، لرؤية عروض الدراويش المولوية خاصة الرقصة الدائرية والتي تعني "رحلة الصعود الروحي" مع الموسيقى وإنشاد أشعار جلال الدين الرومي، وهم الآن الأكثر شهرة في العالم في إقامة العروض في تونس والمغرب ولبنان ومصر وبلغاريا ومقدونيا وبلدان أخرى.

ومن أشعار مولانا المنشدة:

تعال تعال

تعال واقترب

كم ستستغرق هذه الرحلة؟

ما دمتَ أنت أنا؟ وأنا أنت

ماذا تعني أنا وأنت بعد اليوم

نحن نورُ الحق

مرآةُ الحق

إذن لماذا الشجار بيننا دائماً؟


المصادر

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]