سهى صباغ

كاتبة لبنانية

تحيّة للعلماء في بلاد تشتهر بهجرة الأدمغة وتفوّق الفساد

ترعرع "حسن كامل الصبّاح" 1894_1935 بأجواء عائلة مستنيرة، وبدأت علامات النّبوغ تظهر عليه وهو في الخامسة من عمره. وقد أدهش أهله حين شاهدوه قد أدخل البيضة في قارورة زجاجيّة بعدما نقعها في الخلّ، وبعد قليل عادت إلى طبيعتها. محاولة أخرى، تقول والدته، بأنه دخل إلى غرفته ومعه رزمة من الورق، وبقي حتى هطول الليل. خرج حاملاً بالوناً كبيراً من الورق وبداخله شمع مضيء، ثم أفلته من يده لينطلق في أجواء بلدته النّبطيّة جنوب لبنان. يخرج الناس من منازلهم ليشهدوا الأعجوبة التي تنطلق في الفضاء، وهو يصرخ ويقول: "أمي سأصل بمثله إلى القمر والمرّيخ".

"كانت أمي تجلس في فناء الدّار، وتحدّثني عن أمجاد العرب، وأنا أردّد أبيات أبي العلاء المعرّي، وأبحث عن النّجوم التي ذكرها في قصائده".. هذا ما ذكره عالم الفيزياء "حسن كامل الصبّاح" في مذكّراته. تحضرنا ذكراه، هو وغيره من العلماء النوابغ، على وقع خبر مقتل أو "اغتيال" شابين لبنانيين متفوقين، "حسن علي خير الدّين" الذي قُتل طعناً في كندا، وبقيّ ينزف في غرفته داخل السّكن الجامعي، حتى الرّمق الأخير.

خير الدّين 23 ربيعاً، لم يُنجز أطروحته، حول سيطرة اليهود على مقدّرات الاقتصاد في العالم، وكان من أبرع الطلاب في مجال تخصّصه بمادة الاقتصاد. تميّز بالذكاء منذ صغره، ونال لقب العبقري في أحد البرامج التلفزيونيّة، كان حسن يحلم أن يعود إلى بلده ويحارب الفساد، فعاد جثمانه ليدفن في مجدلون_ البقاع اللبناني، ولولا الفساد لمَ لجأ حسن للدراسة بعيداً عن بلده، فقتله قبل أن يحاربه هو.      

الشّاب "هشام مراد" 22 عاماً، وجد مقتولاً في فرنسا، بعد سقوطه عن شرفة منزله، وكان يتابع دراسته الجامعيّة، في اختصاص الفيزياء النوويّة بمدينة غرونوبل. شاب متفوّق وواعد، وقد وضعت الشرطة الفرنسيّة فرضيتين، القتل أو الانتحار، وقد رجّحت الأخيرة كالعادة..

 

 


"أمي سأصل إلى القمر"

الصبّاح كان يتمتع بحس قومي ووطني كبيرين، وكان مؤمناً بأن المستقبل بيد العرب
الصبّاح كان يتمتع بحس قومي ووطني كبيرين، وكان مؤمناً بأن المستقبل بيد العرب

ترعرع "حسن كامل الصبّاح" 1894_1935 بأجواء عائلة مستنيرة، وبدأت علامات النّبوغ تظهر عليه وهو في الخامسة من عمره. وقد أدهش أهله حين شاهدوه قد أدخل البيضة في قارورة زجاجيّة بعدما نقعها في الخلّ، وبعد قليل عادت إلى طبيعتها. محاولة أخرى، تقول والدته، بأنه دخل إلى غرفته ومعه رزمة من الورق، وبقي حتى هطول الليل. خرج حاملاً بالوناً كبيراً من الورق وبداخله شمع مضيء، ثم أفلته من يده لينطلق في أجواء بلدته النّبطيّة_ جنوب لبنان. يخرج الناس من منازلهم ليشهدوا الأعجوبة التي تنطلق في الفضاء، وهو يصرخ ويقول: أمي سأصل بمثله إلى القمر والمرّيخ.

كان الصبّاح يتمتّع بحسّ قومي ووطني كبيرين، وكان مؤمناً بأن المستقبل بيد العرب، كونهم يملكون طاقات وموارد هائلة، إضافة إلى خلفيّة حضاريّة عظيمة، وكان مؤمناً أن لا إستقلال إلا بالتقدّم العلمي. كان طموح الصبّاح دراسة الهندسة الكهربائيّة في الجامعات الغربيّة، والعودة إلى وطنه للقيام بمشاريع على نهر الليطاني، بهدف توزيع المياه على القرى الساحليّة وتوليد الطّاقة الكهربائيّة منه. إلى حدّ الآن، لا زال الوطن يعاني من انقطاع في التيّار الكهربائي، والشعب يعاني من أزمات كبيرة في المياه، ومشاكل تلوّث وغيره..


كتب إيليّا أبو ماضي: نبيّ في غير وطنه

سافر الصبّاح إلى أميركا، وكعادته في استباق الأمور فقد اكتشف كما يروي برسائله، معاناته من حربهم النّفسيّة عليه، ومحاولات لطمس اختراعاته أو سرقتها يقول: إنّهم قوم ذوو شعور غليظ لا يعرفون الشّعور السّامي، والأغلبيّة السّاحقة منهم يكرهون الشّرق والشرقيين.

عانى المخترع الكبير حسن كامل الصباح مادياً. كان يشتغل في شركة جنرال إلكتريك. يستفيدون من اختراعاته، ولا يدفعون له إلا أقل من القليل. كتب عن معاناة الصبّاح، الشّاعر "إيليّا أبو ماضي" مقالة بعنوان "نبي في غير وطنه": الموهوب الذي يولد قبل زمانه، أو في غير مكانه يعيش غريباً ويموت غريباً، وكثيراً ما اضطهد كأنه عدو أو مجرم.. لو كان فرنسياً أو إنكليزياً أو أميركياً، لكان اسمه ملأ الأفواه، وسيرة حياته ملأت الكتب.. بالرغم من الفوائد التي تجنيها الشركة من اختراعاته، ويتمتّع بها القوم الذي يعيش بينهم،لا يستطيعون أن ينسوا أنه غريب، حتى وصل بهم الأمر أن شكّكوا بجذوره العربيّة، فكيف يكون عبقرياً وعربي؟!.. بقي الصبّاح محروماً من زيارة أهله، خشية من سرقة اكتشافاته وطمس اسمه، ويبقى بلا عمل (فهل في بلاده مختبرات وفرص لعبقري؟) بينما شركات كبرى في أنحاء مختلفة من العالم كانوا يتمنون التعامل معه لكن دون إعطائه الثّمن الذي يستحقّه.


اكتشف الطاقة الشمسية واستنجد بالعرب

بعد أن نال أخيراً لقب "فتى العلم الكهربائي" الذي لا ينالها إلا النوابغ، بدأ الاتصال بالدول العربيّة، خاصّة بعد أن توصل لاختراع يعمل على استغلال الطّاقة الشّمسيّة، وتحويلها إلى طاقة كهربائيّة. كان طموحه أن ينير الصحراء. قرّر أن يتعلّم الطيران بعدما استشعر الخطر، لكي يهرب من ظلم الشركات التي تستغله، والعودة إلى الوطن كي يُستفاد من اختراعاته، حتى جاء ذاك الحادث، وكُتِبَ التقرير الشّرعي، الذي لم يُحدّد سبب الوفاة، كما حصل مؤخّراً مع الشّابين (خير الدين ومراد).

في الحفل التأبيني للصبّاح، الذي أقامته الجاليات العربيّة، بعث الرئيس روزفلت إكليلاً من الزّهر كتب عليه "من الحزين روزفلت" وأقرّ رجال العلم في أميركا أن غياب الصبّاح أحدث فراغاً عظيماً في العالم، وبعد 10 سنوات على وفاة الصبّاح، أعلنت المحافل العلميّة الأميركيّة بأنها تستمدّ الطّاقة من الأشعّة الشمسيّة اعتماداً على الاختراع الذي صمّمه الصبّاح، وما لم يُقَرّوا به أكثر بكثير.. حين أعيد جثمان المخترع الكبير إلى وطنه، لم تبدِ رجالات السلطة أي اهتمام، ولا زالت السلطات على أصالتها.         

 


"رمّال حسن رمّال" والطّاقة البديلة في أوروبا

من ألمع اختصاصيي الفيزياء في القرن العشرين. رمّال رمّال 1991_1951
من ألمع اختصاصيي الفيزياء في القرن العشرين. رمّال رمّال 1991_1951

من ألمع اختصاصيي الفيزياء في القرن العشرين رمّال رمّال 1991_1951.

وكأنه يستكمل ما بدأه الصبّاح، من أبرز اكتشافاته، الطّاقة البديلة أو الطاقة النظيفة والمتجدّدة باستخدام الطّاقة الشّمسيّة، والكهرباء الجويّة، والطاقة الصّادرة عن الأجسام الطبيعيّة. حينها في الـ1973، عرفت أوروبا مصادر الطاقة البديلة، خاصّة بعد تهديد العرب بتخفيض انتاجها من الزيت الخام كردِّ فعل لسياسة أوروبا الداعمة لإسرائيل.  

في الثامنة عشرة من عمره سافر رمّال إلى فرنسا، ليتابع دراسته ويبدأ مشواره العلمي. حاز على شهادة كفاءة في الرياضيّات البحتة، وفي الرياضيّات التطبيقيّة من جامعة فوربيه في غرونوبل 1973، وفي ال1977 حصل على شهادة الدكتوراه في الفيزياء، وفي الـ 1981 دكتوراه دوليّة من الجامعة نفسها بالإضافة إلى تكريمه بالعديد من الجوائز والميداليّات، وأعطته مجلة العلوم والأبحاث الأميركيّة في العام 1984 لقب أصغر عالم في جيله. أمّا بلده الأم فقد منحه وسام الأرز من رتبة كومندور "بعد وفاته".

توفي في ظروف غامضة عام 1991 في فرنسا، ودُفِن في مسقط رأسه، جنوب لبنان، بلدة الدوير. أُحْضِرَ جثمانه مترافقاً مع مبعوثين فرنسيين رسميين. لم تسمح السلطات الفرنسيّة بالكشف عليه.

ألغيت الجائزة التي حملت اسمه من العام 1993 حتى 1999 نتيجة الضغوط اللبنانيّة لعدم منح الجائزة لإسرائيلي. والحمد لله "هذا ما طلع بيد الدولة"..

تتشابه وفاته مع وفاة العالم حسن كامل الصبّاح في عدم وجود آثار عضويّة مباشرة على الجثتين، واعتبر سبب الوفاة في تفسير مبسّط، وهو الإجهاد.

اعتبرته فرنسا مفخرة لها وأهم علماء العصر في مجال فيزياء المواد، وواحد من بين 100 شخصيّة، تصنع في فرنسا الملامح العلميّة للقرن الـ21.

 


لن يبني الوطن سوى العقل

علي مصطفى مشرفة 1898_ 1950 عُرِفَ بأينشتاين العرب
علي مصطفى مشرفة 1898_ 1950 عُرِفَ بأينشتاين العرب

بالإضافة إلى النماذج التي ذكرناها، هناك مئات من العلماء العرب، الذين قتلوا على يد الموساد وأميركا، ومنهم علماء العراق الذين كانوا هدفاً أساسياً من قِبَل أميركا، حين شنّت حربها على العراق في الـ 2003. كذلك مصر التي أنجبت علماء، منهم العالم "علي مصطفى مشرفة" 1898_ 1950 عُرِفَ بـ "آينشتاين العرب"، وهناك غموض حول سبب وفاته.  

أخيراً سؤال يُطرح: من يحمي الطاقات والنّوابغ في بلادنا، هل سيبقون أيتاماً بلا أوطان تحميهم، ونوابغ الفساد متفوّقة على كل شيء، وقد "خلخلوا" أساسات الحجر والبشر؟!..

حسن خير الدّين وهشام مراد، شابان بربيع العمر، كانا لا يزالان بخطواتهما الأولى على طريق النبوغ والابداع العلمي. لماذا أُشيرت الأصابع مباشرة إلى الصهيونيّة والموساد، لو لم تكن بلادنا "ملوّعة" منهم؟!.. وكما قال النّابغة رمّال رمّال، لن يبني الوطن، سوى العقل. هل نُبْشِر خيراً?

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]