مازن معموري

شاعر وكاتب من العراق

رسائل الحب.. فن التوسّل الساحِر

كتابة الرسائل بين حبيبين يمتلكان صنعة الكتابة وموهبة الابتكار، تُثير الدهشة أكثر من كتابة النصوص الأدبية. هل يبدو هذا حكماً نقدياً؟

فن الرسائل هو فن التعرّي طالما أن مَن يكتب الرسالة يضمن سرّيتها،
فن الرسائل هو فن التعرّي طالما أن مَن يكتب الرسالة يضمن سرّيتها،

أعتقد أنني وجدته في أهم نموذجين لفن الرسالة وهما كتاب (رسائل إلى ميلينا لفرانز كافكا/ ترجمة هبة حمدان) وكتاب (رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمّان )، خاصة وإننا نتحدّث هنا في محور كتابة الرسائل الأدبية بصفتها جنساً أدبياً شائعاً في عالمنا المُعاصر، وأول ما يلفت انتباهنا إلى أنه فن سرّي بامتياز، وما أن ينشر حتى تضجّ به الدنيا وتختلف فيه الآراء والتأويلات، وذلك لسبب جوهري يكمن في كونه يقدّم لنا لأول مرة حقيقة الذوات الكاتبة خارج منظومة العُرف العام والنَسَق التداولي للشخوص المعروفة سلفاَ بجديّتها في المشروع الأدبي أو السياسي معاً.

فن الرسائل هو فن التعرّي طالما أن مَن يكتب الرسالة يضمن سرّيتها، لذلك نجد الإثنين معاً وهما يقدّمان لنا خلاصة مشاعرهما وانفعالاتهما من دون تردّد، لدرجةٍ أن كافكا في أحدى رسائله يقول (لقد شعرت بالإحباط عندما أخرجت ترجمة الكتاب من الظرف الكبير، فهي لم تكن رسالة منك)، لأنه كان يريد سماع صوتها وهي تكتب الكلمات، صورة الكلمة تستدعي الصوت واللحم والصورة، الرسالة هي الكتابة باللحم بدل الحبر، وقد يعتقد البعض إننا نبالغ في التوصيف لكنها الحقيقة لمَن يجرّب كتابة رسالة إلى حبيبته، وفي النهاية يكون القرار بيد المرأة كما يقول كافكا، لأنّ التراسُل ينقطع إذا انقطعت المرأة. وهو جوهر الحب القائم على أساس القبول والتواصل من المحبوب، والأنثى هي المركز في نهاية الأمر.

ما فعلته غادة السمّان بقوّة، هو نشر رسائل غسان كنفاني ولم يكن الناشر وسيطاً آخر، وهو فعل يكسر شرط السرّية في كتابة رسائل الحب، وقد برّرت غادة عملية النشر بالوفاء للعهد ودعم أدب المراسلات وإحياء ذكرى غسان، ولا نعتقد أن في أيّ من هذه المبرّرات ما يمكن التوقّف عنده، لأنها ببساطة مبرّرات هامشية والحقيقة تكمُن في نرجسيّة غادة ذاتها، ولكن ما يهمّنا هنا هو قيمة تلك الرسائل التي تعدّ واحدة من أجمل النصوص الأدبية في الأدب العربي.

خلق غسان كنفاني عالمه الخاص بكل جوارحه ولم يكن يريد من غادة أيّ شيء عدا فكرة الحب لذاته، وهو يقول (أنا لا أريد منك شيئاً)، وكأن غسان يتمتّع بصوفيّة الحب الأفلاطوني، ولا يريد النزول عند حد الجسد لأنه يدرك جيداً أن الحب سيموت حالما يقطف ثمار المحبوب مادياً. فلا غرابة أن نجد الحبيب يتوسّل طالما أن المحبوب غائب أو بعيد (أرجوك .. دعيني معك. إنك تعنين بالنسبة لي أكثر بكثير مما أعني لك وأنا أعرف ولكن ما العمل؟)، وهذا التوسّل هو جوهر المُراسلة بين حبيبين يولهان ببعضهما إلى حد الغيبوبة عن الوجود، أو إنهما ينوجدان داخل المتن السردي للرسالة فقط. إنها حقيقة أن تكتب رسالة حب وتعرف جيداً إنك تنفي وجودك في الآخر المحبوب، وغسان يدرك إن غادة نرجسية وصعبة القيادة.

كلا الفارسين كافكا وغسان، يعملان على فرض وطأ الأرض الخصبة لروح المحبوبتين ونقصد ميلينا وغادة السمّان، فكلا الطرفين مهووسان بالآخر، ويعملان على تذويب الآخر في الذات المحبة للنفي والتدمير في سبيل المحبوب، عبر فن التوسّل الذي تصنعه الرسالة وتزرع أفخاخاً من اللغة وهي تصوّر المحبوب وتجرّده من حياته السابقة. هل بعد ذلك من أدب؟ نشكّ في ذلك.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: webculture@almayadeen.net