رنا زيدان

كاتبة فلسطينية مقيمة في لبنان

عن كلود مونيه الذي يرسم كما يغنّي الطير

"نحن نرسم كما يغني الطير؛ الرسوم لا تصنعها الشرائع"، هكذا عبّر كلود مونيه عن طريقة رسمه.

لوحة "مصبّ نهر السين عند هونفلور"
لوحة "مصبّ نهر السين عند هونفلور"

"شيئاً فشيئاً استطعت أن أفتح عيني، وأن أتفّهم الطبيعة" كلود مونيه.

إنه أوسكار كلود أو كلود مونيه. رسّام فرنسي من أعظم فناني عصره. تمرّد على قوانين الفن التقليدية القائمة على رسم وتصوير العناصر بدقّة تامة. فقد خلق أسلوباً جديداً في الرسم مُفعم بالحرية والحيوية، ما جعل لوحاته تحفاً فنية غيّرت من طريقة رؤيتنا للواقع والطبيعة، لتصبح أكثر عمقاً وتحفيزاً للخيال.

لمونيه علاقة فريدة مع الطبيعة وعناصرها. فقد تناغم معها بطريقةٍ ساحرةٍ عبرت عن شغفه بها، حيث قدّم لوحات تنبض بالحياة نكاد نشعر أثناء مشاهدتها بالهواءالنقي ورذاذ الموج على وجوهنا، وكذلك أصوات أشرعة القوارب عندما تحتك بالهواء. فمونيه لم يرسم الطبيعة في غرفة مُغلقة، بل كان يصوّر لوحاته في الهواء الطَلق، وكان لديه رحلات للرسم في الطبيعة مع أصدقائه الفنانين.

فقد كتب صديقه فريدريك بازيل إلى والدته قائلاً:"لقد أمضيت ثمانية أيام في قرية شيلي الصغيرة بالقرب من غابة فونتانبلو، وكنت بصحبة صديقي مونيه، وهو متميّز في تصوير المناظر الطبيعية. وقد أعطاني بعض النصائح..".

في تلك الرحلة مع صديقه بازيل أنجز مونيه لوحة "مصبّ نهر السين عند هونفلور" في العام 1865.

هذه اللوحة وغيرها من لوحات البحر تظهر لنا مدى تعلّق مونيه بالبحر. فلوحة "مصبّ نهر السين عند هونفلور" على وجه الخصوص، تجعلنا نشعر أننا مكان مونيه. نتأمّل أمواج البحر العالية، ونستمع لأصوات الصيادين في المراكب الشراعية الممزوجة بأصوات النوارس التي تحوم في الأعلى، وذلك بالقرب من الغيوم البيضاء الخفيفة في وقت الظهيرة، والسماء زرقاء ومُضيئة.

ولتكتمل المشهدية، رسم مونيه في لوحته البيوت البعيدة الواقعة على الضفة والمنارة البيضاء.


تمرّد مونيه على طريقة تصوير الفنانين التقليديين لمناظر الثلج
تمرّد مونيه على طريقة تصوير الفنانين التقليديين لمناظر الثلج

أحب مونيه أيضاً فصل الشتاء، وكانت لديه رغبة عارمة في رسم لوحات عن هذا فصل لتصوير مناظره وظلاله. ولذلك ذهب في رحلة في العام 1869، ليكمل لوحاته التي تصوِّر المناظر الخارجية، ولكن هذه المرة في الثلج.

يقول مونيه "سأذهب إلى الريف، فهو الآن مكان جميل، إذ أن حبي له في الشتاء أكثر منه في فصل الصيف". ومن هنا كانت لوحته "طائر العقعق". 

كعادته، تمرّد مونيه على طريقة تصوير الفنانين التقليديين لمناظر الثلج مستخدمين اللون الأبيض الناصع. فقد استخدم ألواناً مختلفة كالذهبي، والكريمي، الليموني والقرنفلي، ووزّع الظلال وأشعة الشمس التي تتخلّل الأشجار، مستعيناً باللونين الرمادي والبنفسجي الخفيف لإظهار انعكاس الأضواء على الثلج. كما أنه صوّر طائر العقعق باللون الأسود واقفاً على البوابة ذات اللون البني الغامق والأشجار العارية المُثقلة بالثلج، الأمر الذي أضاف طابعاً درامياً على اللوحة.


لوحة "ريجاتا في أرجينتوى"
لوحة "ريجاتا في أرجينتوى"

في العام 1871 انتقل مونيه إلى مدينة جميلة على ضفاف نهر السين، تُدعى أرجينتوى، وبدأ رحلات وتجارب جديدة بالرسم والتصوير، فقد كان يرسم من فوق قاربه الذي حوّله إلى استوديو، ورسم العديد من اللوحات لليخوت والأشخاص والطبيعة بالتأكيد.

رسم مونيه لوحة "ريجاتا في أرجينتوى" 1872، أثناء رحلاته في الأستوديو العائم الخاص به، وفيها يظهر لنا أسلوب مونيه الفريد، باستخدامه لضربات الفرشاة السريعة والمائلة، وكذلك شغفه في إظهار الأضواء والإنعاكاسات التي تبرز على سطح مياه البحر، بألوان منعكسة من العناصر الواقعية ، كالنبيذي المنعكس من قرميد المنازل، والبني من أشرعة القوارب، والأخضر من الأشجار على الضفة، هذه الأضواء والألوان أضفت حساً فريداً على اللوحة.


 لوحة "انطباع - غروب الشمس"
لوحة "انطباع - غروب الشمس"

"..هناك شيئاً قمت به بلوهافر: الشمس أظهرتها منعكسة على سطح المياه الملىء بالضباب، واخترت عدداً محدوداً من المراكب الشراعية الصغيرة...وقلت حين ذاك: هذا ما يسمّى انطباعاً"، هكذا تحدّث مونيه عن لوحته "انطباع - غروب الشمس" 1872-1873، والتي استلهم منها النقّاد آنذاك إسم تيار الانطباعية، وبذلك أصبح مونيه رائد المدرسة الانطباعية، والتي تعتبر أبرز حركة في الفن التشكيلي.


لم يرسم مونيه في لوحته هذه المنظر الطبيعي للبحر عند لوهافر، ولكن كما وصفها بنفسه، إنها لوحة تسجّل الحال وتغيير الضوء، لذلك يغلب عليها طابع بخاري مليء بالغيوم والدخان. كما أظهر مونيه صفحة المياه وتأثيرات الضوء ومتغيّراته عليها، تبعاً لحركة الرياح والأمواج والجريان. وصوَر المراكب والصياد وانعكاس أشعة الشمس بطريقةٍ انطباعيةٍ غير ثابتة ودقيقة.


بعد وفاة كاميى، زوجة مونيه انتقل مع أبنائه إلى جيفيرني الممتدة على نهر السين، للعيش في منزل بحديقة قرب نهر صغير، فمونيه كان حريصاً دائماً على التواجد بالقرب من الطبيعة.

في هذه المرحلة اهتم مونيه بتصوير التغيّر الذي يطرأ على الضوء والحال، طيلة أوقات النهار، وقد أبدع بأسلوبه هذا، فكان يبدأ بالرسم في الهواء الطلق، ثم يكمل لوحته المليئة بالألوان داخل الأستوديو، فينقل المنظر الواحد في أوقاتٍ مختلفة من اليوم أو السنة أو الفصول، ليسجّل تأثيرات الضوء المختلفة وتغيّر الحال الذي يحدثه في المشهد الواحد.

اللوحات لأكوام القشّ التي كانت موجودة بالقرب من منزل مونيه بجيفيرني، رسمها 25 مرة بين نهاية الصيف وبداية الشتاء في العام 1891، بأوقاتٍ مختلفة من النهار ومن زوايا مختلفة. تظهر اللوحات تغيّر الضوء وتأثيراته على الحسّ الذي يضفيه على المكان، كما كان مونيه يهتم بطريقة توزيعه للضوء، ما يعطي لكل لوحة طابع خاص، على الرغم من أنها لوحات لمنظر واحد، وهو أكوام القشّ.


لوحة "زنابق الماء"
لوحة "زنابق الماء"

ظلّت طبيعة جيفيرني تلهم مونيه، وتحديداً حديقته الخاصة. وفي أحد الأيام كان يتأمّل بركته المائية، فقال:"وفجأة اتضح لي أن بركتي المائية رائعة، فمددت يدي إلى باليتة الألوان".

ومن هنا كانت لوحاته الشهيرة التي تعتبر من العلامات البارزة في تاريخ مونيه الفني، ومنها لوحة "زنابق الماء" 1913.

أمضى مونيه وقتاً طويلاً في رسم حديقته المائية والزهور - منذ بداية القرن العشرين - فقد أحب مونيه الزهور كثيراً، وكان شغوفاً في دراستها بشكلٍ حسّي وإدراكي، وتأثيرات الضوء والظلّ عليها، واهتم في إظهار جمالية الزنابق والأزهار الملوّنة العائمة فوق الماء برقة.


لوحة "الصفصاف الباكي"
لوحة "الصفصاف الباكي"

حتى في أكثر الأيام سواداً، ظلّ مونيه يرسم ويصوّر الطبيعة. ففي الفترة التي لم يكن يستطيع الرؤية بوضوح، رسم أعمالاً عظيمة.

فقد أمضى سنواته الأخيرة يرسم البركة الخاصة به وزنابق الماء وأشجار الصفصاف الباكي في الأستوديو الذي أقامه في حديقته في جيفيرني. ومن هذه اللوحات، لوحة "الصفصاف الباكي" 1921-1922.

رسم مونيه هذه اللوحة في الفترة التي كان يعاني فيها من عدم القدرة على الرؤية بوضوح، لذلك نجد ضربات الفرشاة أكثر حدّة، والألوان أكثر كثافة ودكانة، فحبّه للطبيعة والرسم، دفعه للاستمرار برسمها، وتصويرها.

لذلك توحي لنا هذه اللوحة بمشاعر مونيه والتجربة التي كان يمر بها آنذاك.

"نحن نرسم كما يغني الطير؛ الرسوم لا تصنعها الشرائع"، هكذا عبّر مونيه عن طريقة رسمه، فالرسم لديه أمر غريزي وفطري، فهو خلق ليرسم كل ما يحب، الطبيعة من الأشجار، البحر، الزهور، الضوء وكل ما يتصل بها، بحرية تامة من دون أية ثوابت وقواعد، فقط أراد أن يكون أميناً وحقيقياً في علاقته مع الطبيعة، وهذا ما كانه.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]