سهى صباغ

كاتبة لبنانية

شمشون اﻹسرائيلي يحصد اﻷوسكار

اللافت أن مخرج الفيلم مكسيكي، وكل ما أظهره في فيلمه يُوحي للمشاهد بأنه لا يمكن أن يكون سوى أميركي أو صهيوني. يستحق هذا المكسيكي التّصفيق الحاد، لأنه تفوّق على المخرج اللبناني زياد الدّويري في التزلّف، للحصول على رضى الأميركيين والإسرائيليين على السّواء، آملاً الفوز بالأوسكار، فلم ينل هذا الأخير سوى جائزة ترضية وهي ترشيحه للجائزة فحسب.

مايكل شانون
مايكل شانون

في الرابع من آذار/مارس الجاري، شعشعت الأضواء على مسرح دولبي في لوس أنجلوس - هوليوود، بمناسبة حفل الأوسكار الـ 90. لمعت فلاشات الكاميرات، وتمايلت الأجساد والأزياء، ورُسِمَت الابتسامات، وهَفّت روائح العطور.

العطور، هل يخفي أريجها رائحة الدّم؟ سؤال يخطر على البال، بعد مشاهدتك لفيلم "ذي شايب أوف ذي ووتر" أو "شكل الماء". هنا سنتوقّف لنعالج النّقطة التي تعنينا، ألا وهي النصّ.


إراقة الدماء مجّانيّة.. والاختبارات على البشر!

سالي هوبكينز
سالي هوبكينز

يروي الفيلم قصّة عاملة تنظيف بَكماء (سالي هوكينز)، تقع في حبّ رجل برمائي، كان نتاج تجربة بيولوجيّة في إحدى المختبرات السريّة. يتبيّن أن الرجل من أصل روسي، وربّما اختطِف لتُجرى عليه تلك الاختبارات، وكانوا يُفكّرون أن يبعثوا به إلى الفضاء. هم يجرون الاختبارات على البشر بينما "السوفيات يجرون الاختبارات على الكلاب"، بحسب ما قاله أحد الخبراء الأميركيين في الفيلم بتعجرف وفخر.

حياة وعمل روتينيان يتكرّران، والمُشاهد يتساءل إلى أين يمضي به الفيلم؟ أجواؤه بين المتخيّل والواقع، ولا متخيّل سوى ذاك الرجل العجيب، والموظّفة التي أحبّته كونها ولدت في الماء. يدخل المسؤول عن المشروع "ريتشارد ستريكلاند" (مايكل شانون) إلى صالة المختبر حيث الموظّفتان تمارسان عملهما بشكله المستفزّ، السّادي، ويفكّ أصابعه (علماً أنه ليس برجل آلي) ويرميها أرضاً، وهو بعد أن يمشي نشاهده ينزف. العاملتان تنظّفان المكان الممتلئ بالدّماء. مشهد دموي مجّاني يُثير الاشمئزاز، لا يراد منه إلا العمل على جعل المشاهد يتعوّد على الدمويّة، وهذا ما يجري في الولايات المتحدة حيث أصبح الطّالب في المدرسة يمارس القتل بشكل طبيعي (رغم أن المخرج غيليرمو ديل تورو هو مكسيكي، لكنه على ما يبدو يتّبع "عناصر النّجاح الأميركيّة").


السوفيات أذكياء ونستمرّ بقتلهم

قرار بقتل الرجل العجيب
قرار بقتل الرجل العجيب

"شكل الماء" لا يدلّ على شيء من صفاء الماء ونظافتها. فقد استطاع أو أراد المخرج أن يُمرّر الرسائل التي بإمكاننا أن "ندّعي"، أن الفيلم لم يُصنع سوى لتمريرها. من تلك الرسائل، التّذكير بالحرب الباردة ضدّ روسيا، فـ"الرجل العجيب" روسي، وسنكتشف ذلك من خلال نقاش هؤلاء الخبراء، والعالم الروسي العميل لبلده، حيث من الواضح أن مشغّليه لا يعرفون جنسيّته.

يُقرّرون أخيراً التخلّص من الرجل العجيب. يحاول العالِم إقناعهم بحاجته لفرصة أطول في إبقائه على قيد الحياة لإتمام دراسته عليه، فهو كما يبدو ذكيّ وقابل للتعلّم. فيجيبه المسؤول عن المشروع: "هكذا هم السوفيات، لكننا نستمرّ بقتلهم"، رسالة مستفزّة وواضحة للروس. أيضاً في مشهد آخر وفي اجتماعه مع علماء من بلده، يحاول العالِم إيجاد طريقة لإنقاذ الرجل الذي تمارس عليه الاختبارت، فنجد أنه حتى العلماء الروس ليس لديهم مانع في التخلّص منه، بسبب الضغط الذي تمارسه إسرائيل عليهم؟


"داليدا الفلسطينيّة تقتل شمشون الإسرائيلي"، والسود هل هم بشر؟

المخرج المكسيكي غيليرمو ديل تورو
المخرج المكسيكي غيليرمو ديل تورو

في أحد مشاهد الفيلم يطلب "ريتشارد ستريكلاند" الاجتماع بعاملتي التنظيفات إليزا وزيلدا، وحين يعرف أن اسم زيلدا هو نفسه داليدا، يُشير بتعابير تنمّ عن كراهية متأصّلة تجاه هذا الإسم لأن (داليدا الأسطورة التي تذكر بالعهد القديم). إذ إنّها "المرأة الفلسطينيّة التي قتلت شمشون الإسرائيلي"، على ما يقول ريتشارد ضاغطاً على أسنانه "ووضعت الجمر في عينيه وحرقتهما".

تجيب زيلدا صاحبة البشرة السوداء، وهي تتماسك لإخفاء خوفها، مبرّرة بأن لا شكّ في أنّ والدتها لم تقرأ الإنجيل بشكل عميق. أجادت الممثّلة أوكتافيا سبنسر في أدائها، وهي لا بدّ من أنها لم تكن بحاجة إلى كثير من الجهد لتعبّر عن هكذا موقف، فلا زال بنو جلدتها في الولايات المتحدة يُقْتَلون يوميّاً بتظاهرات الاحتجاج ضدّ العنصريّة. وفي شرح ريتشارد عن الرجل العجيب، يحذّرهم من الاقتراب منه رغم أن شكله قريب من البشر، يردّد: "هو يبدو كالبشر مثلي، حتى أنتِ "ربّما" مثلي" ناظراً إليها بدونيّة.


الجيش الأحمر لم ينجُ من الفيلم

داليدا الفلسطينية قتلت شمشون الإسرائيلي وأحرقت عينيه
داليدا الفلسطينية قتلت شمشون الإسرائيلي وأحرقت عينيه

نص فيلم "شكل الماء" بسيط. لا اجتهاد فيه. فعلاقة الموظّفة البكماء بالرجل العجيب، تذكّر بقصّة الجميلة والوحش، لكن بشكل ساذج، أنقذه المشهد العاطفي في الماء. به شيء من جماليّة الصّورة، ومشهد الهروب في البحر أيضاً، وقد مرّر المخرج ما أراد تمريره. حين هُرّب الرجل العجيب، وقف المعنيّون مذهولون من خفّة وسرعة عمليّة التهريب. حتى أنّهم وضعوا احتمال أن يكون "الجيش الأحمر" يقف خلف ذلك. تساؤلات واتّهامات تدلّ على موقف واشنطن الموتور من كل من تعتبرهم أعداء لها، ويشكّلون خطراً على سيادتها العالميّة. وكما يقول كبار السّن:"رأس المال جبان"، والسّيادة أيضاً.


السكّان الأصليون والأهرام

أوكتافيا سبنسر
أوكتافيا سبنسر

في لقاءين جمعا الخبراء في مكان مجهول، يظهر في الخلفيّة جزء من الأهرام المصرية. كيف دخل هذا المشهد وما هو مبرّره؟ يتساءل المشاهد، وبعد الحقد الذي حقنوا به الفيلم، على العرب وبشكل خاص على الفلسطينيّين، إلى حقدهم على المواطنين ذوي البشرة السوداء، إلى استفزازهم الروس، يمرّون على الحضارة المصريّة، التي نرجو أن تبقى بعيدة هي الأخرى عن حقدهم، كونهم كارهين للحضارات، لعدم امتلاكهم لأي منها، سوى التاريخ الحديث المتوّج بالحروب والمجازر، وعلى رأسها إبادة شعوب "الأمم الأولى"، "الهنود الحمر" الذين لم ينجوا أيضاً في الفيلم.

في مشهد دخول آبي إلى مكان تواجد الرجل العجيب، يخرج من الماء، فيبرحه ضرباً، ويغرز فيه العصا المكهربة، ويضربه بوحشيّة كبيرة، فيصبح شكله مشوّهاً. عندها ينعته بالقبيح ويُشبّهه بالسكّان الأصليين، الذين ربّما كانوا يعتبرونه إلهاً. يُردّد آبي بانتقام: "لم يعد إلهٌ الآن أليس كذلك؟".


المكسيكي يتفوّق على اللبناني..ودنزل واشنطن "إسرائيلي موقّر"

العالِم الروسي
العالِم الروسي

لم يمرّ الفيلم من دون السخرية من الفنانين، حين يعتبر آبي العالِم الروسي الذي يتعاطف ويشعر مع الرجل العجيب بأنه "حسّاس كالفنّانين". يقولها بنبرة ساخرة وكأنّها شتيمة. نذكر أن من ضمن شخصيّات الفيلم شخصيّة رسّام يسعى طوال الوقت لبيع لوحة واحدة من لوحاته، من دون جدوى، وفي لحظات التّعب يضع يده على يد النادل المعجب بعمله وهو يُحدّثه، فجأة ينفر منه النادل متبيّناً أن الرسّام إنسان شاذ. هل نفهم بألا مكان للعواطف في الثّقافة التي يُرَوَّج لها؟.

اللافت أن مخرج الفيلم مكسيكي، وكل ما أظهره في فيلمه يُوحي للمشاهد بأنه لا يمكن أن يكون سوى أميركي أو صهيوني. يستحق هذا المكسيكي التّصفيق الحاد، لأنه تفوّق على المخرج اللبناني زياد الدّويري في التزلّف، للحصول على رضى الأميركيين والإسرائيليين على السّواء، آملاً الفوز بالأوسكار، فلم ينل هذا الأخير سوى جائزة ترضية وهي ترشيحه للجائزة فحسب.

أخيراً، وعلى ما يبدو، ليس لسلسلة التطبيع نهاية. نشير إلى أن من بين الأفلام التي حصلت على جائزة الأوسكار 2018 ولا بدّ أن نتوقّف عندها، جائزة أفضل ممثّل لدنزل واشنطن عن فيلمه "رومان جي إزرائيل الموقّر". لن نزيد عن اسمه الذي يُشير إلى إسرائيل سوى أن هناك مَشاهد، تحثّ السّود بالتّوقّف عن التظاهر غير المجدي، ضدّ العنصريّة!

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]