عبد الله بن عمارة

كاتب من الجزائر

المسجد ودوره في النظام الحضري الإسلامي

كيف قامت مدننا الإسلامية؟ وكيف بدأت مركزية المسجد ضمن النظام الحضري الإسلامي الأول؟

الحديث عن دورٍ مركزيٍ للمسجد داخل النظام الحضري الإسلامي، يُحيلنا إلى المدينة الإسلامية الأولى التي جسّدت ذلك الارتباط العضوي بين شكل أو خصائص النظام الحضري؛ من تخطيط الفضاءات المَبْنِيَة وغير المَبْنِيَة، وشبكات الطُرق والنسيج الحضري ...الخ، وبين بنية المجتمع وما يرتبط بها من عوامل اقتصادية/اجتماعية وسياسية وثقافية وبيئية وديموغرافية. بمعنى أن أيّ نظام حضري، هو في النهاية، نتاج للتفاعلات بين كل تلك العوامل المذكورة، التي أدرجها إبن خلدون في مُقدِّمَتِهِ، في معرض حديثه عن أوضاع المدن وشروط قيام الأمصار، فكيف بدأت مركزية المسجد ضمن النظام الحضري الإسلامي الأول؟


المسجد الجامع في دولة المدينة

مثّل انتقال الرسول والمسلمين إلى يثرب مِفْصَلاً تاريخياً هامّاً في تاريخ الإسلام. فالتأسيس لكيانٍ مركزيٍ قائمٍ على منظومة قيمٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ وثقافيةٍ جديدة، مُستمدّة من التعاليم المقدّسة التي جاء بها الرسول لتنظيم شؤون الجماعة المسلمة في المدينة، هو عملياً، المرحلة الأولى لانطلاق مسار الحضارة الإسلامية، وإن كان لتلك التعاليم التأثير الكبير في تكوين خصوصية نمط عُمران المدينة الإسلامية في شكلها الأول، والترسيخ للعلاقة بين المجتمع وبيئته (السياسية والاقتصادية والديموغرافية)؛ ارتفاع المباني، عرض الطرقات والأزقّة، موقع السوق، تقسيم الأحياء ...الخ، فإن التجسيد الفعلي للتفاعل بين النظام الاجتماعي/السياسي والنمط العُمراني للمدينة الإسلامية، هو ظهور مركزية المسجد في دولة المدينة، باعتباره مقراً للحُكم (يجمع الرسول بين السلطتين الروحية/الدينية كمُتلقٍ للوحي، والتنفيذية كقائد سياسي للأمّة) ومصدر لاتخاذ القرارات والتشريعات التنظيمية لشؤون الجماعة وللتشاور والتقاضي، وهو بالإضافة إلى وظيفته الاجتماعية، حيث يجمع المسلمين خمس مرات في اليوم لأداء الصلاة، زيادةً على الصلوات الجامِعة في أيام الجمعة والأعياد، ذات الطابع السياسي/الإعلامي باعتبارها تتضمّن خُطباً للرسول.

فهو مركز يتوسّط كل النسيج العُمراني للمدينة. فكل الشوارع والطرقات تؤدّي إليه وتربطه بالأحياء القديمة لأهل يثرب (الأنصار في القاموس التراثي الإسلامي) أو التي بُنيت على الأراضي التي اُقتطِعت للمُهاجرين، حسب تكويناتهم القبلية.

وعندما يُبنَى مسجد في هذه الأحياء، فلا تتعدّى وظيفته أداء الصلوات الخمس، إذ لا يمكن أن يُضاهي مسجد الرسول، فهو المسجد الجامِع، وكان من الطبيعي أن تتحوّل هاته الأهمية الكُبرى للمسجد الجامِع ضمن النظام الحضَري الإسلامي، إلى نمطٍ عَمَّمَهُ المسلمون مع تَوَسُّع كيانهم من خلال "الفتوحات"، إلى مجالاتٍ جغرافيةٍ أبعد من الحجاز والجزيرة العربية، وصولاً إلى تَشَكُّل كيانٍ امبراطوريٍّ إسلاميٍ مُترامي الأطراف في فتراتٍ تاريخيةٍ لاحقة.


الكوفة ومركزيّة المسجد في النظام الحضري الإسلامي

إعتبر المؤرّخ التونسي هشام جْعَيّط في كتابه "الكوفة – نشأة المدينة العربية الإسلامية" أن مدينة الكوفة كأوَّل حاضرة اختطًّها العرب "الفاتحون"، بصفتها مِصْراً حقيقياً، ومركزاً للاستيطان العربي في العراق هي نموذج للتصوّر الحضَري الإسلامي، انتقل إلى باقي المدن في بلاد الرافدين كواسط، ثم لاحقاً إلى بغداد.

تَشَكَّل ذلك التصوّر، يكتب هشام جْعَيّط، من عناصر ثلاثة هي:

أولاً: مساحة مركزية كبرى سياسية ودينية تشكّل المسجد والقصر، وهي عبارة عن مكان القيادة وتَجَمُّع الناس.

ثانياً: الخطط القبلية للسكن

ثالثاً: المناهج التي تُمكّن من جمع القبائل المُقاتلة في أسرع وقت داخل الفضاء المركزي الكبير، ومركزية المسجد في التصوّر الأولي لبناء الكوفة تَمَثَّل في كون المسجد هو أول ما تم بناؤه في وسط المدينة لتلحقه الأحياء والشوارع والأزقّة التي توسّعت بشكلٍ مُرَبّعٍ أو مستدير (بخلاف المستشرق الفرنسي الذي أكّد الطابع الدائري للكوفة، فإن جْعَيّط يميل إلى كونها مُرَبًّعة كبابل، وأن الشكل الدائري لم يأت إلا لاحقاً مع المنصور الذي أعاد الحياة للنموذج الساساني الدائري).

يُستند هنا إلى نصٍّ لسيف بن عمر التميمي الوارد في تاريخ الطبري: "فأول شيء خُطّ بالكوفة وبُني حين عَزموا على البناء ،المسجد".. وليس هذا فحسب ما يُذكِّرُنا بالنظام الحضَري في مرحلته التأسيسية في المدينة المنوّرة، بل ما حدث من التمييز بين المكانة المحورية التي تَمَتَّع بها المسجد الجامِع الذي سُمِّي بالجامِع الأعظم ذي المكانة والرمزية الكبيرة و"المُخَصَّص لصلاة الجمعة وكافة الصلوات الرسمية التي تبدأ بالخُطبة، ولاجتماع الأمّة كافة بإشراف الوالي"، وبين باقي المساجد الأخرى التي بنتها كل قبيلة على الأراضي التي تم اقتطاعها لها في المدينة.

مثّلت الكوفة إذاً نموذجاً للمدينة الإسلامية بنظامها الحضَري المُتميّز بمحوريّة المسجد الجامِع ضمنه، ليس فقط للمدن التي تم بناؤها في العراق، وإنما أيضاً في باقي المناطق التي "فتحها" العرب المسلمون في إطار توسيع كيانهم الإمبراطوري في القرن الأول الهجري، كالفسطاط في مصر مع عمرو بن العاص، والقيروان كأول مدينة يبنيها العرب بقيادة عُقبة بن نافع في المغرب، والتي بدأ بناؤها بعد إتمام تشييد مسجدها الجامِع الذي توسّط "الأرباض" والأحياء (التي انتشرت بها المساجد) والدروب والأسواق حتى أضحت نموذجاً لمدن المغرب ذات الطابع المُرَبَّع أو المستطيل غالباً.


المسجد ... حضور رمزي أم تجسيد فعلي لشرعية الحُكم؟

رأينا أن المسجد الجامِع فَرَض حضوره المركزي في النظام الحضَري الإسلامي، ولم يعُد بإمكان أية مدينة تنتمي للفضاء الحضاري الإسلامي أن تخرج عن هذا الإطار من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب. لكن هذا الحضور يختلف بين الرمزية التي تفرضها مكانة المسجد الموروثة في وجدان المسلمين، كما في حياتهم الاجتماعية، وبين كونه المركز الفعلي لإدارة شؤون الحُكم.

فالنظام الحضَري الإسلامي كان يعكس تلك العلاقة الجدلية بين السلطة الدينية (الفقيه - الإمام) وبين السلطة التنفيذية (الأمير، السلطان، الخليفة) من خلال موقع المسجد الجامِع، في مقابل موقع دار الإمارة (بالإضافة إلى باقي المواقع التي تعكس مراكز قوى اجتماعية وسياسية أخرى كبيت المال والأسواق).

ففي عواصم الدول المغربية التي قامت على أساس دعوة دينيةٍ، حيث يجمع الحاكِم بين السلطتين التنفيذية والروحية، يكون المسجد الجامِع، مركز المدينة هو مقرّ الحُكم كما كان الأمر عند أئمّة الدولة الرُسْتُمِيَة "الاِبَاضِيِينْ" في تِيهَرْتْ (الجزائر)، أو حكّام دولة بني مِدْرَارْ "الصُّفْرِييِنْ" في سِجِلْمَاسَة (المغرب الأقصى).

في الجهة المُقابلة، يمكننا ملاحظة أن الفاطميين عند انتقالهم من المغرب إلى مصر لم يبنوا مدينة القاهرة حول المسجد الجامِع (الأزهر) وفق "تقاليد" النظام الحضَري الإسلامي، وإنما حول القصرين الّلذين تم بناؤهما للمعزّ لدين الله الفاطمي. ولا شك أن هذا كان انعكاساً لنظرة الفاطميين للحُكم في مصر.

مكانة المسجد الجامِع في المدينة الإسلامية، التي تختلف بين الحضور الرمزي المعنوي (مصدر لتوفير الشرعية الدينية للحاكم)، وبين المقرّ الفعلي للحُكم تنعكس أيضاً على موقعه. فقد لا يتوسّط المدينة كما رأينا في حال قاهرة المعز ، أو قد يَبْعُد عن دار الإمارة أو دار السلطان في بعض المدن الإسلامية، كما سَجَّل ذلك الرحّالة المغربي إبن بطوطة في مدينة قصطمونية التركية (قسطموني).

رمزية المسجد الجامِع ترتبط أيضاً بالطابع الذي تُضْفِيهِ السلالة الحاكِمة على نمط مِعْمَارِه (طريقة بنائه، شكل المئذنة، زخرفته، شكل محرابه، حجم فنائه...الخ) بحيث يصبح ذلك الطابع دالًّاً عليها ومُخَلِّداً لتاريخها.

فالمسجد الجامِع في قرطبة يُعبِّر عن النمط المعماري الأموي الذي نجده في مسجدي دمشق وحلب، والطابع المُرَابِطِي هو السِّمة الأساسية للمسجد الجامِع في تلمسان وفي الجامِع الكبير في مدينة الجزائر وفي الجامِع الكبير في نَدْرُومَة (في الجزائر وفي باقي مدن المغرب الكبير)، والنمط المعماري المُوَحِّدي لا يزال يشهد على حجم الازدهار والرُقَيّ الذي وصلته إمبراطورية المُوَحِّدين في مسجد ومِئْذَنَة أشبيلية (كاتدرائية أشبيلية والمِئْذَنة المعروفة بالخيرالدا)، كما في مسجد الكُتُبِيَّة في مَرَّاكِش ومسجد حسان غير المُكتمل في الرباط.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: webculture@almayadeen.net