أفرورا عيسى

صحافية من سوريا

بسبب الحرب ... سوريون يحاولون إنقاذ تراثهم

سوريون يسعون لحفظ تراث وحضارة بلادهم من خراب الحرب. في قرية "عين البيضا" بريف اللاذقية، يقام معرض دائم للتراث الريفي الساحلي. المعرض الذي زاره الميادين نت يشبه متحفاً صغيراً غنياً وذاكرة عزيزة على أبناء الريف الذين وجدوا فيه مرآة لماضيهم أغنت لديهم الرغبة بالعودة إليه مجدّداً.

  • رغم الحرب ... سوريون يحاولون إنقاذ تراثهم
  • رغم الحرب ... سوريون يحاولون إنقاذ تراثهم
  • رغم الحرب ... سوريون يحاولون إنقاذ تراثهم
  • الباحث في التراث برهان حيد

للحرب وجوه كثيرة، أسوأها هذا الذي يعيث خراباً بالحضارة فيدمر معالمها ويطمس رموزها. سوريا ومنذ بدء الأزمة إلى اليوم، شهدت آثارها تدميراً وخراباً. لكن، على الرغم من ذلك، يسعى سوريون لمنع الحرب من قتل حضارة بلادهم.

في قرية "عين البيضا" بريف اللاذقية، المطلّة على بُحيرة "سد 16 تشرين" السياحية، يقام معرض دائم للتراث الريفي الساحلي، وذلك في المركز الثقافي حيث يعرض الباحث في التراث برهان حيدر مقتنياته وأعماله.

بدأت القصة مع حيدر الذي يعشق جمع الأشياء التراثية المختلفة منذ أن كان صغيراً، وكبر على هوايته تلك. لديه الآن عالم آخر من الأدوات الصغيرة والكبيرة، واللباس القديم، وفساتين الأعراس، والأزياء المختلفة، وأدوات المطبخ من (الخاشوقة) إلى (النملية) وخضّ اللبن وغيرها. قدّم حيدر ما جمعه إلى المركز الثقافي في قريته، وهدفه كما أوضح أن "تتعرّف الأجيال على ماضي أجدادها".

يشير حيدر في حديث للميادين نت إلى أن "المتحف من الداخل يحتوي آلاف القطع" منوّهاً بأن "الفائدة من الاحتفاظ بهذه القطع إضافة لحفظها من الاندثار، الاحتفاظ والتعريف بأسماء القطع، وكان هدفنا منذ البداية أن يزداد المتحف يومياً قطعة واحدة على الأقل".

المعرض هو نواة لمتحف تراثي بالدرجة الأولى، يحتوي في قسمه الأول على "أدوات من تراثنا الريفي الساحلي، كاللباس ومُستلزمات الزراعة والحصاد ومنها النورَج والنير وأدوات من مستلزمات الحياة كالجرار والمصابيح"، بحسب ما شرح حيدر.

أما القسم الثاني فيضمّ معرضاً فنياً يحتوي "فنون تطبيقية" مستوحاة من التراث سواء لناحية المواد المُستخدَمة أو المواضيع التي تعالجها، فالأفكار الموجودة في بعض الأعمال صوّرت نساء يحملن الحطب ويطهين الطعام، والفلاح يحرث الأرض، والأطفال يلعبون. كما أن المواد المُستخدَمة في إنجاز تلك الأعمال هي من البيئة نفسها، كالثمار والبذور والأغصان وأعواد القشّ، ونذكر منها مثلاً "طمز الصنوبر" أو "ثمار اليقطين" أو "القرعوش" أو "أشواك القنفذ" وأشياء أخرى كثيرة.

كما يحوي المعرض على بعض المنجزات ذات الطابع الفني وكانت تُصنع قديماً لسببٍ أو لآخر، فمثلاً هناك مشط سنابل القمح الذي يصنعه الفلاحون بعد الحصاد. فكل فلاح كان ينجز من محصوله جديلة من سنابل القمح يحتفظ بها ذكرى من موسمه يعلّقها داخل بيته كشكلٍ من أشكال البرَكة، وأيضاً هناك باقات "الفريكة".

لقد قام السوريون بالتركيز على جمع القطع التراثية وحفظها ضمن متاحف ومعارض لتعليم الجيل الجديد من الأطفال عليها وعدم اندثارها بشكلٍ تام. وقد ضمّت أغلب المراكز الثقافية السورية أجنحة مُختصّة بتجميع وحفْظ القطع التراثية القديمة. المعرض الذي زاره الميادين نت يشبه متحفاً صغيراً غنياً وذاكرة عزيزة على أبناء الريف الذين وجدوا فيه مرآة لماضيهم أغنت لديهم الرغبة بالعودة إليه مجدّداً.

يُعدّ المعرض الوحيد من نوعه في سوريا الذي ضمّ الكثير من الأزياء والأدوات التي كانت تُستخدَم قديماً، وبعض الموجودات يعود زمنها إلى بداية القرن التاسع عشر، وأهميته هي أنه يوضح طريقة الحياة التي كانت سائدة في ذلك الزمن، وكذلك أساليب المعيشة اليومية. 

أما القسم الخارجي للمتحف فيتضمّن التراث الحجري مثل بناء قنطرة تمثّل عين البيضا كما كانت عين الماء التي نُسِب إليها إسم القرية، وعلى نفس الشكل الذي كانت عليه منذ عام 1930. وهناك فكرة لإمكانية ضخّ المياه من العين الأصلية إلى العين التي تم بناؤها في المركز الثقافي، حيث أن البُعد بينهما لا يتجاوز 400 م وبالتالي يمكن للسائح أو الزائر للمتحف شرب الماء النقيّ من العين مباشرة.
كما جرى بناء "باطوس حجري" لقشر البرغل بارتفاع 120 سم شكله دائري يتوسّطه محور خشبي تدور حوله كتلة صخرية تُدعى الخرزة مربوطة إلى حيوان يقوم بتدويرها، ونتيجة هذه الحركة يتم طحن البرغل بعد سلقه وتشميسه، ويوجد أيضاً باطوس للزيتون حيث كانت تعصر فيها حبوب الزيتون.
كما وضع جرن حجري للحنطة في الساحة القريبة من المركز الثقافي وهذا الجرن نفسه الذي كانت تستخدمه النسوة لدقّ حبوب القمح لتحضير طبخة القمحيّة.
وتم بناء خرزة توضع على البئر بارتفاع 80 سم وبفتحة قُطرها حوالى المتر تستند عليها الخشبة التي كان يركب عليها الدلو.

 

جناح الأعراس

  • رغم الحرب ... سوريون يحاولون إنقاذ تراثهم
  • فستان العروس في بداية القرن العشرين "كان لونه يميل إلى الدفلي
  • رغم الحرب ... سوريون يحاولون إنقاذ تراثهم
  • رغم الحرب ... سوريون يحاولون إنقاذ تراثهم

من أقسام المعرض جناح جمعت فيه الكثير من فساتين العرس، التي تتدرّج أصنافها منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، حيث توحّد لونها بالأبيض، وكانت العروس تُنقَل على ظهر الفرس، وله أيضاً زينته الخاصة بهذه المناسبة.

يقول حيدر إن فستان العروس في بداية القرن العشرين "كان لونه يميل إلى الدفلي وهو المأخوذ من لون التراب، كرمز للارتباط بالأرض والبيئة، وهذا مؤكَّد من خلال الأغنيات الشعبية، لكن مع بداية الأربعينيات أصبح اللون الأبيض هو السائد ويعتقد أنه في جميع المحافظات السورية، مع استعمال الشرائط التي تلف على الشعر وتشكّل الضفيرة، وفي نهاية الخمسينيات أُضيف غطاء الوجه الأبيض الشفّاف".

وبحسب ما يظهر من خلال المعرض فإنه وفي النصف الثاني من القرن العشرين، غابت موضة الضفائر من الأعراس لكنها عادت اليوم على شكل مُنحنيات تشمل كامل الشعر من دون الاستعانة بالشرائط الحريرية.

لباس الرجال

  • رغم الحرب ... سوريون يحاولون إنقاذ تراثهم
  • المتحف في قرية "عين البيضا" بريف اللاذقية
  • رغم الحرب ... سوريون يحاولون إنقاذ تراثهم

لا يختلف لباس الرجال في المحافظات السورية وهو موحّد تقريباً. من يرى تماثيل المتحف الوطني يشاهد ما يشبه ذلك في متحف عين البيضا وكذلك في لبنان وحلب، ويقتصر على القمباز ـ الشروال ـ العرقية ـ والجاكيت التي ظهرت في أواخر العهد العثماني. أما الطربوش الأحمر فقبل ولاية السلطان محمود الثاني صدر الفرمان الذي منع الطربوش المغربي وسمح بالطربوش الأحمر، النمساوي الأصل، وهو المعروف حالياً.

إستلزم جمع هذه الأدوات والصناعة تلك المجسمّات زمناً وجهداً كبيراً من الباحث وعن ذلك يقول"بدأت بجمْع هذه الأدوات تقريباً مع بداية العمل الفني في العام 1968، وبشكلٍ تدريجي وبخطى وئيدة، ففي تلك الفترة كان كل بيت من بيوتنا متحف بحد ذاته، وشيئاً فشيئاً مع اختفاء هذه الأشياء بذلت جهداَ أكبر في الحصول عليها والعناية بها حتى وصلت إلى إمكانية عرضها في أماكن عدّة، منها جامعة تشرين والمتحف الوطني، وأيضاً في مهرجان المحبّة عن طريق معرض الزهور، الأدوات التراثية عُرِضت فقط في سوريا أما الفنون التطبيقية فقد عرضتها بأربعة معارض في العاصمة اليمنية صنعاء".

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً