أمين سعدي

كاتب وشاعر من العراق

خان جغان والشابندر وغيرهما... مقاهي بغداد شاهدة على تاريخ العراق

مقاهي العاصمة العراقية بغداد لم تكن لتبادُل الأحاديث فحسب. بل كانت فضاء يشهد على مراحل التحوّل الاجتماعي والسياسي والإبداع الفني والأدبي في البلاد. تعالوا نتعرف إلى تاريخ هذه المقاهي وأبرزها.

خان جغان، الشابندر، البيروتي ... إليكم أعرق مقاهي بغداد

الإرهاب لا يسعى للنيل من الاجساد فحسب. تاريخه طويل في قتل العقل ومحاولة إسكاته. العراقيون وعلى الرغم من هذا التحدي يواجهون بتصميم نتائج عمليات التفجير التي أصابت عَصَب الثقافة ألا وهو شارع المُتنبي لأكثر من مرة. عادوا بقوة أكثر من السابق. يرتادون المقاهي التي شكلت في التاريخ العراقي مكاناً لدعم الأنشطة الفنية والثقافية.

مقاهي العاصمة العراقية بغداد لم تكن لتبادُل الأحاديث فحسب. بل كانت فضاء يشهد على مراحل التحوّل الاجتماعي والسياسي والإبداع الفني والأدبي في البلاد. فتعالوا نتعرف إلى تاريخ هذه المقاهي وأبرزها.


بين كل مقهى ومقهى ... مقهى آخر

خان جغان والشابندر والبيروتي ... تعالوا نتعرف إلى أعرق مقاهي بغداد

يذكر الباحثون في تاريخ العراق أن أول مقهى عرفته العاصمة العراقية بغداد، هو مقهى "خان جغان" في العام 1592. المقهى شُيِّد خلال حُكم أول الولاة العثمانيين. وقد كان من عادات هؤلاء ما إن يتسلّموا سلطتهم في بغداد، البحث عن مصادر للمال يقولون إنهم في حاجة إليها لسدّ نفقاتهم منها. وهذا كان يدفع ببعض وجهاء العاصمة العراقية من التجار، إلى التبرّع للوالي بدار أو بخان يستفيد من إيجاره بعدما يبادر فور اللقاء بهم إلى الشكوى من سوء حاله المادية.

هكذا أقيم مقهى "خان جغان"، حاملاً الإسم الأول لوالي بغداد جغالة زاده سنان باشا. يتذكّر العراقيون أن أحد أمثالهم الشعبية المُتوارثة منشأها هذا المقهى. يقول المثل "هي الجنة خان جغان ياهو اليجي يدخل بيها؟"، ومفاده "هل الجنة مثل خان جغان يستطيع أي كان دخولها؟". وقد شاع بعدما شرّع المقهى أبوابه للزوّار مهما تنوعّت فئاتهم ودرجاتهم الاجتماعية.

وفي العام 1910 شيّد الوالي ناظم باشا أول شارع في جانب الرصافة من بغداد سُمّي "شارع النهر". أما في عهد خليل باشا فقد أقام شارعاً آخر بإسمه في العام 1916، لتسهيل حركة الدبلوماسيين القاطنين على ضفاف نهر دجلة في الباب الشرقي، وكذلك كبار الشخصيات البغداديّة التي تسكن الحيدر خانة وباب الشيخ للوصول إلى السراي مقرّ الحكومة.

ظلّ شارع خليل باشا مُخصّصاً للمُشاة وغير صالح لسير المركبات، حتى احتلال بغداد في 11 آذار/مارس 1917 حيث بدأ الإنكليز بتعبيده، وأطلقوا عليه إسم "الشارع الجديد"، قبل أن يستقرّ على تسمية أخرى هي "شارع الرشيد" تيمّناً بالخليفة العباسي هارون الرشيد.

مع مرور السنين اتخذ شارع الرشيد حصّة الأسد من المقاهي الشعبية الشهيرة التي تنتشر على جانبيه، كما وكذلك إلى جانب الكرخ نصيب آخر.

من هذه المقاهي: الزهاوي (كهوة أمين)، حسن عجمي، الواق واق، البرازيلية، ياسين، شط العرب، البلدية، البرلمان، المعقدين، الشابندر، أم كلثوم، سمر، الكسرة، عزاوي، الأونديشي، سيّد شكر وكلويز وغيرها الكثير، حتى قيل إن بين كل مقهى ومقهى مقهى آخر في بغداد.

إضافة إلى ذلك أصبح شارع الرشيد ومقهى "عارف آغا" مُنطلقاً لتظاهرات الأحزاب والقوى الوطنية والمُثقّفين ضد الاحتلال البريطاني والحكومات المُتعاقِبة وصولاً إلى ثورة 14 تموز/يوليو 1958.


المقاهي القديمة

تتوزّع في المقاهي أرائك (تخوت) خشبية أمام "القواري" و"السماورات" الموضوعة في "الأوجاغ" الذي يغلي فيه الماء وينحدر منه الشاي المهيّل والدارسين والحامض والكجرات الحامض، وأمام المرجل الخاص بـ(القهوجي) الذي يُحضِّر فنجان القهوة المشهورة على البخار.

إلى جانب ذلك يستمتع الروّاد أيضاً بتدخين النارجيلة وإلقاء الأشعار وخوض النقاشات في المجالات المختلفة وهم يلعبون طاولة الزهر أو الدومينو. هذه هي الصورة السائدة في المقاهي الشعبية البغدادية، والتي أصبحت في أربعينات القرن الماضي ظاهرة اجتماعية أدّت دورها في النهضة الفكرية، والحوار بين المُثقّفين والتباحُث في أمور الحياة، فضلاً عن تأثيرها الواضح على الأدباء والفنانين في البلدان العربية وخاصة في دمشق وبيروت والقاهرة.

الفنانة العراقية عواطف نعيم تتحدّث للميادين نت عن المقاهي القديمة قائلة: "عندما كنتُ طفلة، كان خالي يصطحبني معه إلى المقهى، لأُجالِس الآخرين. كان المكان جميلاً للتحدّث والتعارُف وطرح المشاكل والهموم، وكذلك قضاء مشاكل المحلّة وبعض العوائل مع بعضها".

نعيم ترى إن المقاهي "ليست مكاناً للزيف والكذب والإساءة للآخرين، بل تجمّع اجتماعي فني راقٍ مهذّب يحفظ تقاليد وعادات وطننا".


حسن عجمي .. أصالة وانتفاضة شعبية

في أحد جوانب شارع الرشيد ومقابل جامع الحيدر خانة يقع مقهى حسن عجمي - وصاحبه أبو فلح - ، حيث السحر وأصالة المكان وعَراقته. من هذا المقهى انطلقت أولى التظاهرات التي تقدّمها الشاعر محمّد مهدي الجواهري ليُلقي قصائده الوطنية المُحرِّضة ومنها قصيدة "أخي جعفر":

أتعلم أم أنت لا تعلم بأن جراح الضحايا فمُ

فم ليس كالمدعي قولةً وليس كآخر يسترحم

وسرعان ما تحوّلت التظاهرة إلى تظاهرات كبرت وتحوّلت إلى انتفاضة شعبية في العام 1948 مُسقِطة حكومة صالح جبر، ومُطالِبة بإلغاء معاهدة (صالح جبر - بيفن) المُبرَمة بين العراق وبريطانيا.

وشهد مقهى "حسن عجمي" إلى جانب الجواهري، حضور كل من بدر شاكر السيّاب والبيّاتي وعبد الأمير الحصيري والكثير من وجوه الفكر والأدب.

الشاعر الجواهري يُشير في مذكراته في سياق الحديث عن المقهى إلى شخصية عرفها روّاد المقهى هي "شفتالو". يقول "شفتالو تعني الخوخ (المعنجرة) .. كان قزماً يذهب كل ليلة جمعة مشياً من بغداد إلى كربلاء ويرجع مشياً أيضاً .. وكان شفتالو مضرب المثل في بغداد كلها"، مُبدياً أسفه على خراب المقهى بعد وفاة صاحبه حسن عجمي في أوائل خمسينات القرن الماضي.


عزاوي .. أغانٍ وبستات بغدادية

مقهى آخر تميَّز باحتفالاته وإحيائه ليالي رمضان، وكان مكاناً للألعاب الشعبية التي تقوم على الفَراسة والتأمّل أشهرها (المحيبس، الصينية والنقلة).

يقع هذا المقهى في سوق الهرج بجانب الأحمدية، وتحديداً في جوار حمّام الباشا في منطقة الميدان. على الرغم من أن صاحب المقهى يُدعى حميد القيسي، لكنه اشتهر باسم "قهوة عزاوي" نسبة إلى الشاب عزاوي الذي جاء من منطقة واسط عانماً في المقهى. كما اقترنت شهرة المقهى بالأغنية البغدادية لأستاذ المقام العراقي يوسف عمر ضمن مقام البيّات (مقام الأرواح):

"سلم عليّ من بعيد وحواجبه هلال العيد

يا كهوتك عزاوي .. بيها المدلّل زعلان"

كما اشتهر مقهى عزاوي بالأغاني والبستات البغدادية (الأغاني الشعبية التراثية) التي لايزال العراقيون يستمعون إليها حتى هذا اليوم، وكان يرتاده المُغنّون والفنانون والشعراء.


البيروتي .. أكبر مقاهي بغداد

يقع في الجهة الغربية لنهر دجلة في جانب الكرخ من بغداد وتحديداً عند نقطة التقاء محلتّي الجعيفر والعطيفية. ونُسِب إلى صاحبه الحاج محمّد البيروتي الذي نزح من بيروت إبّان العهد العثماني، وقيل إن إسمه أختير نسبة إلى مقهى كان يقع في ساحة الشهداء والذي غرق بفيضان الخمسينات.

البناء الهندسي الجميل والموقع المُتميّز جعله من المقاهي التراثية القديمة. مُرتّب على ثلاثة أركان بشكل مُتّسق، زاوية منه للتجّار وأصحاب الخانات، وزاوية لطَلبة الثانويات وللكليات وللمثقفين والأدباء، والثالثة لشرائح المجتمع والحرفيين.

ذاع صيت مقهى البيروتي بعد احتضانه ثلّة من الأدباء والشعراء والفنانين، مثل الشاعر الفقيه محمّد سعيد الحبوبي والمرحوم ملا عبود الكرخي ويوسف العاني وخضر الطائي وعبد الحميد الهبش وآخرين.

المرحوم فائق التكريتي كان أول مَن تركوا المقهى، حتى ورد ذكره في قصيدة للشاعر الملا عبود الكرخي المنظومة في العام 1924 قال فيها:

"ترك كهوة البيروتي

الشهم فايق التكريتي

تركها، حق معاه قمار

بيها لعب ليل نهار

كال "الصاي" كال "الزار""


أم كلثوم .. مقهى من نوع آخر

عند مدخل شارع الرشيد في بغداد، وقرب ساحة الميدان، تأسّس مقهى أم كلثوم في أواخر سنة 1968 ليمثّل نوعاً آخر يختلف عن المقاهي الثقافية. كان ملجأ للراحة والانزواء عن هموم ومتاعب الحياة، حيث تشدوا كوكب الشرق بأغانيها المؤثّرة من الصباح إلى المساء، إضافة إلى إسماع الزبائن الأغاني الوطنية والأناشيد الدينية.

على مدار اليوم، كان يرتاد المقهى شعراء وكتّاب وصحفيون وفنانون وتشكيليون من مختلف الطبقات الاجتماعية، إضافة إلى مُحبّي السيّدة أم كلثوم حيث يَطربون لسماع القصائد العربية المُغنّاة.


البرازيلية .. إتحاد للأدباء ومسرح للتشكيل

وسط شارع الرشيد وفي اتجاه الباب الشرقي، وخلف الواجهة الزجاجية وحول طاولات المقهى، تجمَّع أدباء وسياسيون وطلبة كليات وفنانون شكّلوا العهد الذهبي في الحياة الأدبية والفنية العراقية، وهم يرتشفون القهوة البرازيلية المشهورة مع تذوّق الحلويات اللبنانية.

في هذا المقهى افتتح مسار الحركة التشكيلية العراقية على أيدي جواد سليم وجماعته، فكتبَ في مذكّراته بعد لقائه بالفنانين البولونيين، تلامذة الفرنسي بونار، في ذلك المقهى قال: "الآن عرفتُ اللون. الآن عرفتُ الرسم".

كما طلب المقهى روّاد حركة الشعر الحر مثل بدر شاكر السيّاب وبلند الحيدري، فضلاً عن عبد الرزاق عبد الواحد وعبد الوهاب البيّاتي وغيرهم. وشهد مقهى "البرازيلية" ولادة فكرة تأسيس اتحاد الأدباء العراقيين عام 1952، لكن الحكومة التي كانت تتعقّب خطوات كل شاعر وأديب، وشعرت بخطورة مثل هذا التجمّع الأدبي أوعزت بالقبض على حسين مردان من قِبَل البوليس السرّي، بعد صوَر ديوانه المُثير للجدل "قصائد عارية". كما تم فصل العديد من الأدباء من وظائفهم.


المعقدين .. اتجاه للأدب المُتمرّد

في نهاية ستينات القرن الماضي، ظهر مقهى "المعقدين" في بداية شارع السعدون وسط بغداد، ضاماً كوكبة من أدباء اشتهروا بالتمرّد على السائِد في المشهد الثقافي، المُتطلّعون إلى الاتجاهات الحديثة في الأدب العالمي، كالمسرح الفقير، والمسرح الأسود، والتغريب، فضلاً عما شهدته مناقشاتهم في العبث، والوجود، والعدم، والالتزام، جعلت منهم جيلاً خارجاً على الذائِقة التقليدية لعموم الأدباء.

ويُقال إن تسمية المعقدين أتت تجلياً للصراع الأدبي المفتوح وبناء الشخصية التي تقترح الحداثة، لا كإنتاج نصّي، بل كمناخ للحياة. من أبرز أدباء هذا المقهى الشاعر عبد الرحمن طهمازي، وشريف الربيعي، وأنور الغسّاني، وقتيبة عبد الله، والرسّام إبراهيم زاير.


المقاهي اليوم .. القلب النابِض لبغداد

خسرت بغداد الكثير من مقاهيها نتيجة ما شهده العراق إبان ممارسات النظام السابق ثم الاحتلال الأميركي إلى اليوم. فقد أصبح الوسط الثقافي والأدبي والفني يعيش وضعاً مُزرياً. وفي هذا السياق، تحوّل مقهى البرلمان إلى مطعم، ومقهى عارف إلى ورشات حرفية، وشيّدت المكتبة الوطنية على أنقاض مقهى البلدية، أما مقهى البرازيلية فتحوّل إلى مخزن لبيع الأقمشة والشواهد كثيرة.

لكن في المقابل، تحاول بعض المقاهي الحفاظ على عراقة الماضي ورائحته، منها مقهى الشابندر في شارع المُتنبي – مقهى الشهداء – الذي تأسّس عام 1917، وشهد انطلاق تظاهرة التنديد بمعاهدة بورتسموث عام 1948. مقهى يفوح بعَبق خاص يختزل عقوداً من التاريخ وتحوّلاته، ويُعتَبر اليوم مقصداً للمُثقّفين والسائحين وروّاد الفن.

يقول صاحب المقهى محمّد الخشالي للميادين نت إن "مقهى الشابندر ليس لألعاب التسلية التي تنتشر في المقاهي الأخرى، بابه مفتوح للجميع وفيه من الروّاد القدماء والشباب الجُدُد، كما يُشكّل نقطة لاستراحة المُثقّفين".

وبعد سؤاله عن الصوَر المُعلّقة على جُدرانه والتي تُشكّل بانوراما من حُقَب العراق التاريخية، أوضح "الصوَر المُعلّقة هناك تضمّ شخوصاً سياسية ورموزاً عراقية عريقة وشخصيات أدبية وفنية وتجمّعات ثقافية تُمثِّل تُراث بغداد".

وليس بعيداً عن الشابندر، تقع قيصرية مكتبة حنش، وهي ملاذ أسبوعي للمُثقّفين والفنانين ونقطة استراحة للمُتعبين والمُتجّولين في شارع المُتنبي لاسيما في يوم الجمعة.

المكان الصغير بمساحته والذي يحمل إسم (قيصرية المصرف) نسبة إلى المصرف هناك، يضمّ مكتبات ودور نشر ومحال تجارية، جاءت شهرته واستقطابه للروّاد من خلال كريم حنش الجنوبي الذي يبيع الكتب بأسعار زهيدة فضلاً عن وجود الكُتب النادِرة.

علي الحديدي، أحد روّاد قيصرية حنش، يرى في حديث للميادين نت أن "المقاهي في بغداد أشبه بمجالس العِلم والأدب (..) وبعد فترة طويلة من تحجيم المقاهي لأسباب سياسية، بدأت روحيّتها تعود في أكثر من مكان"، مُضيفاً إن "هناك مقهى الشابندر وقيصرية حنش في شارع المُتنبي ومقهى الدليمي وكهوة وكتاب في الكرادة، بالإضافة إلى افتتاح مقهى (أورما) حديثاً في النجف الأشرف كتوجّه ثقافي وأدبي".

من جانبه، قال القاصّ سامي المطيري إن "المقاهي الأدبية كانت لقاء للأصدقاء، وكنت أجلس بين الشابندر وحسن عجمي .. أما اليوم فأجلس هنا في قيصرية حنش، للنقاش في الأدب والشعر والقصة والفن".

المقاهي وعلى الرغم من اندثار بعضها، إلا أنها لم تزل تحاول النهوض من رُكام التحوّلات السياسية والاجتماعية، لتُشكّل القلب النابِض والصورة المُصغّرة لبغداد وللثقافة العراقية. وكذلك مكاناً للعقول الواعية نحو التغيير والتطلّعات لإنقاذ العراق من محنته وأزماته.


هوامش

أستكان: أصلها ( East-tea-can) إناء الشاي الشرقي

القُوري: إبريق شاي

السِمَاوِر: بالتركية: semaver، بالفارسية: Samāvar وعاء معدني يُستخدَم لغليّ الماء وتحضير الشاي

الطَاولي أو النرد: لعبة مشهورة جداً في العراق وايران وتركيا والبلدان العربية

خَانْ جْغَان: خان، كلمة فارسية الأصل وتعني بيت المسافرين (فندق) – وجغان، نسبة للوالي العثماني جغالة

سوق الهَرَجْ: سُمّي بالهرج لاختلاط أصوات الناس

البَسْتَة: الأغنية الشعبية التراثية

الحَيْدر خانة: محلّة شعبية قديمة

الصَايْ: قطعة الدومينو

الزَارْ: النرد

قيصرية: سوق مُسَقف