سهى صباغ

كاتبة لبنانية

سامي حوّاط ...يركض "حافياً" ويتصوّف موسيقياً

"عَوافة يا خيّي.." تحيّة سامي حوّاط حين تلتقي به في شارع الحمرا في بيروت، الذي نادراً ما يفارقه. تحيّة تُعيدك إلى زمن الأهل، وتكاد أن تنقرض. يتمسّك بالأصالة في الكلام كما في فنّه. "علي" الشّاب المسؤول عن صالة المسرح، يحتار كيف يَتَأَهَّل ويُقدّم الضيافة والشّاي لضيف يزور سامي، وحين تحتجّ مُداعباً، على "عجقة" سامي الذي يأتي مُسرعاً ويبدأ الكلام معك من دون مقدّمات، خاصّة إن كنت صديقاً له، وتشتكيه لعلي، يُجيبك الأخير: لا أمتلك صديقاً سوى سامي، الوحيد الذي يُشعرني بإنسانيّتي.

سامي حوّاط
سامي حوّاط

هذه المقدّمة تكاد تختصر سامي حوّاط الفنّان والإنسان. شاب طري العود قدم إلى منطقة من بيروت كانت مَعْقَل اليسار في لبنان. في بداياته شارك بمسرحيّات الفنان زياد الرحباني، الذي قام هو أيضاً بالفعل نفسه و"اعتنق" اليسار، ومن أوّل مسرحيّة لهما مع فنّانين آخرين، وأوّل أغانيهما حصدا التصفيق الكبير، وكانا على الرّحب، بل أصبحا مَثَل جيل الشباب الأعلى بالوطنيّة، واليساريّة والانفتاح، كما أنّهما كانوا مع الطّبقة الكادِحة والمُهملة، ومع الجنوب اللبناني المُعتدى عليه من قِبَل إسرائيل، وقضيّتهما الأمّ فلسطين. رفعا الصّوت عالياً وغنّيا: أنا مش كافر بس الجوع كافر/ أنا مقهور ببيتي ومش قادر هاجر.. وغنّى حوّاط لحبيبته ومن ألحان الرحباني: "بلا ولا شي بحبّك/ بلا كل أنواع تيابك/ بلا كل شي في تزيين".


كل ما قمنا به في الحرب، توثيقي وهام جدّاً

موسيقى التصوف
موسيقى التصوف

كان يمارس حواط الجري حافياً على أرض الجامعة الأميركيّة، حتى وصل إلى التصوّف موسيقيّاً. يقول الفنّان والموسيقي اللبناني للميادين نت: "ما بدأت به طريقي الفنّي وما وصلت إليه هو واحد. الأغاني المباشرة التي أدّيتها، وكأنّها لم تأت بنتيجة، نعم تفاعل معها الجمهور، لكن عمليّاً لم يتغيّر شيء، فجئتهم بالموسيقى الصّوفيّة، التي تعبّر عمّا أردنا إيصاله سابقاً، مع تغيير في الأسلوب".

يُتابع حوّاط: "الصّخر بلا ماء لا ينفع، أنت بحاجة للماء، والماء هي الروحانيّة والتّصوّف، وهذا هو المطلوب. أنا أقول ما أقوله نتيجة تجارب أوصلتني إلى هنا. كل ما قمنا به في الحرب ما بين ال1975 وال1990 ومن عاصَرَ تلك المرحلة وأنا، من فنّانين ومثقّفين هو توثيقي، أشبعني من الدّاخل. كانت مرحلة جدليّة وهامّة جدّاً. هناك حدود طبيعيّة للحريّة "تُدَوزن" نفسها. الآن لم يعد هناك قِيَم، وضاع الفن الجيّد مع "ما يُسمى بفن حديث" لذلك لم يعد هناك فن يُعلِّم. الهويّة فُقِدَت".


في الحرب كنّا مبدئيين

حواط مع الطبقة الكادحة
حواط مع الطبقة الكادحة

يُجيب حوّاط على سؤال، ماذا يعني فنّان ملتزم؟ "ما أريد قوله للناس، نابع من وجع. أنا كإنسان حقّي مسلوب، أمّا الآن فالقِيَم تبدّلت، بعض مَن كان حقّه مسلوباً، باع نفسه تحت مُبرّر "أريد أن أعيش". الإنسان المبدئي لا يكون مُسَيّراً. كنا نعيش أيّاماً صعبة في الحرب لكن كنّا مبدئيين. كان هناك فكر. الآن، الأمور أصبحت فرديّة. نحن، مَن نحن؟ هذا سؤال يُطرح".

يقول سامي إن "جمهور ما يُسمّى بالفن المُلتزم تقلّص، أقولها بصراحة. هناك مَن يريد "الفن السّهل". هو لا يريد أن يطوّر نفسه. يقول لك بأنه مُتْعَب. لا ليس صحيحاً، بل هو مرتاح، لو كان مُتعباً لكان أتى ليسمعني. لا تكذب على نفسك. ومَن هو مثلي لا يحتاج إلى دعوة".

من أغنيته التي ستسجّل قريباً والتي خصّنا بها وغيرها من كلمات أغانٍ، لنكون نحن السبّاقون بنشرها: "خود وقتك" أنا مش متأكّد إنو نظراتك صحّ/ أنا مش متأكّد إنّك عم تتصرّف صحّ/ بردو خود وقتك../ أنا مش متأكّد إنّك بعدك بتتذكّر جدّك/ أنا مش متأكّد إذا بعد فيّي كون حدّك".


الفلاّح يُشبهني

وعن تعريفه للتصوّف يقول حوّاط إن "التصوّف هو التأمّل الكوني، نحن كائنات بهذا الكون. نحن كما أيّ مخلوق آخر. مثلي مثل شجرة الزّيتون، مثل الوردة، مثل عصفور، مثل كل الكائنات الطبيعيّة. نحن كعباد التهينا ببعضنا ونسينا الكائنات والأرواح الأخرى وأن داخل الشتلة روح. هؤلاء مَن كَوَّنَنا، لذلك أشعر بأن الفلاّح يُشبهني. الأرض هي النّبع الذي نغرف منه، هذه رمزيّة الإنسان. رمز العطاء ومن دونهم لا أستطيع شيئاً"، ويضيف "مع أنّني لست ضدّ التكنولوجيا، لكنها قتلت العلاقة المباشرة مع الآخر، والتي هي ربما سرّ ما مضى من عطاء. كنا نحكي مع بعض. اليوم نفتقد للتواصل، والحل يأتي من الإنسان نفسه، هو مَن عليه أن ينظّم داخله".

من أغاني سامي الجديدة لحناً وكلاماً أيضاً: "مالت الأيّام ميلاً سريعاً وهوت أرضاً/ بشراً وحجارة/ والليل طال طوله حتى أصبح الليل نهارَ/ فكّرت في عقرب ساعة الكون/ هل مال إلى الشّر والخير أصبح تذكارَ؟!".


مسرح سامي حوّاط الرّيفي، وخسارة جلال خوري

عن سامي حوّاط المُمثّل نسأله أين هو، فيُجيب: "أعرف بأن طاقاتي كمّمثل جيّدة، لكنني في هذه المرحلة أريد أن أبقى مع الموسيقى. التّمثيل يجعلني ألتزم بأوقات معيّنة عليّ أن أكون فيها على الخشبة، وأكرّر ذلك بشكلٍ يومي، وهذا ما لا يستهويني في هذه المرحلة. لم أعُد أطيق الانضباط، بينما العمل الموسيقي يشعرني بالرّاحة".

يُتابع حواط "بكل الأحوال أنا أترك الأمور على عفويّتها، ولا آخذ قرارات نهائيّة. لا أحد يعرف ما الذي سيحصل غداً. أنا بنيت مسرحاً في قريتي في زبدين - جبيل، وكان النفس الفني للمخرج الذي فارقنا منذ مدّة جلال خوري حاضراً بكل خطوة خطيناها". يُردّد سامي: "خسارة جلال. هذا المكان، واحة مفتوحة لكل الفنّانين، سننشّطه خلال الصيف المقبل، وننظّف المكان بأنفسنا بالمعاول والرفوش وإلى آخره. سنخيّم في الأرض حتى أتمكّن في ما بعد من بناء بيت صغير. بنيت المسرح من بعض القروش التي كسبتها من أعمالي. ليس من طبعي الشكوى، فكلّما توفّر معي مبلغ صغير، أُولي الأهميّة لاستثماره بما أحتاج إليه فنيّاً".


أسطوانة جديدة وحفلات

يُخبرنا سامي حوّاط "قريباً عندي "دخلة استديو" لتسجيل أسطوانتي الجديدة، التي لم أسمّها حتى الآن. وفي 29 نيسان/أبريل سنقوم بحفلة في مسرح المدينة في الحمرا، وهناك حفلات أخرى نعلن عنها بوقتها"، ويشير إلى " أنا أعيش اللحظة، وهي قمّة الرّاحة.. لا أريد أن أحكم على شيء. فلتعطى الأمور مجالها وليعطى الآخر مجاله. أشاهد وأرى كل ما يجري أمامي، لكن لديّ أمل وحلم".

من أين يأتي حواط بالأمل؟ يُجيب: "هو السّلام الداخلي .هو المجال في كل شيء، هو القدرة على التّحمّل. أقرأ حالياً للإمام علي، فأنا أنتمي إلى هذه الفلسفة والروحانيّة. في الموسيقى، أهتمّ بالتراث الآشوري واليوناني والإسباني والكردي، حين يعزفها الفلاّحون".


صوت إنساني بلا كلام

في تجربة مميّزة، عزف سامي حوّاط، ورافق العزف صوته، الذي يُحلّق بلا كلام، مُتصوّف يطلق صوته للمدى، ربّما يخاطب الجنوب اللبناني الذي يهوى، أو ينادي فلسطين التي سمّى إحدى معزوفاته باسمها. يقول حوّاط عن تجربته هذه: "حين ينبع الصّوت من داخلي ومن صدقي، فلا بدّ من أن يصل الإحساس للآخر من دون كلام. ترجمة الصّوت بالأحاسيس. كلٌ يشعر به كما يريد وكما يرتاح. ألحاني أقوم بها بنفسي تطلع من داخلي وروحي. سابقاً كنت تجدين مَن تتناغم روحك مع روحه، أما الآن فأكتفي بأن أتناغم مع ما أشعر به ويطلع من الصّميم".


المقاومة مستمرّة، وليس للمبدأ مدّة انتهاء الصلاحية

في إصراره على خطّه المُلتزم يقول حوّاط إن "فلسطين لا زالت القضيّة الأساس. يجب أن تعود إلى الواجهة، من أجل الأجيال الجديدة. من خلالها أعبّر عن إحساسي الشخصي وكيف أراها، هي قضيّتي الأمّ التي رَبيت عليها. هي نبع كل الثّقافات، وكل ما يجري الآن. هي الأساس في المشرق العربي، وجنوب لبنان هو الأساس أيضاً، وبطبيعة الحال المقاومة مستمرّة. ليس لدينا بديل. هناك أناس تُقَسِّم الأمور حسب مصالحها ربّما، لكن ليس للمبدأ من مدّة لانتهاء صلاحيّته. المقاومة تستمر بأوجهها المختلفة، فنياً وثقافياً، ومع المظلوم ضدّ الظّلم. المقاومة لا تَقدر إلاّ أن تستمر. طالما هناك إسرائيل على الكتف، ليس بإمكاننا الاسترخاء، وليس لي علاقة بمعزوفة تسليم السّلاح. أنا وغيري سنكمل الطّريق، أنا أقاوم بالفكر والموسيقى وال "لا" التي ستبقى أساساً، ولن تذوب كما يحاول البعض فعله. أنا باقٍ وأرى كل شيء، وللمقاومة وجوه مُتعدّدة".

ثم يتابع سامي بكل تصالح مع النّفس: "في حواراتي من وقت لآخر مع طلاب جامعيين، يطرحون عليّ الأسئلة عن تجربتي الخاصّة وانتمائي اليساري. أين أصبح اليسار؟ إنه نمط وفكر، لن يموت مع انتهاء الاتّحاد السوفياتي، ها هي كوبا لا تزال مستمرّة وبلاد أميركا اللاتينيّة. أنا دائماً مع الطبقة الكادِحة وأنا منها، طالما الطّبقيّة مستمرّة".

من الأغاني الجديدة لسامي حوّاط، أغنية من كلمات الشاعر جورج يمّين: "لفّ الضّباب الجبل/ غطّى على الوادي/ ضيّعت بيتي وآخ/ رح ضيّع بلادي/ في ناس لحقوا الرّيح/ وفي ناس لبسوا غيم/ وحطّوا الحزن بقلوبهم/ والحزن زوّادي/ طَلَّعت شفت البحر/ آخد معو أهلي/ لونن ع لون البحر، أزرق على كحلي/ اختي تلوّحلي/ وإمّي تقول/ أولادكم ليسوا لكم أولادكم أولاد الحياة".

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]