علي السقا

كاتب وروائي لبناني. محرر الصفحة الثقافية في موقع الميادين ومعدّ ومقدّم برنامج "حكاية أديب".

"اليمن اليوم" ... بعضُ الصمت بوّاح

المعرض الذي افتتح أمس الجمعة في 16 آذار/مارس الجاري ويستمر حتى 21 منه، يحتوي على صور تمثل نموذجاً بسيطاً عن حياة ملايين اليمنيين. ذيلت كل صورة بسطور قليلة في محاولة لسرد قصة أهلها، لكن كل واحدة منها كانت تعكس ما يفوق الشرح.

"اليمن اليوم" ... بعضُ الصمت بوّاح

هل ما زالوا أحياء؟ هل أدرك الموت بعضهم؟ من هم؟ تسأل نفسك وأنت تطالع الصور المرصوفة إلى جانب بعضها البعض. تتأمل ساكنيها. صامتون، لكن سكوتهم بوّاح. عيونهم رغم انكسارها، يبزغ السؤال من حدقاتها ثاقباً ملتهباً: لِمَ كل هذا؟

في "دار المصور" في منطقة الحمراء في العاصمة اللبنانية بيروت، وداخل قاعتين متلاصقتين، جال الزوار على معرض صور "اليمن اليوم" لرالف الحاج، المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر. أهل الصور أوصلوا رسائلهم، لكن الزوار لم يستطيعوا عليها رداً. إذ كانوا متخمين بالأسئلة التي شرعوا يطرحونها على الحاج.

فالمتحدث الإقليمي باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر الذي حمل رحاله إلى اليمن ضمن مهمة إنسانية، تزامن وصوله في أيار/ مايو من العام 2017 مع تفشي وباء الكوليرا. أقام هناك شهراً لكنه قرر أن يوثق بعدسته أوجاع اليمنيين. هذه "المعاناة المستمرة لملايين الناس داخل واحد من أكثر البلدان العربية فقراً الذين يعيشون ويلات الحرب"، قال الحاج للميادين نت.

المعرض الذي افتتح أمس الجمعة في 16 آذار/ مارس الجاري ويستمر حتى 21 منه، يحتوي على صور تمثل نموذجاً بسيطاً عن حياة ملايين اليمنيين. ذيّلت كل صورة بسطور قليلة في محاولة لسرد قصة أهلها، لكن كل واحدة منها كانت تعكس ما يفوق الشرح. صورة العجوز المطروحة على سرير داخل مشفى استطاع ولدها بما يشبه المعجزة، من الاستحصال عليه لتتلقى العلاج من الكوليرا. صورة أخرى لورشة داخل معمل للأطراف الإصطناعية، تشعر وكأن العمال جهزوا بعضها وأهدوه إلى الرجال الجالسين في الصورة المحاذية مبتوري الأرجل وهم يتحسسون أطرافهم الجديدة. صيادون يمضغون الوقت الثقيل في انتظار الموت النيّء.

"الصور التي ترونها تحكي قصص أطفال ومدنيين تضرروا من الحرب بشكل مباشر"، يقول الحاج ويضيف "هؤلاء لن يقدروا على استكمال حياتهم كما باقي البشر".

غاية الصور إذن هي التوثيق البصري للمعاناة الكبيرة التي يحياها اليمنيون، حيث يتوفى يومياً ما لا يقل عن 20 شخصاً بسبب أمراض من الممكن معالجتها. لكن ما يجري وفق الحاج أن هذا العدد من الوفيات "يدل على سوء الخدمات الطبية حيث نصف المشافي خارج الخدمة كما يوجد نقص في الدواء بسبب صعوبة إدخاله".

على الرغم من أن عدسة الكاميرا تقيم أحياناً حاجزاً بين المصور والأشخاص موضوع الصورة، إلا أن هذا يغدو أمراً صعباً عند نقل آلام الناس ومصائبهم. هذا ما عايشه رالف الحاج. جلس بين اليمنيين في أقسى أوقاتهم قبل أن يطلب منهم أن يسكنوا الصور. أكثر ما يؤلمه أنه لم يتح له المغادرة بعد التقاط كل صورة. فمهمته الانسانية تلزمه البقاء بمكانه، ولذلك كان يرى من يسيرون إلى حتفهم بتمهل. جميلة، الفتاة صاحبة الملامح التي أذابها المرض، لم تبرح ذاكرة الحاج. "رأيتها مرتين. في المرة الأولى كان بمقدروها التجاوب معي بهز رأسها، لكن في لقائنا الثاني ساءت حالتها وماتت أمام والدها ووالدتها".

لم يزل الشاب اللبناني رالف الحاج يطرح السؤال على نفسه: من ممّن صورتهم لا يزال على قيد الحياة؟ سؤال قد لا يجد إجابة عليه في بلد يجتاحه الموت مجنون مثل إعصار.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

 



إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً