فاطمة خليفة

صحافية وكاتبة لبنانية. انضمت إلى الميادين نت عام 2016.

كسرة!

من يكتب قصيدة، مقالاً إخبارياً أو صحفياً، يدرك جيداً أن مدققاً لغوياً ينتظره عند نهاية كلّ نص. يعمل المدقق على وضع النقاط فوق الحروف بشكل جيد، يشدّ عصب الكلمات وأعصابنا، يختبئ وراء الأحرف والهمزات، ما أن تقدّم له مادة حتى يتصدّى جهازه العصبي بكامله للتصحيح!

لماذا عليّ أن أراعي ظروف الفتحة والضمّة وأن أنتبه إلى حساسيةِ الهمزة في ما أكتب؟
لماذا عليّ أن أراعي ظروف الفتحة والضمّة وأن أنتبه إلى حساسيةِ الهمزة في ما أكتب؟

الكتابة مساحة واسعة شاسعة للانطلاق نحو عوالم لا يمكن أن تطأها قدم، اللهم إلا مدقق لغوي. الكتابة تعبر عنك، عن واقعك، عن حلمك الذي قد لا يتحقق إلا بين عدة سطور، هي فن الرسم فوق الجروح، فلسفة تُخرِج منك أسوأ ما فيك وأجمله، انسكاب الحرف فوق كؤوس من التعابير والمُفردات. فرق كبير بين أن أقول لعزيزٍ يؤلمني فراقه لا تذهب سيؤلمني قلبي، وبين أن أقول له سأتقيّأ قلبي إن أنت ذهبت. جمالُ اللغةِ أشبه بقطعةٍ من "البقلاوة" تتناولها وفي قلبك ظمأ للحلوى. لكن قطعة الحلوى تلك تحتوي على سكّرٍ مضمومٍ بالقطر، وطحين مكسور بالماء، و و و وكذا الكتابة وقواعدها.

منذ أن قرّرَ الفراهيدي وضعَ عِلمٍ للعروضِ وكيفيّة تقطيعها وتوصيلها اختلف طلاب اللغة العربية حتى اليوم - وأنا منهم - على أهميّة ذلك العِلم المُرتبط ارتباطاً وثيقاً بالموسيقى. لكن القافية - على ذمّة الفراهيدي- لا تنتظم حروفها إلا بدخول البحور الطويلة والقصيرة كي نصل إلى "الرمل"، والله وحده يعلم إن أسعفتنا اللغة لننجو من "رزجها".

للشعراء مع القاعدة اللغوية حديث آخر، فمَن يفتي باللغة وعلومها وجد للشعراء حلاً شرعياً شعرياً مكّنهم من التملّصِ من القواعدِ وأثقالها، فالقافيةُ بإمكانها أن تشذّ عن القاعدةِ قليلاً، (آخر ساكنيْن وما بينهما والمتحرّك قبلهما مباشر)، ومباشرة يحقّ للشاعرِ العدول عن هذه القاعدة، والرويّ يجوز له أن لا يبقى نفسه طوال القصيدة، ويحقّ للشاعر ما لا يحقّ لغيره! لو كان الفراهيدي رحمه الله على قيد الحياة لمدحناه بقصيدةٍ عصماء يختار هو وزنها والقافية!

إذا سلّمنا جدلاً أن للشعرِ قواعد وحفر لغوية عميقة وهي ضرورية كي تنتظم القصائد ولا تقع، ما ذنب الكتابة الأدبية أو الصحافية في ذلك؟ أعني بذلك مجمع الكتّاب والأدباء والصحافيين، لماذا عليّ أن أراعي ظروف الفتحة والضمّة وأن أنتبه إلى حساسيةِ الهمزة في ما أكتب؟ ولِمَ يجب أن يمرّ كلامي على مُدقّقٍ يجد في كل 3 سطور 30 خطاً لغوياً؟

هذا الثقل المُرمى على ظهر كل مَن يطمح أن يكتب سطراً، والمُسمّى بـ "التدقيق اللغوي صعب ومُرهِق، يشبه تماماً أن تصعد السلّم وفوق ظهرك قارورة غاز، أن تركض وأنت عالِم بأن حبلاً غليطاً يلفّ قدميك.. ما الضيْر لو تحرّرت من بعض الكسور اللغوية دونما حَرَج، وتمكّنت من كتابةِ سطرٍ من دون أن يكسر مقاديفي مُدقّق لغوي؟ كم كاتِباً يمتلك حسّاً أدبياً عالياً تمنعه القواعد المُشدّدة من المُضيّ قُدماً إلى نصّه؟

كثيرون أو كثيرين لا أعلم. كلّ ما أعلمه أن هذا النصّ لن يجد طريقه للنشر إذا لم يمرّ على مُدقّق لغوي!

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]