فرح عيسى

كاتبة وشاعرة من لبنان

محمود درويش ... حاضر حاضر

أولئك الذين يسكنون حياتنا وضحكاتنا وذكرياتنا لا يموتون. جدي لم يمت. جدتي لم ترحل. محمود درويش حاضر حاضر.

محمود درويش ... حاضر حاضر
محمود درويش ... حاضر حاضر

تكاد تكون الصورة الفوتوغرافية التي أحتفظ بها لنفسي وأنا جالسة على مقعد في باريس، أشبه برواية أو قصة قد تنبأت بها عرّافة عندما كان رأسها يتمايل فوق خطوط الكف اليمنى، أو هو اجتماع الأقدار على نصّ حكاية تشبه حكاية جدي التي كان يعيدها وفِي كل تكرار لها ابتسم من جديد.

كنت قد وضبت حقيبتي التي لم تخرج يوماً من مطار بيروت إلا بوزن زائد ووضعت فيها كل تفاصيل الشتاء التي تتلاءم مع طقس باريس. رحلتي الأولى إليها في عام 2017. تأكدت من الفوضى العارمة في حقيبة يدي، تلك الفوضى التي تشبهني حدّ الصداع والتي كنت أتقن وحدي فن معرفة أماكن الأغراض في كل من زواياها بالرغم من ضجيجها.

وقفت أمام مكتبتي أتفحّص تلك الكتب التي تسللت إلى رفوفها قبل أن تُقرأ، والتي لما تجرّأت على الجلوس بالقرب من الكتب المقروءة لولا امتدت يدا أمي اللتان توضبان أغراضي غصباً عنهما، بقوة لا إرادية، متجاهلة كل آرائي حول الترتيب.

"أنا الموقع أدناه محمود درويش".

لم أقرأ الإهداء الذي كتبته لي إيفانا مارشاليان على كتابها. نعم كنت قليلة الذوق: لم أفتح الكتاب ولم أقرأ الإهداء منذ وقعنا كتابينا في معرض طرابلس. وضعت الكتاب في حقيبتي الضوضائية ثم حملته من جديد، وقرأت ما نحتته ايفانا بكثير من الحب على الصفحة الصفراء الأولى:

"الكاتبة العزيزة فرح عيسى

باريس خيمتنا

باريس قلعتنا

ونحن شهود على ذلك

ايفانا مرشليان

في 11-4-2015"

أقسم بأنني شعرت بشيء من الغرابة والشك، كيف علمت ايفانا أنني لن أفتح الكتاب إلا ليلة سفري الأولى إلى باريس؟ وكيف تنبأت بذلك منذ عام 2015؟ أهي مؤامرة يتواطأ فيها الكون والمجرات عليّ؟ لماذا كتبت لي عن باريس وليس فلسطين؟ كيف علمت بكل ذلك؟ كان المشهد يشبه فصلاً من كتاب "لو أورلا" Le Horla لغي دو موباسان. كان الأمر سوريالياً.

ما كان مني إلا الهرولة إلى صفحتها على الفيسبوك لأقول لها: "مساكي خير" لأحدثها عن الربع ساعة الأخيرة التي مضت لتوّها، عن الصدفة، عن الدنيا، عن كمّ الحب الذي صاغت به أحرفها ونمقتها وعن كيف تخيّلتُ عينيها تضيئان إنصاتاً لأحرفها المذهبة بالحبّ لمحمود درويش.

كنت أستغرب كيف كنت أكف عن التطلع إلى معظم المشاهير بعد لقائهم وكنت أسمع هذا من الكثيرين إلا أولئك الذين عرفوا محمود درويش. يحبونه في كل يوم أكثر وأكثر وفِي كل يوم يغيب به يولد من جديد طفلاً وأميراً وكاتباً وشاعراً ومناضلاً وإنساناً وينثرونه في القلوب كما قمح البيادر. وأخبرتها عن لقائي بــ "تريو جبران" ودرويش الذي يصرخ من أعوادهم ومن عيونهم وخاصة عيني سمير جبران المكللتان بالقوة والموسيقى والارض المسلوبة ورايات فلسطين.

أخبرتها كيف انتفضت أعوادهم في قلوب السامعين في عواصم العالم ومدنه. لتقول لي معرّفة محمود درويش: الغائب الحاضر... وانتهى اتصالنا على أمل اللقاء القريب لاحتساء فنجان قهوة.

تحدّثت ايفانا في كتابها عن لقائها بالدرويش الفلسطيني ومقابلتها الصحفية معه، عن لقائهما، عن حديثهما، عن منزله، عن عنوانه، عن الهدايا التي تبادلاها، وعن خطوات في شارع باريسي تحت المطر. والله أنّ قلبي بدأ بالخفقان عند قراءة النص تماماً كما قلبها في تلك الأمسيات الباريسية. وتأملت الصور التي وضعتها في الكتاب وخاصة تلك التي تصوّر مقعده بين شجرتين لم يظهر سوى جذعيهما. مقعد محمود درويش.

سرقت العنوان من الكتاب يا ايفانا وتسللت في ذكرياتك وذهبت إلى Place des États Unis بصحبة طوني قوزي الذي لم يتوقف عن قول: "هذا هو جذع الشجرة... أو يمكن الذي يليه". ثم يصمت متأملاً الأشجار والمباني وطابق منزل درويش ويتمتم: "والله مجانين" وزوجته رانيا الحامل بشهرها التاسع تتأمل زوجها من خلف زجاج السيارة في البرد الباريسي وتشير بإبهامها إلى كل مقعد علّه يشبه ذاك الذي في الكتاب.

وجدنا مقعد درويش وسط صهيل من الضحكات. إنتهت "الخبرية". قد تشعرون أنني سأخرج عن الموضوع... ولكنهم يا أصدقائي لا يموتون... أولئك الذين يسكنون حياتنا وضحكاتنا وذكرياتنا لا يموتون. جدي لم يمت. جدتي لم ترحل. محمود درويش حاضر حاضر.

الجميلون في هذه الدنيا يسكنوننا في رائحتهم وأغراضهم وصورهم وضحكاتهم بعيداً من القبور وحجرها الاخرس. لا زالوا يضحكون ويكتبون ويتحركون ويربتون أكتافنا ولا زلنا نسمع أصواتهم في بيوتهم وغرفهم ومقاعدهم ونحبهم حتى التعب.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]