سهى صباغ

كاتبة لبنانية

ميلوش فورمان ... حلّق فوق عشّ الوقواق

الإنسان القدَري، كيف يكون؟! أليس كل البشر قدريّون؟ الإجابة المنطقيّة يجب أن تكون "نعم"، لكن مع ذلك يُصَنّف بعض البشر بأنهم قدريّون. هذا ما هو عليه "ماك مورفي" الشخصيّة التي يلعبها الممثّل البارع "جاك نيكلسون" لتكون بداية طريقه نحو النجوميّة. حلّق نيكلسون ولم يردعه شيء، كما فعل مخرج فيلم "طيران فوق عشّ الوقواق" "ميلوش فورمان" الذي حلّق للمرّة الأخيرة منذ أيّام مغادراً الأرض، بعد تاريخ حافل من الأعمال الإبداعيّة.

ميلوش فورمان ... حلّق فوق عشّ الوقواق
ميلوش فورمان ... حلّق فوق عشّ الوقواق

أكثر ما تميّز من أعمال فورمان لتكون أيقونات، ثلاثة من أفلامه "طار فوق عش الوقواق" و "أماديوس" و "هير". أعمال ذات منحى فكري، تطرح قضايا إنسانيّة برؤية فلسفيّة نفسيّة عميقة، تتضمّن البحث والسؤال والتساؤل عن أمور حياتيّة وغيرها.

الطّرح عند فورمان يأتي مختلفاً، كما بيّن حين أتى بشاب مشحون طاقة، إلى مصحٍّ للأمراض العقليّة، لنكتشف بأنه ليس مجنوناً، ولا أي واحد من الآخرين كذلك. كل منهم لديه مركزه الاجتماعي المعقول، لكن ربّما حساسيّتهم المُفرطة أوصلتهم إلى هكذا مكان. كان البطل "ماك مورفي" يحثّهم على الهروب لكنهم يرفضون ذلك مرعوبين، مبرّرين أن الوقت غير مناسب وأنهم غير جاهزين لذلك، لكنهم لا يرفضون الحياة حين يهربون ليستمتعوا بنور الشّمس والبحر، منساقين لجنون صاحبهم.

يُقيم صاحبهم سهرة الميلاد ورأس السّنة، وتعمّ الفوضى المصحّ، حين لا يكون هناك من رقيب، تطغى على المناخ العفويّة والتلقائيّة بالاستمتاع، والمتعة أحياناً تكون أموراً بسيطة. الشّاب الذي يُتأتئ حين يتكلّم، يُراقص فتاة جميلة برقّة يُقيم معها علاقة عاطفيّة.

يتخلّص من التأتأة، حتى حضور الممرّضة التي هي بالفعل وباء "السّلطة" التي توصله للانتحار. سَلْطَنَ المخرج "ميلوش فورمان" بالانعتاق، وانعتق معه بطل الفيلم "جاك نيكلسون" صرخ، ضحك بهستيريا، ونظراته تتحدّى الممرّضة "السّلطة"، وحين قمعوه بالصّدمات الكهربائيّة، أتوا به إلى سريره خرقة بلا حياة.

خنقه صاحبه العملاق الهندي الأحمر (من السكّان الأصليين)، الصّامت أغلب الوقت رافضاً التّحدّث بلغة أخرى ربّما لأنها غير لغته. لم يشأ أن يراه جثّة وهو مَن علّمه كيف يستعيد نفسه، ويكسر النافذة ليذهب بعيداً، مُحلّقاً فوق عشّ الوقواق. ماذا أراد حين أظهر ذاك الألم للسكّان الأصليين المخرج "ميلوش"، غير ذلك الانعتاق والحريّة والركوض في أرضه الأمّ الأصليّة؟ كانت إدارته للمثلين متفوّقة.

وحصد الفيلم عدداً من جوائز الأوسكار.


"أماديوس" بين المئة الأهم في تاريخ السينما

"أماديوس" بين المئة الأهم في تاريخ السينما
"أماديوس" بين المئة الأهم في تاريخ السينما

إن جاء المُبدع إلى هذه الحياة ولم يُفْسَح له المجال ليخرج حمله، ستصرخ موهبته ألماً وتحطّم مخبأها قبل أن تختنق. هكذا الفن، وهذا ما فعله أماديوس من خلال موسيقاه التي خَلَدَت، وكما أبرزه ميلوش فورمان الذي أطلق له العنان وأطلق عنان نفسه في فيلم "أماديوس" هذه الشّخصيّة العبثيّة، التي تشبه ذلك المجنون الفائِض حساسيّة (ماك ميرفي، في طار فوق عشّ الوقواق) حيث يبحث عن طريقة لخلاص أناس، حُكِمَ عليهم بالجنون، لحساسيّتهم المفرطة، وهذا الموسيقي الذي يبحث عن حياة من خلال موسيقاه.

فيلم أماديوس، يحكي عن الموسيقيرين اللذين عاشا في فيينا، النّمسا، خلال النّصف الأخير من القرن الثّامن عشر، فولفغانغ أماديوس موتسارت، وأنطونيو سياليري. الأوّل هو صاحب الموهبة الفذّة التي سيُخلّدها التّاريخ الإنساني، من خلال ما خلّفه من أعمال موسيقيّة رفيعة، وتتغذّى منها نفوس لأعدادٍ لا تُحصى من البشر، والثّاني صاحب الموهبة المحدودة، الذي كان يقف حجر عَثَرة في حياة موتسارت، وفقره يتسابق معه، فيؤلّف السمفونيّات ويتصارع مع الوقت، كي ينال فُتاتاً من المال الذي يعينه على الحياة، ولا طموح للثراء. الطّموح الوحيد هو إبراز وتأكيد موهبته، والغَرْف مما تحتويه أعماقه. فيلم أماديوس، هو سيرة حياة الموسيقي موتسارت، أو كما يُسمّيه البعض "موزار". كتبها "بيتر شافر" وقام بدور أماديوس، توم هيلوك، أمّا دور أنطونيو سياليري، قام بأدائه موراي أبراهام. فاز هذا العمل بأربعين جائزة تشمل 8 أوسكارات، ليصبح بالمركز 53 بين أفضل مائة فيلم في تاريخ السّينما.


"هير" وعصر الهيبّي

"هير" وعصر الهيبّي
"هير" وعصر الهيبّي

"هير" أو "الشّعر" ينضم للفيلمين اللذين ذكرناهما أعلاه، ليكونا من أفضل ثلاثة أفلام قام بها فورمان.  ولِدَ في تشيكوسلوفاكيا عام 1932 ويُعَدّ أحد مخرجي "الموجة التشيكيّة الجديدة". عاش يتيماً بعدما قتل النّازيين والديه، في الحرب العالميّة الثّانية، بتهمة انتمائهما إلى الثّورة.

يصف الممثّل والموسيقي الإسباني أنطونيو بانديراس، المخرج فورمان في وداعه على تويتر، بأنه عبقري "السينماتوغرافيا" فقد أثّر به عميقاً حين شاهد فيلمه "هير".

فيلم موسيقي تمثيلي، كُتِب في عام 1960 حين ظهرت "ثورة" الهيبّي، والاحتجاج على المظاهر الاجتماعيّة، فأصبح الشّباب يتركون شعرهم طويلاً على سجيّته، ويرتدوا الثّياب المُزركشة المُريحة والمصنوعة بيد حرفيين، ساخطين على الطّبقة الأرستقراطيّة حتى لو كانوا أهلهم. أحرار طليقون، ففي مشهد من المشاهد يصعد أحد الأبناء على مائدة الطّعام الطّويلة راقصاً، يغنّي: "أي غوت لايف ماذر" أمتلك الحياة يا أمّي/ أمتلك الضّحك يا شقيقتي/ أمتلك الحريّة يا أخي/ أمتلك أوقاتاً جميلة يا رجل/ أمتلك مليون دولار من السّحر يا قريبي/ أمتلك وجعاً في الرأس، ووجع الأسنان، وأوقات سيّئة أيضاً مثلكم..

كما كان ساخطاً على الطّبقة الثريّة وعلى التقاليد، أظهر "هير" أيضاً المجتمع السوسيوسياسي، وأخذ موقفاً ضدّ الحرب على فيتنام 1964_1975.

تزوّج ميلوش فورمان ثلاث مرّات ولديه ولدان ممثّلان هما بيتر وماتي فورمان. عن 86 عاماً رحل فورمان في 14 نيسان/أبريل 2018. رحيله كان صامتاً ومحاطاً بأفراد عائلته وأصدقائه المقرّبين، كما صرّحت زوجته مارتينا زبوريلوفا، وكان قد اعتزل العمل الفنّي عام 2011.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]